في فندق يديره رجال آليون، تسبح الأسماك الاصطناعية في حوض. الوضع يليق بطبيعة الفندق، لكن يويتشي إيشي لم يستطِع إغماض عينيه عن هذا الشيء الغريب. السمكة، التي تسكنها محركات صغيرة، رمت تعويذة عليه. يقف مشدوهاً أمامها يراقبها كأنها مخلوق حقيقي، تسبح في دوائر مشابهة لمثيلتها الطبيعية. وعلى الرغم من شفافية اللحظة ووضوح الخيال؛ إلا أنها صورة لا لبس فيها في تقليدها للواقع، سواء الحقيقي أو ذاك الذي خلقه الفيلم. يقع هذا المشهد في منتصف فيلم «رومانسية عائلية، ش.م.م» للمخرج الألماني العظيم فرنر هيرتزوغ. مشهد يعمل كمرآة وامتداد لموضوع الفيلم الذي يبدأ بوقوف يويتشي إيشي في الشارع منتظراً شخصاً عزيزاً: «عرفتك على الفور» يقول إيشي الأب الذي يلتقي بابنته ماهيرو بعد غياب سنوات أو هكذا نخال للوهلة الأولى. ماهيرو المراهقة لا تبدو متحمّسة. يحاول الأب لفت انتباهها وتبرير مدة غيابه. هي خجولة لكنها منفتحة على إعادة العلاقة. يمشيان في المنتزه، يلتقطان الصور، يتحدثان ويقرران اللقاء مرة أخرى. ما نراه يبدو كأنه وثائقي، مربك قليلاً، فلا شيء كما هو عليه في الحقيقة. في المشهد الثاني، نرى والدة ماهيرو تقول لإيشي: «كان لوالد ماهيرو الحقيقي رفّة في العين». تتضح لنا القصة إذاً: كل شيء هو تمثيل، وتلك العلاقة العائلية الكاذبة بين الأب والابنة هي الفيلم نفسه.

صوت فرنر هيرتزوغ مفقود. في «رومانسية عائلة ش.م.م»، ننتظر عبثاً بحّة صوته، وطريقة نطقه للأحرف التي يأخذ وقته لإخراجها، ننتظر بشوق الأنا الشعرية والساخرة والجادة التي يعلّق بها على أفلامه الوثائقية («في قلب البركان»، «الرجل الدب»، «لقاءات في نهاية العالم»، «مقابلة غورباتشيف»...). جديده فيلم روائي بروح وثائقية. كل شيء مجهز ليكون وثائقياً: الكاميرا الصغيرة المحمولة التي تهتز، المحادثات العصبية المتقطعة للشخصيات، والموضوع الذي يتناوله حقيقي إلى أبعد حد. ولكن ليعوّض عن اختفاء صوته، قرر هيرتزوغ، وضع فلسفته ورؤيته وأسئلته الوجودية الخاصة على موضوع غريب وواقعي، هو الذي لطالما كان مهتماً بعمله لأنه ينبع من صدى نظرته إلى الموضوعات المهمة. أفلامه الروائية («أغيري، غضب الرب»، «فيتزكارالدو»، «نوسفيرادو مصاص الدماء»، «قلب الزجاج»...) والوثائقية دائماً تنبع من أسئلة خاصة. «رومانسية عائلية، ش.م.م» شركة مقرها طوكيو، يمكن للزبائن استئجار ممثلين ليكونوا أفراد عائلة، أصدقاء، زملاء عمل. ما يبدو كأنه نكتة؛ متجذر بعمق في المجتمع الياباني. بحاجة لأب ليحضر حفل زفافك؟ استأجره. بحاجة لتكرار لحظة مهمة في حياتك؟ اسـتأجر من يمكنه إعادة تمثيلها. هل مدير العمل يريد توبيخك؟ استأجر ممثلاً ككبش فداء. المالك الحقيقي للشركة يويتشي إيشي يؤدي دوره بنفسه في الفيلم، لكن وظيفته أكثر تعقيداً. كما كان واضحاً منذ البداية، يتم استئجاره ليصبح والد الابنة. ما بدأ بلقاء خجول، يصبح استقراراً تدريجياً، حتى الوالدة تشعر بأن الأب المزيف يمكن أن يصبح زوجاً حقيقياً. ولكن إيشي يقول إن ذلك خارج نطاق الخدمات التي تقدمها شركته.
إلى أي مدى ما نراه حقيقي؟ وإلى أي مدى هو مزيّف؟ تصعب الإجابة عن هذا السؤال في فيلم المعلّم الألماني. وليس مستغرباً أن يستمر هيرتزوغ في العمل حول هذا الصراع الذي عرضه وقدّمه في العديد من أعماله السابقة. بعد عقود على مسيرته السينمائية الغزيرة؛ لم يتوقف هيرتزوغ عن طرح سؤال: أين الحقيقة؟ في «رومانسية عائلية، ش.م.م.» لحظات سوريالية، يفصل هيرتزوغ نفسه عن جميع القوانين السينمائية لتحرير نفسه، وبالتالي التقاط أكثر الصور صدقاً. سعى لالتقاط أصالة العواطف باستخدام كاميرا صغيرة. لذلك، حاول أن يكون غير مرئي. فقط حمل الكاميرا وصوّر التمثيل الذي كان طبيعياً لأكبر قدر ممكن. «حاولت أن أنظر إلى النفوس في كل كائن حي، إلى روح اليابان. وليس اليابان فقط، هذه الظاهرة حول الحقيقة والحياة في العمل هي ظاهرة ذات امتداد عالمي. لأنّ لا شيء أكثر عالمية من العواطف». قالها المخرج في مقابلة صغيرة بعد عرض الفيلم على منصة «موبي».

سعى لالتقاط أصالة العواطف باستخدام كاميرا صغيرة


كمشاهدين، قد نُدين إيشي وعملاءه، بسبب القسوة التي ينطوي عليها عالمهم الصغير. مع ذلك، كاميرا هيرتزوغ لا تركز على ذلك، بل تحاول تعقب التفاعل والمشاعر والمسافة والتساؤل: لماذا يحتاج عملاء إيشي هذا الوهم؟ ولماذا هذه الشركة ناجحة جداً؟ يبدو أن الناس يشعرون بالوحدة الشديدة في هذا العالم الحديث، وأكثر في هذا العالم الرأسمالي حيث المال يمكن أن يشتري كل شيء. يكشف «رومانسية عائلية، ش.م.م» واقعاً بائساً حيث العلاقات البشرية والمشاعر أيضاً مطروحة في سوق البيع والشراء، ومنظّمة ضمن عقود تجارية.
رشيقة وتأملية هي كاميرا هيرتزوغ، وقريبة من وجوه الشخصيات، تتواصل مباشرة مع مشاعرهم ومصائرهم وعيونهم، وتشرع في البحث عن الحقيقة. يبدو هذا مزعجاً بعض الشيء، لأن السينما في نهاية المطاف تعيد تركيب الواقع على طريقتها، قد نكتشف بأن الواقع هو كذبة من خلال السينما. المزعج هنا أنه رغم معرفتنا بأن الواقع الذي تنقله كاميرا هيرتزوغ هو كذبة؛ إلا أنه يصل إلينا كأنه أصفى درجة من الحقيقة والوضوح.
حزين فيلم المخرج البافاري، والرغبة في الحفاظ على الكذبة حزين أكثر. وهيرتزوغ، بلا مبالاة، يتركنا بما هو أكثر إيلاماً. لكنه يكشف الكثير عن الحاجة للتفاعل الاجتماعي وتعقيد الشعور البشري والرغبة في العلاقات الأسرية والشخصية. وهكذا، فإن الفيلم هو بالطبع عين على الثقافة اليابانية، لكن في الوقت ذاته يحرر نفسه من السياق الوطني. فإن كان الشعور بالسعادة في يومنا هذا تجارياً مادياً؛ فإذن نحن ندفع الثمن دائماً، تماماً مثل عملاء إيشي. لكن الفرق أنهم أكثر وضوحاً، ولا يكذبون على أنفسهم.

* Family Romance, LLC على موبي