حتى في العصر الحديث، يخرج الأسلاف من قبورهم لا لتنشّق هواء نظيف إنما لكي يقولوا. هناك مثلاً، مقولة مأثورة تتناقلها الأجيال شفهياً توحي، للوهلة الأولى، بأنها خرجت من فم مجعّد بلا أسنان ينطق بثقة الحكيم الواعظ، إذ بها تحدد لسامعها الرّامي للسراط المستقيم ماذا يأكل وكيف يرتدي. مثل أي خرافة يذيع صيتها بأنها خبرة الحدث والشاهدة عليه، يجد تقليدها طقوسه في عادات الأهل ووصاياهم، فيُقال، للأجيال الصاعدة، مما يُقال، «كُل على ذوقك والبس على ذوق الناس». والمقولة الخرافية هاته تعني أنك حر في اختيارك للطعام حسبما تمليه عليك حاسة الذوق. أما عندما يُستثار ذوقك حيال اللباس، فتمهل قليلاً واضبط عينيك، فعليك الانصياع لما يجيره لك الحس العام.

يجد دون كيشوت نفسه سعيداً وسط نزاع مستحدث كهذا، في التحدي المحموم بين العام والخاص، متأهب في معركة ستحدد وجهة الرابح أي مصيره: فإما أن يصير دون كيشوت موضة، إما يختفي اسمه من التداول. إن الرابط بين الاثنين أساساً، بين الأكل واللباس، فاقد للمذاق وعار عن المنطق، بل يبدو عجيباً، إن لم نقل أن لصاحبه طابعاً عجائبيّاً، يؤمن بقدرة عينيه على الأكل من خلال النظر، أي التهام كل مظهر يراه شهياً يغري بصره. لكن هذا يبقى باستثناء شعري.
يرى من أخذه الشك من الحكاية الخرافية بدلاً عن اليقين من عبرتها، نفسه متسائلاً: لماذا هو ذوق الناس يا ترى، وكيف بات ذوقهم ملكاً متربعاً على عرشه بل هو بمثابة الآمر والناهي؟
إذا كان الأهل هم القاعدة التي يقوم عليها السلف، لا يحتملون فردانية دون كيشوت وانفلاته من القيود، فإن العصر الحديث بما هو قرية صغيرة واحدة، والقرية في القاموس أو في السجل العدلي يحكمها السلف وخرافته، يغير جلده بشكل يومي بشرط الحفاظ على علّته، أي على تقاليد سلفه، وعليه، لا يأبه باستبدال فاعله طالما قاعدته محفوظة. هكذا، يَستبدل الأهل بالشركة، ليتم إيلاءها وظيفتهم الإرشادية، بإناطتها للدور الذي يلعبونه فتصبح الشركة، تحديداً لا حصراً، سلطة ريادية في توجيه الأبناء وفي تشكيل ذوقهم.
في وثائقي «أبيض مثير: صعود أبيركرومبي اند فيتش وانهيارها» (Hot White: the rise and fall of Abercrombie and fitch) المروج على نتفليكس، قصٌ لحكاية شركة الثياب الأميركية (أيبركرومبي اند فيتش) التي كانت في مرحلة من المراحل نموذجاً للباس العصري والناطقة باسمه. هندست الذوق العام وباتت سلطة وصاية، تحدد فعل الارتداء، وأسلوبه. بنية السرد قائمة على سلسلة من المقابلات مع أشخاص متعددين، بعضهم شغر مناصب إدارية، وآخرين كانوا من الهوامش؛ ضحايا تم تهشيمهم من قبل الذاتية المتضخمة للشركة. يصف الوثائقي على لسانهم المجد الذي طبع مسار الشركة على مدار التسعينيات، قبل أن يسرد العلل التي جعلتها تتقهقر عقب دخول الألفية الثانية، حقبة الإنترنت وزمن وعي المتنوع المختلف بتنوعه، عندما باتت القرية تستقبل زواراً مختلفين يعرفون حقوقهم تمام المعرفة.
مثل قميص أهمله صاحبه ورماه في سلة المهملات فغاب عنه الحاضر، كانت A&F ماركة ثياب قابعة في طي النسيان، بالأحرى، مجهولة في غياهب المجهول لعالم اللباس. حالَ عام 1992أن يغير كل شيء. تم شراؤها في ذلك العام من قبل شركة استثمار ضخمة. شغر مايكل جيفريس منصب الرئيس التنفيذي، ليجعل الشركة مختبراً حافلاً بل محطة فارقة ليس في عالم الموضة فحسب إنما في الثقافة الأميركية. جيفريس القائل «في كل مكان هناك أشخاص عاديون وأشخاص غير عاديين. نحن ننحاز إلى الأشخاص المميزين» لم يكن رئيساً تقليدياً يستمتع بمشاهدة أسهم شركته تحلّق صعوداً، يطمئن فينام، إنما كان صاحب رؤية محمّلة بمفاهيم وسمات ثقافية، وبين يديه خطة أشبه باستراتيجية سياسية تقوم على الاستهداف عوضاً عن الاستقطاب.
عندما كانت صورة الجاذبية الجنسية تصنعها «كالفن كلاين»، والأناقة الرصينة تتجسد مع «رالف لورين»، رأى جيفريس أن الولادة الجديدة للصورة المثالية إن كان لها مصير الولادة، تشترط الاقتران بكلا النزعتين، الديونيسية والأبولونية، من خلال التوليف والجمع، أي في خلق الأناقة المثيرة كصورة لا يقاوم إغراؤها. ولدت «أبيركرومبي اند فيتش» من رحم هذا الانصهار، بصورة محمّلة بالدلالات، معبر عنها بإيماء يوتوبي فاضح ومباشر، ترتديها النخبة المكتفية بشلّتها التي يعبّر عنها مظهرها ويعرّف بها على أنّها قمة الإغراء، مصحوبة بسلوك مشبّع بالتنمر والاستعلاء. من ماضٍ لا تعرف له الرزنامة من أيام، إلى حاضر صنمي شديد التصلب، باتت «أبيركرومبي اند فيتش» أيديولوجيا ماثلة أمام الشاب الأميركي الذي يصنّف نفسه من فئة «القلّة» (cool\popular) وتنحو إلى ذاك الذي يريد الانضمام إليها. وهي، بما تظهره من جمالية صنعتها وبما تضمره من أخلاقيات ونمطية متوارية، شكلت تذكرة ذهبية لولوج عالم الندرة. الاختزال الوافي للمعنى، مضبوط بدقّة بكلمة واحدة باللغة الأميركية: «مفردة» الرائع. هكذا بات كل من يرتدي «ايبركرومبي اند فيتش» يعني ذلك المحبوب، والمغري، والمثير والمشحون بالقوّة معاً. الأولوية إذاً، أتت عن طريق الحصرية فيما الاختلاف كان متغاضياً عنه، والمختلف يُنبذ. والحصري في معجم الشركة، هو ذاك الذي تنحصر فيه المميزات الثلاث تحديداً: أميركي، تقليدي، وطبيعي. ضابط إيقاع المعنى هنا، هو أصالة الرجل الأبيض، وبالتحديد الأميركي، حيث كانت ماركة الثياب وسيلة تلمح له بأنها قادرة على جعله يظهر هيبته بمجرد أن يرتديها، كما تسمح لكل من هو غير أميركي وراغب في أن يكون، ثقافياً وجمالياً، أميركياً أن ينال هذه الهوية بمجرد العبور فيها. على هذا النحو، كانت الماركة في الحقيقة تتجاوز نفسها كماركة ثياب، وتركن إلى نسقها الخاص، يرمي إلى كونه أكثر عمقاً وخطورة، كأيديولوجيا تتماهى تمام التماهي مع فكر الرجل الأبيض ومخيلته.
مقتفي أثر انطلاقة A&F ينتبه أن لحظة الصفر للشركة كانت، بشكل من الأشكال، موضة قائمة على عكس مفهوم الموضة. كأنها صافحت دون كيشوت وراهنت على فردانيته المتفلتة من قيد الوصيّ. وانتصار الرهان جعل من المنتصر بطلاً يحتذى به، وفي الحالة هاته، موضة. فالتوجه للأقلية في عالم الاستثمار في الثياب يُعرّفها كل عاقل بأنها مهمة صعبة، فيما الكد بغية الإكثار من هذا «النوع»، والترويج له حتى يصل إلى مصاف السائد، فمهمة لا توازيها أخرى من صعوبة.
نجاح «أبيركرومبي اند فيتش» جاء لها بهيمنة مزدوجة. على الصعيد الاجتماعي فقد فجّرت قوقعة الأقلية وجعلتها تتمدد وتسود في أوساط الشباب، الجامعي خصوصاً، وبات ارتداؤها كالجنون الذي يعصف بذائقة الزبائن والمستهلكين. أما على الصعيد الثقافي، فقد تحولت إلى هوية تنظر لمن يرتديها على أنه يندرج من سلالة أمراء، وإذ بالأمير يلاحق كل من لا يرتديها بالوصم والتعسف. كل ذلك كان متقناً تمام الإتقان. مرد نجاح متقِن العمل يعود إلى إدخاله للأسطورة على الواقع لجعله حلماً، فالخرافة ما إن تدخل على الحقيقة غيّرتها. إن الأسطورة هنا هي الزيف الذي ينتجه عالم الدعاية حيث يروّج للصورة على أنها حقيقية، بل يعمل على تحقيقها، وهو ما جعل سيندي كراوفورد تصرح يوماً «أتمنى لو أنني أشبه سيندي كراوفورد». لقد قدمت الماركة نفسها على أنها السجادة الحمراء التي تمهد لقدوم الأمير، أو ولادته. إنها القاعدة الأساسية لمجتمع الاستعراض الذي، وحسب تعريف غي ديبور، جعلت دور الفرد مقتصراً على استعراض نفسه في مخيال الآخرين، فهو يعيش بحسب صورته لديهم لا وفق ما يكون عليه، والصورة المصدّرة عنه يجري إعدادها كأنّها أصيلة وغير مفبركة. هذا التلاقح بين الصورة والحقيقة، ذهبت به الشركة بعيداً حتى راحت تختار موظفيها انتقاءً حسب أشكالهم التي تتناسب مع المعايير المبثوثة في الدعاية. هكذا، كان الشاب الأبيض ذو الصدر العريض والعضلات المقسّمة التي تظهر في لوحات الإعلانات أو الدعايات المصوّرة هي صورة الشخص الأمثل، والمطلوب للعمل في شركة كان شعارها «الحياة عمل والعمل حياة». والشعار هذا إن دل على شيء، فهو تحوير «أبيركرومبي اند فيتش» من لباس إلى عقيدة، أي جعل الماركة ليس كنمط حياة، بل نمط حياة، خاماً.
في ظل المجتمع المتناغم هذا، القائم على الصنمية والتمثّل بكل ما يشتق من رجل الأبيض ومخيلته، تبدد وجود كل آخر مختلف، وامحت طموحات كل فرد لا يتمتع بصفات المقام بينما أراد العمل في ذلك الوسط حتى بات ضحية يسهل طردها من العمل، ويستسهل الاستهزاء بما يمثل. الحوادث المهينة مثل عدم استقبال طلبات عمل لفتيات محجبات، أو كتابة دعابات عنصرية على القمصان تستهزئ بالعرق الآسيوي وبمعتقداته، كانت نماذج عن سلوك متعجرف دون حدود وبلا رادع. والتمييز الذي كان يجري على موظفي الشركة، في فصلهم إثنياً وعرقياً كجزء من عقيدتها العملانية، كان يمارس بشكل مماثل، بل بصلافة أكثر، مع الزبائن. فناهيك بسماتها الثلاث (أميركي، اصلي، طبيعي) كشروط مقدسة أو محددات ضرورية لمن تقصدهم الشركة حصرياً، فقد تمادت في تضييق المعايير والحيّز التي تشتغل فيه إلى حد أنها رفضت مثلاً، مسألة الأحجام في رفضها تصنيع قمصان من الحجم الكبير بحجة عدم الاعتراف «بالأوزان الزائدة». عدم الاعتراف هذا لا يخصّ حجم المنتج، أي لا يترجم كعجز الشركة عن تصنيع قميص كبير وواسع، بل يعني الأشخاص الذين لا تتلاءم أجسادهم مع الشكل المتخيل والواعي للرجل الأبيض الذي تنوب الشركة عنه وعن خياله. أمراء ذلك العالم، يعتبرون كل من ليس على صورتهم ومثالهم من خارج المتن، ومن البداهة إقصاء القابع في الهامش. فالتمادي المتعمد من قبل الشركة، كان بمثابة تدخل مباشر، وإرادي ليس في طريقة اللبس إنما عن طريق الأجساد التي تستقبل اللباس. أي أنها دخلت في إطار الانتهاك، أو الفرض القادم بالإكراه، ما أثار سخط الرأي العام وكان الشعرة الذي قصمت ظهر الجمل.
الشهادات المروية في الوثائقي تخبر كيف خسرت A&F في المحاكم الكثير من الدعاوى التي رفعت ضدها من قبل أصحاب الشهادات، الذين كانوا ضحايا سياسات مجحفة أشبه ما تكون بأداء كولونيالي بغيض يحوم حول التمجيد مقابل التحقير. جاء انهيار الشركة عام 2014 (تغيرت من بعدها إدارة الشركة) بعد مرورها بسنوات عسيرة بدأت منذ مطلع الألفية الثانية. أسباب السقوط كانت عديدة، أهمها النكوث بالوعود حول تغيير السياسات الإدارية والتسويقية، وفتح أبوابها أمام الجميع، والتخلي عن مفهوم الحصرية. وأيضاً لتغير الزمن والوعي المتغير بتغير معايير الزمن، حيث ما كان يعتبر عادياً في التسعينيات تحول في القرن الذي تلاه إلى علامة فظّة وعدائية غير مرغوب بها. استنفدت قدراتها الإبداعية التي كانت ترتكز على الاستعلاء والاستقواء، ما وضعها أمام حائط مسدود. هذا التغير، على الأرجح، كان السبب الرئيسي في انهيار A&F التي هيمنت كثقافة بيضاء أنكلوــ ساكسونية تتعامل مع فئة من المجتمع كنوع بشري خاص له الأولوية هوياتياً وعرقياً، آخذة من الأجساد كآخر مكان خاص وحميم، محطاً كي تبسط أيديولوجيتها، فتكون بالتالي، ملكها. والحق، أن آخر ما تبيعه الموضة هو الأزياء. الموضة تبيع الانتماء، الشعور بحرارة العين التي تراك وتلاحقك وسط الحشد، فيما كان هناك أكثر من 60 في المئة من الأميركيين الذين شاركوا في حملات رافضة للماركة، داعين إلى إغلاقها بعدما انتبهوا أن عين الشركة مبتزّة أكثر مما هي عين ساحرة لموضة رشيقة وعصرية ذي حضور جميل. لكن ما رأوه بأعينهم، آنذاك، كان أميركا عندما تلبس ثياباً.

* Hot White: the rise and fall of Abercrombie and fitch على نتفليكس