يتوافق خبراء الاقتصاد على أن دور حكّام المصارف المركزية في العالم يتغيّر طبقاً للظروف: عادةً ما يكون الدور تقنياً يقوم على تعديل الفوائد والتلاعب بالسيولة لتحفيز أو كبح الاقتصاد، أو يكتسب طابع الإيهام ليُصبح حاكم المصرف ساحراً يتلاعب بالجمهور ويُقنعه بما يرتأيه من سيناريوهات تُحدّد سلوكهم ووعيهم العام لدوره وتوقعاته.

في لبنان، يتمكّن الحاكم من لعب الدورين في الوقت نفسه. ففي معرض تدخّله في الاقتصاد منذ نهاية التسعينيات عبر خطط التحفيز والأدوات النقدية القائمة على تعديل الفوائد ومستويات الاحتياطي الإلزامي، يُحقّق مصرف لبنان دعماً كلياً للاقتصاد يتمظهر في رفع معدل النمو، وفي الوقت نفسه يسرق الأضواء بزعمه دعم القطاعات الإنتاجية وخلق الوظائف فيما الحقيقة أن المستفيد الأكبر من الدعم هي الكتل المالية القائمة التي تراكم الريوع والأرباح.
بلغة غير مباشرة يخلص البنك الدولي إلى هذا الاستنتاج في تحليل معمّق لـ"تدخّل المصرف المركزي في الاقتصاد اللبناني" تتضمّنه النشرة الاقتصادية الخاصة عن لبنان لخريف 2016.
"على الرغم من أن حاكم مصرف لبنان يُشير دوماً إلى أهمية برنامج القروض المدعومة للاقتصاد، إلا أن لا أدلّة قائمة على تأثير هذه البرامج على النمو الاقتصادي وخلق الوظائف"، يقول التقرير في إحدى خلاصاته.
يقوم التحليل على تحديد الهدف الذي وضعه مصرف لبنان لتدخله في الاقتصاد الحقيقي وهو تحفيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) عبر خطط تسهّل حصولها على التمويل. أما نتيجة هذا التدخل فتمثّلت "باستفادة القطاع العقاري بالنسبة الأكبر من القروض المدعومة وببقاء القروض المخصصة لتلك المؤسسات عند مستويات متواضعة".
تؤكّد هذه الخلاصة أن الجهاز المصرفي اللبناني الذي يُعدّ المموّل الأول للقطاع الخاص وللحكومة يتلاعب بالسيولة على نحو يغذّي أرباحه، فهو أساساً، وبحسب كلمات البنك الدولي نفسه (2015)، "ليس واضحاً مدى اهتمامه بتمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بغياب برامج التحفيز الائتماني القائمة على دعم الفوائد، والكفالات الخاصة والإعفاءات من الاحتياطي الإلزامي".
صحيح أن البنك الدولي لا ينفي أنه في ظل الشلل الاقتصادي الذي يُسيطر على البلاد، والأوضاع الأمنية الهشة وتداعيات الحرب في سوريا، يُعدّ الاقتصاد اللبناني في حالٍ أفضل بوجود خطط التحفيز مقارنةً بغيابها. يقول: "هناك نظرة عامّة متوافق عليها، وهي أنه في ظلّ عدم الاستقرار السياسي والأمني، فإنّ نمو الاقتصاد اللبناني كان ليكون أدنى بدون رزم التحفيز التي قدّمها مصرف لبنان". مثلاً، في عام 2013، أدّت الكلفة المنخفضة للتمويل عبر رزمة تحفيز بقيمة 1.46 مليار دولار، إلى تحفيز النمو الاقتصادي بواقع 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية.
إلا أنه يؤكّد أن "لهذا التدخل ثمناً يتكبده مصرف لبنان، وهي كلفة من الصعب تحديدها إنما لها تداعيات محتملة على السياسة النقدية في المدى البعيد".
فلننطلق إذاً من أصل الحكاية.
بدأ المصرف المركزي بدعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة منذ عام 1997 حين أطلق سياسة القروض المتوسطة والطويلة الأجل ذات الفوائد المدعومة، وعزّز هذا التوجّه في عام 2001 عندما أعفى المصارف من بعض الاحتياطي الإلزامي بهدف توجيه القروض إلى قطاعات الصناعة، السياحة، تكنولوجيا المعلومات والزراعة. وتعزّز تدخّله المباشر والقوي في الاقتصاد في عام 2009. حينها، ونتيجةً للسياسة النقدية التي اعتمدها وقضت بدعم المصارف مباشرةً عبر امتصاص سيولتها الفائضة "باستخدام شهادات إيداع عالية الفوائد وأوراق مالية أخرى"، زاد كسل البنوك وحدّت إقراضها للقطاع الخاص، وفقاً لما توصّل إليه صندوق النقد الدولي حينها، فكان أن رضخ المركزي لمطالبها وعزّز إعفاءها من الاحتياطي الإلزامي حين تستخدم القروض للقطاعات المذكورة آنفاً؛ خطّة تمّ تعزيزها في عام 2011 عبر رفع سقف الإعفاء إلى 90% من القروض التي تستخدمها في هذا الإطار.
استمرّ الدعم بهذه الصيغة حتّى عام 2013. حينها، أعلن المركزي عن توجّه جديد لسياساته الاندماجية في الاقتصاد وذلك عبر خطة تحفيز اقتصادي بقيمة 1.46 مليار دولار تقوم على تعزيز الإقراض للقطاع الخاص تحت عنوان "خلق فرص عمل جديدة للشباب اللبناني وتحفيز الاقتصاد اللبناني من خلال ضمان مدّ الشركات الصغيرة والمتوسطة بالتمويل اللازم".

السياسة النقدية ستُصبح أقل فاعلية على مستوى التحفيز الاقتصادي

وكان الهدف المعلن من الخطة هو تحفيز القروض لقطاعات الصناعة وتكنولوجيا المعلومات والزراعة والبيئة والقطاع السكني والسياحة. ولكن، بحسب البنك الدولي فإنّ 56% من تلك القروض خُصّصت للقطاع السكني وحده.
وخلال عام 2014، أعلن مصرف لبنان عن تعزيز مخططه عبر رفع خطة التحفيز بواقع 0.92 مليار دولار إضافية، ومن ثمّ بـ0.99 مليار دولار في العام اللاحق، دعماً للقطاعات المذكورة نفسها.
وتقوم آلية الدعم هذه على تأمين "قروض ميسّرة للمصارف التجارية التي بدورها تمنح هذه القروض للقطاع الخاص بمعدلات فوائد مدعومة".
"النسبة الأكبر من قروض مصرف لبنان المدعومة بخفض الاحتياطي الإلزامي توجّهت نحو قطاع الإسكان". وبين آذار 2012 وآذار 2015، استحوذت القروض السكنية على 76% من القروض الإجمالية المدعومة بآلية خفض الاحتياطي الإلزامي.
"وفي المقابل، فإنّ القروض الممنوحة للقطاعات الإنتاجية والشركات الائتمانية المجهرية والتعليم والمشاريع المراعية للبيئة حظيت بنسب 3.5% و0.4% و1.6% و0.5% على التوالي من إجمالي القروض المدعومة المستخدمة".
يقول التقرير إنه "على الرغم من أن خطط دعم الإقراض التي ينفّذها مصرف لبنان تبدو أنها حسّنت قدرة اللبنانيين على تمويل شراء المساكن، وكذلك حسّنت شروط الإقراض، إلا أنها تُغذّي سلوك اللهث وراء الريع لدى المصارف والمطورين العقاريين".
فعلياً، يُقدّر أن خطط التحفيز رفعت الطلب على المساكن بنسبة 10% غير أن "الكلفة التي يتكبّدها مصرف لبنان من جرّاء هذه التدخلات غير معروفة". ويعود ذلك إلى أن "مصرف لبنان لا ينشر بيانات مداخيله فيما ميزانيته لا تؤمّن سوى معلومات محدودة". وبنتيجة ذلك فإن "الأكلاف المرتبطة بعمليات الدعم لا يُمكن قياسها بدقة إلا أنّ لها انعكاسات محتملة على السياسة النقدية في الأجل البعيد (على مستويي التضخم وسعر الصرف)".
يلاحظ تقرير البنك الدولي أن الحماس الذي رافق مبادرات المصرف المركزي - تحديداً على مستوى القروض المدعومة - ساهم في تحفيز النشاط الاقتصادي، "ولكن بعد سنوات عديدة على اعتماد هذا النوع من الإقراض من الأهمية بمكان إيلاء الانتباه إلى مسألة القدرة على السداد ومعدلات الرفع المالي" أي عدم التناسق بين حجم القروض الممنوحة للعملاء ومعدلات دخلهم.
ويكتسب هذا الأمر أهمية متزايدة في المراحل الطويلة من تباطؤ النمو كما هي الحال عليه في لبنان منذ عام 2011. ولذا، يتابع التقرير، قام مصرف لبنان بتوجيه البنوك التجارية إلى فرض دفعة أولى للقروض السكنية أو لشراء السيارات لا تقل عن 25% من قيمة الأصل المطلوب على ألّا تتعدّى قيمة السند الشهري 45% من ميزانية الأسرة المستهلكة، مع العلم أن النسبة تنخفض إلى 35% في حالة القرض السكني.
وانطلاقاً من هذا المعطى، يؤكّد البنك الدولي أنه "برغم كون السياسة النقدية إحدى الأدوات القليلة الفعالة لدعم النمو في مرحلة التباطؤ الاقتصادي، إلا أنه بالنظر إلى الأمام، فإنها على الأرجح ستُصبح أقل فاعلية على مستوى التحفيز الاقتصادي".




هكذا استفادت المصارف من اللعبة

خلال الفترة الممتدة بين الفصل الأول من عام 1997 والفصل الثالث من عام 2015، بلغت القيمة التراكمية للقروض المدعومة (ذات الفوائد المنخفضة) 6.43 مليارات دولار (9694.4 مليار ليرة). ووفقاً لحسابات البنك الدولي، فإنه إذا اعتبرنا أن معدّل الدعم هو 4% للفترة المذكورة، فإن الكلفة المتراكمة لهذا الدعم تعادل 0.62% من حجم الناتج المحلي الإجمالي.
"ويُقدّر أن تكون المصارف قد ولّدت إيرادات، يبلغ معدّلها 0.49 مليون دولار في كلّ فصل، نتيجة سياسة مصرف لبنان خفض الاحتياطي والالتزامات المفروضة عليها". وباعتماد هذا الرقم فإن "الإيرادات المتولدة من جراء استخدام الأموال المخصومة تساوي 18% من الإيرادات الإجمالية للقطاع المصرفي في عام 2014" على اعتبار أن الإيرادات المجمعة لهذا القطاع بلغت 10.8 مليار دولار (16317 مليار ليرة).
ويُشار هنا إلى أن القطاع المصرفي يربط ارتفاع إيراداته الإجمالية في ذلك العام بنسبة 10.4%، بتعزّز الإيرادات المتولدة من الفوائد حيث بلغت 8% مقارنة بـ6.6% في عام 2013. وتقول جمعية المصارف إن "الارتفاع في الفوائد المحصلة ناتج عن القروض الممنوحة للقطاع الخاص ومن الاستثمار في الأدوات المالية مثل سندات الخزينة وشهادات الإيداع... مع العلم أن معدلات الفوائد في سوق بيروت بقيت ثابتة عموماً فيما بقيت عند مستويات منخفضة جداً على المستوى الدولي".
وفي ذلك العام فاق صافي الفوائد التي حققتها المصارف التجارية 3 مليارات دولار (4574 مليار ليرة) بارتفاع نسبته 11% مقارنة بالعام السابق، أما الأرباح الصافية فقد ارتفعت بنسبة 2.6% إلى أكثر من 1.68 مليار ليرة (مع العلم أن تلك الأرباح بلغت 1.9 مليار دولار في عام 2015).