بقدر ما يُعدّ التصنيف مغرياً، إلا أن H1-B ليس أحد أنواع الفيروسات التي تُسبّب حمّى قاتلة؛ إنها التسمية المعتمدة لبرنامج تأشيرات الدخول القائم على المهارات الذي تطبّقه الولايات المتّحدة.

هو برنامج فريد من نوعه كونه يربط سياسة الحكومة على مستوى الهجرة مع احتياجات الشركات وتطلعاتها لجذب المواهب. العمال المهرة، الذين يحملون في الحد الأدنى إجازة جامعية، يستفيدون منه، كونه يفتح لهم الباب أمام الإقامة الدائمة، التي عادة ما تكون برعاية المؤسسات التي جلبتهم. والشركات بدورها تستفيد من جذب ألمع الأدمغة لتعزيز تنافسيتها في اقتصاد يُعدّ الأول عالمياً في إنتاج المعرفة واستثمارها. تتحكم الدولة الفدرالية في مفاصل الأمور، وبهدف "حماية" العمال الموجودين أساساً في سوق العمل، تفرض على الشركات كوتا عالية تدفعها لمن تستحضره؛ في عام 2014، كان معدّل الدخل السنوي للعامل الماهر الذي قدم إلى الولايات المتحدة في إطار البرنامج المذكور، يبدأ بحدّ أدنى هو 75 ألف دولار. وعلى الرغم من أنّ البلاد مقبلة حالياً على مرحلة من التقييد والميول الانعزالية، وربما بعض الشطحات العنصرية في تقويم أحوال الوافدين إليها في سبيل السياحة، العمل أو العلم، يبقى هذا البرنامج مثالاً على الفعالية في إدارة علاقة البلاد مع المواهب وأصحاب المهارات المنتشرين على هذه الأرض، وهي علاقة جذب تحفزها منافسة متزايدة على المهارات بين الدول.

تركّز شديد في 4 بلدان

بين عامي 1990 و2010 نما عدد المهاجرين الذين يحملون شهادات جامعية بنسبة 130%، بحسب تقرير حديث للبنك الدولي، صدر أخيراً، بعنوان "حركة المواهب في العالم". وفي المقابل، سجّلت هجرة الفئات الأقل مهارة نمواً بنسبة أضعف بكثير لم تتجاوز 40%.
يؤكّد التقرير العرف القائم، الذي يُفيد أنّ هناك تكتلاً من الدول يجذب المهارات، مكوّناً من بلدان صناعية هي أعضاء نادي الأغنياء، أي مجموعة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، في مقابل مجموعة بلدان تُصدّر الأدمغة. غير أن التقرير يُحدّد أكثر مستوى التركّز في هذا المجال، إذ يوضح أنّ أربعة بلدان فقط من تلك المجموعة تعتمد الإنكليزية لغة رسمية هي الولايات المتّحدة، كندا، أستراليا والمملكة المتحدة، تجذب نحو 70% من كل المهاجرين أصحاب المهارات المتدفقين إلى البلدان الصناعية، وعددهم 28 مليوناً.
الولايات المتّحدة تتبوّأ الصدارة، إذ إن حصّتها تبلغ نصف المواهب المتدفقة إلى البلدان الصناعية، وثلث أصحاب المهارات المهاجرين حول العالم. وفي عام 2010، وهو آخر الأعوام التي يقوم عليها مسح البنك الدولي، كانت البلاد تحوي 11.4 مليون مهاجر ماهر، أي ما يعادل 3.5% من عدد سكانها الإجمالي.
المعايير التي تعتمدها الولايات المتحدة لجذب المواهب تختلف عن برنامج النقاط الذي تعتمده كندا مثلاً. هنا، على العامل الماهر الذي يرغب في الهجرة إلى الأراضي الكندية أن يجمع أساساً 67 نقطة مؤهّلة يراكمها عبر 6 مجموعات تصنيف؛ مثلاً، في مجال التحصيل العلمي، يحصل على 15 نقطة إذا كان قد أتمّ برنامج دبلوم لعام واحد فقط بعد المدرسة. أماً عملياً، فيحصل على 9 نقاط بمجرّد إتمامه عاماً كاملاً من الخبرة العملية.

هجرة النساء الماهرات

يعود جزء مهم من تنامي حركة المهارات وتركّز أصحاب المواهب في البلدان الصناعية إلى الدور المتعاظم للمرأة، إذ يقول تقرير البنك الدولي إنّه بين عامي 1990 و2010، نما عدد النساء المهرة المهاجرات في البلدان الصناعية بنسبة 152%، وبلغ 14.4 مليون امرأة، ليتخطّى عدد المهاجرين الذكور أصحاب المهارات.
وعلى الرغم من أنّ الأسباب الكامنة وراء هذا النمط من الهجرة وتركّزه أكثر في أوساط النساء لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتدقيق، إلا أن "هناك أدلّة متراكمة تفيد بأنّ الاختلاف في مدى احترام حقوق المرأة بين بلدان المصدر وبلدان الاستقرار تلعب الدور الأساسي في حركة التدفقات هذه".
وبالفعل، لدى مقاربة أوضاع البلدان العربية مثلاً (راجع الكادر المرفق) على مستوى تسهيل اندماج المرأة في سوق العمل، تتضح بعض الأسباب التي تدفع النساء اللواتي يتمتّعن بمهارات علمية وعملية إلى الهجرة من بلدانهن الأصلية.

تسهيل هجرة الكفاءات

غير أن العمل والانعتاق من التنميط الاجتماعي والجندري ليسا كلّ الحكاية في هجرة المهارات الدولية، إذ يُفيد تقرير البنك الدولي بأنّ البلدان الأربعة الرئيسية التي تُعدّ كلّ منها قبلةً للهجرة الدولية، تحوي 18 من أهمّ 20 جامعة في العالم وأكثر من ثلثي الجامعات المئة الأولى بحسب هذا المؤشر. هذا الواقع معطوفاً على رغبة لدى الطلاب المهاجرين في الاستقرار في البلدان الصناعية التي يهاجرون إليها، يؤدّي مثلاً إلى نمو عدد الطلاب الأجانب في الجامعات الأسترالية ليُشكّل ربع عدد الطلاب الإجمالي. وتلعب سهولة انخراط الطلاب في سوق العمل دوراً مهماً في جذب المهارات إلى هذه السوق تحديداً.
كندا مثلاً تعمد حالياً إلى تعديل قانون الهجرة بناءً على مسوّدة قدّمتها الحكومة الليبرالية تهدف منها عكس مفاعيل التعديلات التي كانت قد مرّرتها الحكومة المحافظة السابقة عُدّت "معادية للمهاجرين" وتصنّف المواطنين "كنديين درجة أولى وثانية" من خلال تصعيب الحصول على الجنسية عبر زيادة شروط الإقامة، وفي المقابل تسهيل عملية انتزاعها. واللافت أن من بين البنود الجديدة المطروحة تيسير حصول الطلاب الأجانب على الجنسية، من خلال احتساب نصف وقت إقامتهم كطلّاب (وبحدّ أقصى لا يتجاوز 365 يوماً) باتجاه حصولهم على الإقامة الدائمة وبعدها الجنسية، التي تتطلّب ــ بحسب القانون الجديد المنتظر ــ المكوث بصفة مقيم دائم لفترة 1095 يوماً خلال فترة خمس سنوات.
وفي معرض الإعلان عن مسودة قانون الهجرة الجديد، تعهّد وزير الهجرة الكندي، جون ماكالوم، بتسهيل الهجرة للطلاب الأجانب، وقال: "إنّ الطلاب الأجانب هم المصدر الأفضل للمهاجرين، من حيث مستواهم التعليمي، وإتقانهم اللغة الإنكليزية أو الفرنسية، ومعرفتهم النسبية بشؤون البلاد"، مشدّداً على أنه "يجب أن نعمل كلّ ما في وسعنا لاستمالتهم".
الولايات المتحدة نفسها، التي تعيش اليوم بعد انتخاب دونالد ترامب رئيساً لحظات دراماتيكية في ما يخصّ علاقتها بالمهاجرين، لمست فعلياً تأثير تعقيد معاملات تأشيرات المهارات على تدفق الطلاب. فمنذ أن تمّ خفض أعداد تأشيرات الدخول المخصصة لأصحاب المهارات ــ حيث كُبحث عند 85 ألفاً سنوياً منذ عام 2004، 20 ألفاً منها لحاملي الشهادات العليا ــ تراجع تدفق الطلاب الأجانب إلى الجامعات الأميركية، وكذلك سُجّل اختلاف في المستوى التعليمي الذي يتمتعون به، ما يوضح الترابط المباشر بين الرغبة في تعزيز المكتسبات الأكاديمية ومن بعدها مباشرة الاستقرار في البلد المنشود بصفة إقامة دائمة.

الهجرة بالعكس

ولكن حتّى عندما تكون أسواق العمل في البلدان الصناعية ملائمة لأصحاب المهارات المهاجرين، يوضح تقرير البنك الدولي أنّ الهجرة يُمكن أن تنعكس وتُصبح عودةً إلى الوطن الأصلي. وبالفعل يتوصل إلى أن "ما بين 20% و50% من المهاجرين يغادرون خلال فترة خمسة أعوام على وصولهم... مع الملاحظة من خلال بعض المعطيات أن احتمال عودة المهاجرين من أصحاب المهارات هو أكبر من ذلك المسجّل لدى أصحاب المهارات الأدنى".
أن يعود المهاجرون أو أن يستقرّوا في بلادهم الجديدة هي خيارات تختلف باختلاف قدرة المجتمعات على الدمج وقدرة البلدان الأصلية على جذب أبنائها للعودة. غير أن شيئاً اواحداً مؤكداً هو أن "هجرة المهارات واندماج أسواق العمل العالمية للمهن التي تتطلب مهارات عالية ستستمرّ بالنمو" يقول البنك الدولي. قد تُقرّب تكنولوجيا المعلومات والاتصالات المسافات، غير أنه لم تُثبت حتّى الآن قدرتها للعب دور البديل عن حزم الأمتعة وإعداد الشنط للرحيل.




خيارات المهاجر اللبناني: فرنسا وأميركا

قرابة 500 ألف مهاجر لبناني موزّعون على خمسة بلدان هي الولايات المتّحدة بنسبة الربع تقريباً، تليها أستراليا فكندا وألمانيا ثمّ السعودية. هذا ما تفيد به بيانات الأمم المتحدة، وتحديداً برنامج اليونيسف، والتي تُعدّ إجمالاً تقديرات محافظة. فهي في عام 2013 لم تكن ترصد سوى 21411 مهاجراً سورياً إلى لبنان مقابل نحو 550 ألف مهاجر/لاجئ فلسطيني. غير أن اللافت في الحالة اللبنانية ــ طبعاً بغضّ النظر عن كون جيش المهاجرين اللبنانيين الإجمالي يُعدّ حوالى مليون ــ هو ما يُسجّل على مستوى هجرة الطلاب، ويؤكّد فرنكوفونية هذا البلد، مخالفاً النمط العالمي المسجّل على هذا الصعيد. ففي عام 2013 أيضاً، تصدّرت فرنسا لائحة البلدان التي تجذب الطلاب الجامعيين اللبنايين بفارق كبير عن البلدان اللاحقة، وهي الولايات المتحدة والإمارات العربية المتحدة وإيطاليا وألمانيا. إن عدد الطلاب اللبنانيين في بلاد الافرنج هو أكبر منه في البلدان الأخرى مجتمعة. فهل ينقلب الميزان لمصلحة كندا، في عصر يعود فيه اليمين بقوة إلى الساحة السياسية الفرنسية، وتُشكّل أوتوا العاصمة الوحيدة ربما في العالم التي تُبشّر بالتعايش ما بين الأديان والأعراق، وتُشرّع أبواب هجرتها؟




المرأة العربية في الهوّة

تُظهر البيانات الدولية أن حركة المرأة صاحبة المهارات والموهوبة تلعب دوراً أساسياً في آليات الإنتاج العالمي. وكما يوضح تقرير البنك الدولي، فإنّ عدد النساء المهاجرات اللاتي يتمتعن بمهارات عملية تخطّى عدد الذكور في بلدان مجلس التعاون الاقتصادي والتنمية. رغم ذلك، تبقى المرأة في العالم العربي مقموعة في تحقيق تطلعاتها العملية. هذا ما تُظهره بيانات لمنظمة العمل الدولية (2015)، وتحديداً مؤشّر الهوة الجندرية في أوساط الشباب، الذي يقيس، بالنقاط المئوية، الفرق بين معدّلات التشغيل في صفوف الذكور والإناث. ففيما ينخفض هذا المؤشر إلى نقطة واحدة على المستوى العالمي، ويُصبح سلبياً في بلدان شرق آسيا (أي إن التشغيل في أوساط الإناث أكبر منه في أوساط الذكور) يتضخّم الفرق إلى 27.6 نقطة مئوية في البلدان العربية، وهو المعدّل الأعلى بين مناطق العالم على الإطلاق. الأنكى، هو أنّ هذه الهوة التي تُظهر حجم القمع والتنميط الذي تتعرّض له المرأة، تزايدت على نحو مقلق منذ عام 1991، حين كانت 22.5 نقطة مئوية. لذا، فإنّ استمرّ ركود البلدان العربية على المستوى الجندري، فإنّ "هجرة الأدمغة" سُتصبح أكثر فأكثر اهتماماً نسائياً عربياً.