منذ احتلال «داعش» أجزاءً من العراق، كانت الموصل من أهم قواعد التنظيم الإرهابي، وكل محاولة لتحريرها كانت تفشل، لأسباب كثيرة. لكن رجال فرقة التدخل السريع «نينوى» لم يتخلّوا عن الأمل باستعادة مدينتهم. بقيادة الرائد جاسم (سهيل دباخ)، قاتلوا ضد «دولة الخلافة» مدفوعين بالغضب والانتقام والألم بسبب فقدان أحبائهم. آخر إضافة للفرقة هو الشرطي كاوة (آدم بيسا)، الذي أنقذه الفريق من قلب معركة بينه وبين «داعش». لقد مرّ أكثر من ثلاث سنوات على تحرير مدينة الموصل بفضل عوامل كثيرة، على رأسها فرقة «نينوى» لأنها على عكس الجيوش الكبيرة التي قاتلت نيابةً عن دول أو مناطق. كانت هذه الوحدة الصغيرة منظّمة ذاتياً تحدوها دوافع شخصية لطرد الميليشيات الإرهابية. فيلم «الموصل» (2019 ــ إخراج ماثيو كارناهان) الذي عُرض في «مهرجان البندقية» السنة الفائتة (خارج المسابقة) وطُرح أخيراً على نتفليكس، وضع نصباً تذكارياً صغيراً لهذه المجموعة المقاومة التي كرّست حياتها في الكفاح من أجل الحرية، ونقل قصتها الحقيقية.

لا تزال الحروب الدولية الحديثة، سواء في أفغانستان أو العراق أو سوريا، نادراً ما تُناقش سينمائياً، لأنّ الغرب لا يستطيع تقديم نفسه بشكل مجيد كما في الأفلام التي لا تزال تحظى بشعبية كبيرة حول الحرب العالمية الثانية مثلاً. السبب الرئيس أن في الحروب الحديثة، التفريق بين الجيد والشرير صعب للغاية، ناهيك بالنهاية غير الجيدة. هنا، لا قصص مجيدة عن التحرير في الفكر الغربي. لذلك، كان من السهل إنتاج فيلم عن حرب العراق بممثلين عرب، وقصص حقيقية، وغياب تام للجيوش الغربية. بسبب ذلك، واجه المخرج ماثيو كارناهان صعوبة في إعطاء هؤلاء الرجال قصصاً خاصة، ومحيطاً واسعاً يتجاوز السيناريو الأساسي الضيق، لأنه لم يكن مهتمّاً كفاية، أو بالأحرى بسبب جهله وجهل المنتجين بالمحيط السياسي والايديولوجي والثقافي والشعبي لهذه المجموعات الصغيرة وخلفيتها الاجتماعية الحقيقية. لم يعرّفنا إلى الشخصيات، بل رمانا معها في منتصف القتال، من دون أن نعرف حتى أين يجب أن تنتهي الرحلة، ببساطة لأنه لا وقت كافياً لذلك.
لا جندي أميركياً في الأفق، ولكن لا يمكننا ألا نتعرف إلى الحمض النووي الأميركي خلف الكاميرا. هناك ذكر صغير لأميركيين في القصة. يُذكر فقط أن الأميركيين ذهبوا، وتركوا إعادة الإعمار للعراقيين. الجملة عن الأميركيين جاءت في سياق مدروس نوعاً ما، فبعدها مباشرة تلتقي الفرقة بمجموعة من الحشد الشعبي. وهنا يتحول الفيلم إلى شريط سياسي سطحي لدقائق. مواجهة كلامية حادة بين قائد الحشد الشعبي «الأصفهاني» والرائد جاسم، تكشف غباء الكاتب والمخرج عما كان يحدث على الأرض. مشهد يعكس كره الجنود العراقيين للحشد الشعبي وكره القائد الأصفهاني للعراقيين. هناك نقص في التفسير وفهم العلاقات المعقدة بين وحدات الشرطة والجيوش، المنتظمة إلى حدّ ما التي تتقاطع في هذه القصة. هذا المشهد بدا كأنه خارج السياق. لو أن للفيلم رسالة سياسية كبيرة، كان يمكن أن يقدمها بطريقة ذكية، ليكون النقاش النقدي عنها على مستوى المواجهة. لكن كيف يمكن أن يكون هناك نقاش سياسي عن فيلم، أو تفكيك الرسالة السياسية، إذا كان المشهد الوحيد السياسي ينتهي بإقناع المشاهد أنّ الحشد الشعبي يبادل الذخيرة بعلب الدخان، وقذيفة «آر. بي. جي» بنرجيلة! وأنّ العراقيين الذين يضعون «عصبة صفراء» يخدعون العراقيين الذين يقاتلون «داعش»؟! يلقي المخرج نظرة غربية بحتة على كفاح المقاتلين العراقيين ضد الإرهاب. هذا التحيز يحوّل واقعية الفيلم إلى شيء أقرب إلى وثائقي منه إلى خيال، يخدم قبل أي شيء غرض الفيلم السياسي (حتى لو قُدم بطريقة غبية).

ممثلون عرب، وقصص حقيقية، وغياب تام للجيوش الغربية


لا يستطيع الفيلم في أيّ حال من الأحول، الاستثمار عاطفياً، لأنه لا يوفر نفس مستوى العمق النفسي للشخصيات التي نشاهدها حتى في أسخف الأفلام التي تتناول الجنود الأميركيين في الحروب. حصلنا في فيلم «الموصل» على سلسلة من مشاهد الأكشن الجيدة لأنّ منتجي الفيلم الاخوين سورو وحتى المخرج لديهم خبرة في مثل هذه الأفلام. وهذا ما كان مهماً بالنسبة إليهم. يبقى الشريط شيئاً عاماً، فأساسيات أفلام الحرب هو إجراء دراسة شيقة عن الشخصيات، كما أن مدتها الطويلة تجعل المشاهد يتقاسم إحباطات الشخصيات وألمها في التضحية. فيلم «الموصل» يشبه فصلاً تمهيدياً عن أفلام الحرب، فقد انتهى عندما بدأت الإثارة، إلى درجة أنّ من لا يتكلف عناء قراءة الترجمة، يمكن أن يستمتع بالفيلم.
يعتبر «الموصل» حكاية هوليوودية سطحية مقدّمة كلعبة فيديو بشكل جيد، وفرصة ضائعة عن قصة يجب أن تروى بشكل يرتقي إلى تضحيات هؤلاء الجنود. في الأساس، هذا الفيلم يعتبر من تلك الملاحم البطولية التي تم إنتاجها مراراً وتكراراً في مجال أفلام الحرب. الأكشن والإثارة الحربية يكادان يكونان الموضوع الوحيد. هناك لحظات من التوتر الشديد تتجسد في إطلاق النار والمناوشات والكمائن وغيرها من المواقف النموذجية لنوع الحرب وأفلام الإثارة.
يفتقر الفيلم إلى التألق، يستغرق نص كارناهان وقتاً طويلاً للسماح للجو المتشائم بالنضوج. هذا ليس دائماً مثيراً كما هو متوقع، لأن إضفاء الطابع الفردي على أعضاء وحدة التدخل السريع لا يحدث على الإطلاق أو يحدث فقط بطريقة بدائية للغاية. اللحظات الجيدة هي فقط عندما يطلق الناس النار ويموتون. كل شيء سطحي وميكانيكي وغارق في الكليشيهات.

* Mosul على نتفليكس

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا