الجو بارد، الزمن بطيء إذا تعلق الأمر بفيلم من الأفلام العربية. أما إذا شاهد من يشاهد فيلماً أجنبياً، لا يعود لا الجو ولا الكلام بطيئاً، حيث ينطلقان بسرعة سيارة حديثة، كما لو أن الوقت وقت السينما الغربية. إن الجميع على مسافة من الأفلام المحلية، إثر امتلاء برطمان السينما الجديدة بأسماء وأسماء، كخيري بشارة ومرزوق وشاهين وعاطف الطيب ومارون بغدادي وبرهان علوية ورندة الشهال... لا تحتاج الأخلاق إلى تفاصيل لأنّ المرور على الأفلام الأجنبية، كالمرور على قصر، تبقي الأفلام المحلية/ العربية معلّقة على لوحات الانتظار أو الموت. يقف النقّاد فوقها، حين يقفون تحت الأفلام الأجنبية ذات القيود والاقتياد الهوليودي، ولو ابتعدت عنه. لا يظهر أحد الورود المستترة في المنتج المحلي، حين يتكلم من تحت قميصه أمام أفلام سبيلبيرغ أو غودار أو تارانتينو وغيرهم، كأن هؤلاء يقرؤون الصحف العربية، حين ينبغي للمخرجين العرب قراءة الـ «هيرالد تريبيون» و«الموند»، بعدما فاتتهم كرّاسات السينما ذات الشهرة والصيت البليغين. لا عدل، حين يقفز النقاد فوق الأفلام المحلية والعربية، حين يتكلمون من تحت قمصانهم، لتظهر أصواتهم عريضة وكلامهم طالعاً إلى وجوههم وهو يصوب إلى أفواههم، لتنطق بضروب الذهب أمام إنتاجات نتفليكس والأفلام الحائزة جوائز «الدب» والأوسكار وجوائز المؤسسات الأجنبية. هذا ارتداء لمعاطف السفر بدون سفر. لن يستغرق الأمر سوى دقائق حتى تنتشر الأقوال بالإصرار، بالانحناء أمام المخرج الأجنبي في شغله على بينوكيو أو على غلوري أو على إمبراطورية الشمس أو على أفلام باركر وكوبولا وروبيرت ريدفورد وليام نيسون وغيرهم، بسرعة أربعين ألف ميل بالساعة. لا بأس، لكن ليس على طول غرف الوقت ومنارات الكلام.

كأن من يكتب أو يتكلم بقلمه أو كومبيوتره، لا يرى أن ذهابه ذهاب صحيح إلى المنتج المحلي والجمهور المحلي. اثنان مدفوعان خارج القطار وهو يطلق إشاراته ليصل من الطرف القصيّ إلى الطرف الأقصى في مديح السينما الأميركية وبعض الأوروبية، بلغة منحنية. وهي لغة متشاوفة، أمام بعض قمم الرأس المحلية. هكذا، تبقى الأفلام العربية لا تُضرب حتى بالتفقّد، ويبقى الجمهور أمام المزيد من الكلام المثاقف مجموعة من الأشباح في ديار الاغتراب باللغة المحلية. الأفلام الأميركية أيقونات، تقف أطول مدة على صفحات من يمتلكون السلطة من امتلاكهم سلطة منابرهم. لن يسر الأمر أحداً، لأنّ أحداً لم يبق بما يرنو إليه المثاقفون. رجال ونساء يرفعون رؤوسهم وأعناقهم ويبقون عيونهم على الأفلام الغربية، بحيث يرتفع المنتج والمخرج الأجنبي من رفع الرؤوس والأعناق والأعين، لا من شيء فعله فقط. المخرجون الأميركيون آلهة، أمام من يتظاهرون بفهم اللغة، حين يتركونها في غرف الفضائل. تفحص حقول في جهة ولا مزور على الحطام (إذا تعلق الأمر بحطام فعلي) في جهة. كما لو أن من يكتب ثري، يوزع نقوده على أثرياء السينما، من يحلّقون كالطيور وهم يدفعون إلى شجرة السينما لكي يشدوا إليها موسيقى أفلامهم بالحبال. هذا قدرٌ يتسم بالعجرفة (لا مؤاخذة). ذلك أن ثمة رجالاً ونساء يقفون في صفوف الانتظار في تضاعيف كانڤا تشكل باب ورشة السينما في العالم. لكن ثمة من لا يزال مصراً على أن لا سحب ولا قدر من الاستطاعة سوى في المقالب الأخرى، في حين أنّ من يقفون على مقلبهم في بلدانهم العالمثالثية/ اللاصناعية، البعيدة من أحوال الرأسماليات الوحشية، ليسوا سوى صبية يرمون الحجارة بالنهر لكي تلحق الكلاب بها. ارتداء ملابس الآخر يسرّ عيون اللابسين. وهم يرون أن لا لون فعلياً، سوى في شهب السينما الأجنبية، وأن غير الأجنبي لن يتمكن من الحصول حتى على غبار الشهب. ذلك أنه فاتهم، وإذا لا سيفوتهم، لأنه يتبخر لدى ولوجه المجال الجوي المحلي.
ثمة فرق بين المتابعين والتوابع. كثر التوابع وقلّ المتابعون. سيغفر كثيرون خطأ التوابع، لأن المرحلة مأزومة، ولأن من يكتبون يحكمون وهم يكتبون، يحكمون بأحكام تاتشرية. لا أزال، في هذا المجال، أرى أن ثمة تلوثاً لم يستطع أحد ضبطه على مر الأعوام. وإلا ما هي الفائدة إذن في نفخ أوداج مخرج مكسيكي على صفحة في صحيفة لبنانية، إذا عناه الفرق أو لم يعنه بين حكايات الأطفال وروايات الراشدين، إذا ارتشدوا. ما الفائدة من توسيع مساحة متحف الأسماء الغربية على صفحات الصحف اللبنانية والعربية، وتغييب الأعمال العربية. إنه الارتباط بالآخر من خلال تمجيده وتتحيفه وتأليهه، وتغييب من يحاول أن يُحدث فرقاً باللحم الحي، بعيداً من علم الكياسة. وقوف بالوفاء والنقاء أمام الأفلام الأجنبية ووراء المرابض المدفعية أمام الأفلام العربية والمحلية.
تسقط في بعض الأحيان كرات من اللهب بدون أن يلحظها أحد، لأنها لا تضع أوراق التاج على رؤوسها. جرف النهر الكثير من الأفلام كما جرف «الهيبة/ الفيلم» (إنتاج شركة «الصباح»/ صادق الصباح/ إشراف زياد الخطيب) وهو لا يزال على شاشات الصالات في لبنان منذ أشهر. بعيداً من الأعين، هكذا يظهر الأمر، كأنه يُعرض في سينما خلفية من سينمات ساحة البرج في مرحلة الحرب الأهلية. ليمونة طازجة، عوملت كعجوز ميت، كمنسي من مفقودي الحرب الأهلية، بدون فتح ثغرة في الجدار على علاقته بالأجزاء الخمسة من الدراما التلفزيونية «الهيبة». هذا مدخل جرت تغطيته بحجر الآجر. لم ينتقِ مثاقف مقطعاً وتمعّن النظر فيه. ولم يقف على كيفية الخروج من التلفزيون إلى السينما كأن ثمة صلة قربى يدركها الجميع. لا بد من تجاهلها إذن. بالخطو اللامتراجع، يمكن القول إنّ الفيلم لا يقع في الثراء الفاحش ولا في الفقر المدقع إذا ما فتحت رسومه التخطيطية، لكي تُرى على ما هي عليه. يمكن القول إنّ سامر البرقاوي، الشاب الهادئ يخوض واحداً من انقلاباته على ذاته، بخروجه من أجزاء خمسة، من 150 حلقة تلفزيونية إلى فيلم في ساعتين، بدون أن يضع السينما أرضاً وبدون أن يحمر وجه مشاهد مما يشاهده في «الهيبة» الفيلم. ذلك أن الجزء الخامس من «الهيبة» لم ينصرم إلا بعدما اشتكى من تغييب الروح الفيلمية في الأجزاء الأربعة. ذلك أن الجزء الخامس حفل بتفعيل روح السينما أو الروح الفيلمية في الشاشة العريضة خلال العمل على منتج شاشة ضيقة، شاشة المنزل. وهي شاشة من أخطر الشاشات، إذ تطيح بكل الأبواب أمام ما يتوقع وما لا يتوقع. لم يدق البرقاوي عنق الدراما التلفزيونية وهو يتولى المناصب الفيلمية فيها بالأناقة والإشراق، من زوايا الكاميرا وحركتها وعلاقتها بالفضاء والوجوه والأجساد والنبرات واشتغالاتها على مقالات السينما وأحاديثها، من الفرام إلى الفريز. رسم الدوائر المشتركة بعناية تقوم بلف الأطراف باتجاه الداخل المشترك. تلقت السينما تعليماتها من البرقاوي ذي الطابع الإنكليزي. لن يختفي شيء داخل وجه الأرض ولا في الهواء ولا في الفضاء. الكاميرات تواجه بعضها في صراع اللياقة البدنية بين الواحدة والأخرى، واستخدام ما فقد خلال موجة الرعب من التقنيات الحديثة. ظهرت الحركة الفنية الداعمة للفيلم السينمائي في جزء «الهيبة» الخامس، ثم جرى الانتقال إلى السينما بدون تقليد النفس في الدراما التلفزيونية الجماهيرية الكاسحة. الأخيرة مشهورة لدى النقاد بدق العنق، دق عنقها، إذ يرون فيها تفاوتاً أيديولوجياً هائلاً بين التنخيب والتشعيب، أي بين الشعبي والنخبوي. وهذه قرصنة مسبقة لبعض الأعمال ذات التوجهات الواضحة في دراسة وقيام منتج شعبي، لا يقع في التهافت كما جرى في «الهيبة» الفيلم. وهو عمل على درجة من الأهمية من خلال مجموعة من الفقرات، متعددة الاهتمامات. إذ إن ما قام به البرقاوي فعل حساسية متوقعة، ضد المضاد الحيوي النقدي، بخروجه من الرقص الطويل في الأجزاء الخمسة من «الهيبة» إلى طبع «الهيبة» الفيلم بالتكثيف. من تسعة آلاف دقيقة في الأجزاء الخمسة إلى 150 دقيقة في «الهيبة» الفيلم. ما فعله البرقاوي هو القفز برشاقة كي يحصل ما فوق المعتاد، لا مما هو منشور، مما سينشر. إذ إن لجان الدراسة لن تجد قرباً ولا شبهاً، ولا ارتطاماً بين الهيبة التلفزيونية و«الهيبة» السينمائية. التكثيف ناتج عمليات، تتكثّف فيها التفاعلات الجزئية لتكون جزئية كبيرة. تنفصل بعض الجزئيات غير الضرورية بالطريق إلى الأمر. وهذه قضية لا يستطيع من يرغبون أن يطوقوا أعناقهم بها لو أرادوا بالابتسامات، لأنّ مدها يقوم على التطويق والتوشيح لا التلميح. خرج سامر البرقاوي من الأكاليل الخمسة الموضوعة على جدار دراما «الهيبة» إلى نضارة التكثيف، قوته. كحَّل به الفيلم وهو يخرج من ضوء إلى ضوء. ذلك أن التكثيف نوع من الصقل المبهر، يعلم من يدخل فيه أن عليه أن يمعن النظر من أبواب الاحترام، احترام شيء للخروج منه وعليه. واحترام شيء للدخول فيه وإليه. هذا رسم من رسوم، تعني أن الدراما لن تموت في الفيلم وأن الفيلم لن يموت في الدراما. لكل ما يليق به. وهذا عمل أنهاه البرقاوي، بقص الضماد عن ذراع كي يضعها على ذراعه الأخرى، لا لأنها مصابة. ليذكر نفسه بأن الرسم على الجدران غير الرسم على السقف. ولو أن المكانين على علو واضح.
لا يترك سامر البرقاوي عملاً قبل أن ينهيه. التكثيف عمل أنهاه في «الهيبة» الفيلم، حيث راح يقطع أكثر وأعمق (يشتغل الآن على دراما «الزند»). فعل ما فعل حتى يعين الفيلم على التنفس، وحتى يعين المشاهد على التنفس، ولو أن الفيلم سيشعر بالتحسن إذا ما تم الاستغناء عن ربع ساعة منه، لأنّ التطويل القليل يؤدي إلى البرودة. الخروج من هذا المكان يحتاج إلى عملية بسيطة. غير أن ملاط الفيلم لم يتشقق مع هذا التطويل البسيط، ما لم يفقد الفيلم، المشهد، الصورة، نضارتها. والنضارة أجر كامل دفعه البرقاوي مقدماً وهو يميز بين الضوء واللون. لن يغيب نهار إذا ما غاب الضوء، ولن يغيب ليل إذا ما غاب اللون. الأخير واحد من أكواب البرقاوي، طبيب من أطباء عديدين وقفوا على صحة الفيلم وحيويته. لا حدة زوايا ولا بهتان ألوان. ذلك أن الأخيرة تجيء من خلف المشاهد لا من المشاهد مباشرة. تجيء كما جاء التلامذة إلى العشاء الأخير، بأشد الحيوية وأفضلها. اللون فاصل على الصعيد الفيزيائي للمشاهد، للمواقف، للكائنات الحية. مومئ يقوم بأعمال الجر والنقل والتكوين، ثم يقوم بنقش المشاعر، وهي في بعض المشاهد بحجم تلة. يرحّب اللون بالآخر، يقوده ويطعمه في أقسام الخدمة العديدة في الفيلم. يتغير كل شيء بالضوء، ثم إنّ الضوء في الفيلم ضد الجصية. يرسم نصف وجه أو يرسم وجهاً كاملاً. لكنه يرسم العيون وهي تنفرج وتتحدث، حين تتيقن أو تسأل. يُترجم الشغل على الضوء في الاستجابة الدماغية والحسية. يرحّب البرقاوي بالعيون كما لو أنها مجموعة أبناء، لا بد من رعايتها وخدمتها، لأن بمستطاعها أن تقول الأشياء بخفة نشال وبثقل جبل. ارتباط الضوء باللغة طبق من أطباق البرقاوي. وهي تحدد جزءاً من روح العمل بنحو عام. ثم إنّ الإخراج، ما دام الكلام على اللغة، يقطع أمياله وهو يصارع الحكاية. لا ينحني لها إلا احتراماً لكتّابها وهو واحد منهم (ورشة تأليف جماعي) لأنها حكاية مصدقة، أعجبت في الأجزاء التلفزيونية. لكنها موضع اختبار في الفيلم السينمائي، حيث لن تحدث البهجة سوى إثر العرض. لم يبق النص في منطقة والإخراج في منطقة، تسقطها الواحدة على الأخرى، ولو أن النص بقي يحاول تركيز جلسته على أطول مدة، حيث توقف البرقاوي على إشارات معينة فيه. إشارات متفق عليها وهي الأقل قوة، وإشارات مستترة وهي الأكثر قوة. لا انعطافة في النص، الانعطاف فيه من قراءة الإخراج. قرع الإخراج لأبوابه كأنه غرفة أقرب إلى شرنقة، لن تلبث أن تنفتح لا أن تتمزق. وهو يدري أن بالمقدور تحويله إلى نص برمي معطف الإخراج عليه. ذلك أن قص الحكاية ترك أمتعة الرواية والكلام على مقاعد. إذاك فعل البرقاوي ما أراده. وضع الأمتعة في الطرف القريب لا الطرف القصي من الطراوة، كمتاع واحد. ثمة ما أرسله البرقاوي كي يتفقد النص المتظاهر في بعض المساحات، وهو ينتقل من حد إلى حد في نوع من العدل. هكذا، طرح النص رايات البطولة، كما لو أبطاله يتموضعون على أكسية الخيول بانحرافات الحياة في دولتين أجنبيتين (تركيا وبلغاريا). لا لأنه سعى وراء الظفر بالكوسموبوليتية. لأنه لم يرد أن يظهر سهلاً وهو يطرح قضايا الإتجار بالبشر والتهريب والمافيات والعنف والحروب وتأثيراتها ونتائجها. كل ما لا يلفت الانتباه في فيلم عادي، موجود في «الهيبة» الفيلم لأنه تتلمذ على مفهوم الجلاء لدى البرقاوي، الهادئ، الصامت. جلاء كل ما هو جدير بالتعرف إليه. ثم إنّ الاشتغال على الضوء سوف يقود إلى مرج التظليل. الأخير رسام بدوره، وهو يصنع لنفسه شهرته مع البرقاوي، من يقيم في ورشة دائمة، حتى وهو يقف وراء الكاميرا بآماله العريضة ذات النبرة المكتومة. هذا رجل بيد خضراء كلما وضع يده على مساحة اعشوشبت. محليٌ، ليس جديداً على المهنة، يقود الأداء بالعلم، كما يقود المشهد بانعكاس الألوان والأضواء عليه، بعيداً من الاضطراب والنفور. لا يهشّ الرجل أحداً. سوف يفعل في توليف المشاهد، حتى إذا لاحظ أداء ضعيفاً من ممثل في مشهد عالجه بالانحراف من اللقطة المقربة إلى اللقطة البعيدة. هذا شكل من أشكال الإخراج واحترام من يأوي إلى أعماله (من المكتسبات في أجزاء «الهيبة» الخمسة وفي «الهيبة» الفيلم، قيام فريق عمل محترف بالكتابة مؤلف من عصام بو خالد وسعيد سرحان إلى سامر البرقاوي نفسه، وفريق إنتاج احترافي مؤلف من وائل الكردي وفهد السعيد وآخرين، وفريق تقني مؤلف من مصورين ومهندسي صوت وديكور). ولو أن كاميراه في «الهيبة» الفيلم كاميرا مقتحمة، كاميرا/ نافذة على الدواخل. إنها تقف في الوجه مباشرة، في التضاعيف، التصاريف، لكنها في هجومها على الوجوه وعلى ألوانها الفعلية ليست كاميرا تتعالى وهي ترفع الكلفة بينها وبين من يقوم بما يقوم به أمامها. الأهم أنّ أحداً لن يتمكن من الحصول على مزاج صاحبها وهو يرسم بدون أن يهز رأسه استنكاراً لا في حضور نجم ولا في حضور شاب صغير جديد. كاميرا تتجه إلى حيث تدفع، إلى حيث يدفعها البرقاوي لا مدير التصوير. وهذه ملاحظة تحرر الإخراج من الاستسلام إلى حبال مديري التصوير. للأخير دوره المخلص، دوره الموسيقي، لكن الموسيقى لا تسمع إلا بتفحص الأعمال اليومية للبرقاوي.

رفيق علي احمد في فضاء آخر بمعدلات عالية. وهذا من عادات هذا الرجل

من يمسك بالدرامات والأفلام من جلدها. لقد عثر الرجل على طريقة يقص بها. لكنه لن يتوقف أمامها لأنّه ميال إلى البحث والزخرفة والارتفاعات الهادئة.
ثمة جسدان في الفيلم: جسد خارجي وجسد داخلي بروح واحدة. المشاهد باللغة الإنكليزية تظهر كأنها لا تفعل المطلوب منها. ثم إنّ وسام الانتصار يُمنح لحفل الزفاف الواسع بين الجنسيات وتصوير حقول العنف كما لو أنها طيور خرافية، تسمع فيها موسيقاها الداخلية رغم وقوفها على محاكاة القوة وترجمتها العنف بتشكيلات أشبه بالصخور المرجانية في بحر هائج. الأنسنة، إبهام الفيلم وسبابته. لا شيء عادياً يحدث، وثمة أشياء عادية. تيم حسن (جبل) يسلم نفسه إلى ما سمعه خلفه في الدراما التلفزيونية. إنه يرفع ما خزنه مما كاد يختفي في الدراما. يرفع برق الإنسان، من يعتبر أن إنسانيته حجر كريم لا بد من إشهاره ما دام يمتلكه. لن يهز كتفيه استخفافاً بالآلام الشخصية، وهو يحملها إلى سقفها الإنساني الأعلى. كأنه يقشر نفسه، كي يظهر التقشير ما في داخله. رفيق علي احمد في فضاء آخر بمعدلات عالية. وهذا من عادات هذا الرجل. سعيد سرحان يمنح نفسه كما يمنح المشاهدين فرصة مشاهدة أبرز الاندفاعات الشابة في السينما والتلفزيون. محمد عقيل يؤدي كما ينبغي أن يحدث. زينة ملكي تحفر، لكنها تبقى على بعد بضعة منازل من كرسي البطلة (يعود الأمر إلى عدم توظيفها الدرامي بما تستحق). ثم إنّ مرافقي البطل في استطاعتهم أن يؤدوا وأن يظهروا ردات فعل جديرة بالمحاكاة. إذ إن إدارة الممثل عند البرقاوي ذات إصرار مرتفع، يبدو كأنه يديرها على استحياء، بينما الأجدر إدراك أن الإدارة لا تتعلق بالأقوال وحدها. هكذا هو في الأعمال الموكلة إليه، في كل الحالات. الأهم أن ثمة شهباً من المتعة في «الهيبة» الفيلم. إمتاع المشاهد يجلسه على كرسي السيد وهو يبدي ردات الفعل على تمكن المشاهد من نفسها ومن تمكن الفيلم منه. لا بطيء ولا سريع لأن الإيقاع نجم الفيلم السيّار. إيقاع لا يتبخر لدى ولوجه المجال الجوي والمجال الأرضي للفيلم الخارج على قولبة الدراما التلفزيونية.
«الهيبة» الفيلم ليس محاولة كاريكاتورية. إنه جزء من حوار يجري خفية بين الدراما التلفزيونية والدراما الفيلمية، لا يستطيع أحد أن يتجاهلها حتى ولو تجاهلها. جنس واحد في جنسين، ثم خروج إلى عبارات السينما الواضحة وهي تنشر نفسها في نوع عثر عليه البرقاوي من خلال تنشئته نفسه. ثمة ضرورة للقول بأنّه ميال إلى السينما الإيطالية. سينما تيراتوري بالأخص، إلى كل ما يعنيه الفرق بين محاولات مجردة ومحاولات علّمت نفسها كياسة العلاقة بالسينما، بعيداً عما يعنيه الفارق في السن بين التجارب القديمة والتجارب الجديدة. لا طفولة ولا مراهقة في الفيلم الأول لسامر البرقاوي. إنه يقف في كامل هندامه هنا، وهو لا يزال يفكر في فيلمه الخاص. فيلم في الرأس بضروراته وتوابعها. وهو ينتمي إلى فئة المعنى.

* «الهيبة» في الصالات اللبنانية