في 5 تموز (يوليو) 1984 حدث شيء غير عادي: في ذلك اليوم، وصل أغلى لاعب كرة قدم في العالم حينذاك ليلعب في نادي نابولي، إحدى أفقر مدن أوروبا. قبل 36 عاماً، نزل 85 ألف مشجع إلى شوارع المدينة لاستقبال «الصبي الذهبي». قافلة سيارات تندفع في شوارع المدينة الساحلية تجلب مارادونا إلى الملعب للمرة الأولى. أخيراً، وصل إلى ملعب سان باولو، وبلغ حماس تيفوسي نابولي ذروته. لحظة الجنون هذه اختارها المخرج البريطاني آصف كاباديا لبدء فيلمه الوثائقي «دييغو مارادونا» (2019). يتوقف كاباديا هنا، عند باب الملعب ليعيدنا إلى الماضي. يتطرق بإيجاز إلى صعود مارادونا (1960 ـ 2020) النيزكي من لاعب كرة قدم في شارع في حي فيوريتو الفقير في بوينس آيرس، ثم مع فريق «أرجنتينوس جونيورز» و«بوكاس جونيورز»، إلى فائز بكأس ملك إسبانيا مع فريق برشلونة.


مشهد من «دييغو مارادونا» (2019)

يعيدنا كاباديا مجدداً إلى الملعب والوقت الاستثنائي مع نادي نابولي (1984 – 1991) بحيلة سردية ذكية، لأن شخصية لاعب الكرة يمكن تلخيصها بشكل أفضل في سنواته السبع المتناقضة في إيطاليا. مع أكثر من 500 ساعة من المشاهد، وعشر ساعات مع مارادونا، قدم آصف كاباديا في ساعتين وثائقياً يصوّر الرجل والأسطورة في «مهرجان كان» العام الماضي. بدون الادّعاء بشهرة مارادونا كلاعب وعظمته، لا يمكن إنكار مارادونا الأسطورة، حتى بالنسبة لأيّ شخص خارج عالم كرة القدم. وهذا ما أثار اهتمام كاباديا بلا شك، فهو رسام بورتريه سينمائي ذو خبرة في تقديم وثائقيات عن شخصيات كانت حياتها غير عادية مثل سائق الفورمولا 1 آيرتون سينا (سينا – 2010) والمغنية الراحلة إيمي واينهاوس (إيمي – 2015).
«إذا كنت تريد أن تفهم أسطورة مارادونا، عليك فقط مشاهدة مباراة الأرجنتين وإنكلترا، لأنّ مارادونا سجل هدفين، الأول بلمسة يد، والثاني بتخطّي الجميع، وهذا بالتحديد يشرح سبب كونه محبوباً ومكروهاً في آن» يقولها الصحافي الرياضي الأرجنتيني دانيال أركوتشي في الفيلم. الوثائقي أكثر تعقيداً من هذا، ومن فوز الأرجنتين (3-2) على ألمانيا في نهائي كأس العالم في السنة نفسها (1986)، لأنّه لا يحكم ولا يجادل ولا يفسّر، بل يقدم مارادونا كما هو بكامل شخصيته في الملعب وخارجه. يتطرق إلى إنجازاته مع نابولي، كما يضيء على الجانب المظلم في حياته: الكوكايين، المافيا، الابن «غير الشرعي»، المشاجرة أمام الملك الإسباني، حرب الفوكلاند، عشق وكراهية المشجعين الإيطاليين والمنشطات.
يضيء على الجانب المظلم في حياته كإدمان الكوكايين


وراء هذا الوثائقي، هناك شخص ذو أفكار واضحة بذل جهداً رائعاً لمعالجة قصة مارادونا. لذلك، اختار كاباديا سنوات إيطاليا، حين ازدادت أهمية النادي، وكذلك أهمية مارادونا. وسرعان ما أصبح اللاعب الأكثر شعبيةً لدى الجمهور، ومن بينه أشخاص أقوياء لكن خارج القانون. تعقيدات كثيرة رافقت مارادونا إلى إيطاليا، ما أدى إلى تدمير أي فرصة لتحقيق توازن بين هذا الشاب الفقير والنجم الذي كان كل شيء تحت تصرفه. وهذا هو المحور الحقيقي للفيلم الذي يذهب أبعد بكثير من مجرد تقديم سيرة لاعب عظيم في ملعب. وهذا ما يدفع كاباديا لإثارة نقاط عدة في حياته الشخصية، والعودة إلى الماضي كلّما لزم الأمر ولكن دائماً بدقة. كان الفيلم قادراً على التحدث بشكل متواز تقريباً عن أدائه الأسطوري في كأس العالم في المكسيك، كما عن مشاكل الأبوة التي كان يعانيها في ذلك الوقت. لم يرفع من عظمة مارادونا ولم يقدم أي نوع من الإدانة. مع ذلك، فإن هذا لم يمنع كاباديا من توضيح أن الشخص المسؤول بشكل كبير عن سقوط مارادونا هو دييغو نفسه. نعم، لقد تم استغلاله بطرق مختلفة، لكنه هو الذي سمح بأن تغريه الحياة السيئة، وتحديداً المخدرات.
وثائقي «دييغو مارادونا» هو أفضل ما قدم على الشاشة، بمواد غير منشورة من قبل، وتسجيلات صوتية. يضيء بوضوح وعمق غير مألوفين على اللاعب الذي كان يُعبد كإله، كما على الإنسان بجميع تناقضاته ومشاكله. الشخص الوحيد ربما الذي لم يحب الوثائقي هو مارادونا نفسه. إذ نأى بنفسه عنه، وكان على وشك المطالبة بمقاطعته. أشار إلى عنوان الفيلم الفرعي «ثائر. بطل. محتال. إله»، قائلاً: «لا أحب العنوان، إذا لم يعجبني العنوان، فلن يعجبني الفيلم. لا تشاهدوه، لا أحب الاسم. لعبت كرة القدم وكسبت أموالي بالركض خلف الكرة. أنا لم أغش أحداً. إذا كانوا يريدون جذب الجمهور، يبدو لي أنهم مخطئون».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا