كان يمكن للكهل نيولاند آرتشر (دانيال دي لويس) أن يلتقي الكونتيسة ألين أولنسكا مرة أخرى، لكن بدلاً من الصعود إلى منزلها، بقي في الشارع... تردّد قليلاً، وفي الثانية الأخيرة قرّر المغادرة. ينعكس ضوء الشمس للحظة على نافذة المنزل، فيتذكّر آرتشر ذلك اليوم الجميل على الشاطئ. تلك الذاكرة ثمينة وكافية. يقرر أن يحتفظ بها بدلاً من المعاناة مرة أخرى. لطالما كان مفتوناً بألين، وبنضالها من أجل الحرية، من أجل الاستقلالية. انفتاحها على العالم جعله دائماً يدافع عنها أمام الآخرين. مع ذلك، كمحام، يُطلب منه منعها من الطلاق، ظاهرياً لأن الطلاق سيدمرها أخلاقياً في المجتمع، ولكن، في الحقيقة، لأنّ الطبقة التي تنتمي إليها ألين تريد حماية نفسها. وهنا مأزق آرتشر: هو متزوج من سيدة من هذا المجتمع المخملي ولا يخونها، وبالتالي يتصرّف تجاه ألين بمعاناة العاشق الذي لا يمكن له إلّا أن يمنع نفسه عنها، ولكن أيضاً، بحكمة المحامي الذي لا يمكن إلّا أن يحميها بمنع طلاقها من الكونت.

دُمرت حياة آرتشر. دمّرها بنفسه، كما دمّر حياة زوجته التي يعيش معها منذ عقود في شكل خاص من السعادة، تلك الزائفة. زائفة بسبب سطوة القواعد غير المرئية في المجتمع النيويوركي في سبعينيات القرن التاسع عشر. هناك في ذلك الوقت، الكلّ يستوعب مشاعره، لكنه يعجز عن فعل أي شيء حيالها. منذ اللقاء الأول بين العاشقين الممنوعين، نشعر بالاتصال الداخلي، والشغف اللامحدود تجاه الآخر. يجلسان دائماً متباعدين تقريباً، يتحدثان بشكل لائق، كما يجب أن يكون الحديث. لكن مظهرهما وحركاتهما غير المعلنة، وتعابير وجهيهما تظهر ما يخفيان بكل وضوح. يعرفان ولا يعترفان. لقاؤهما مثير، يمارسان الحب من دون خلع قطعة ثيابٍ واحدة. حبهما يولد ميتاً في ذلك المجتمع. لا مهرب، ليس لأنهما لا يعرفان إلى أين يهربان، لكن لأنهما لم يتعلّما الفرار. إنهما مدركان تماماً لبيئتهما، في تلك المدينة الضخمة والصغيرة التي تحاصرهما، الملتزمة بالثوب المحتشم والمشاعر الزائفة، التي تجبر سكانها على الطاعة العمياء للتقاليد. يستوعبان تماماً السياق الحضاري المعقد والتقليدي المشفّر للعواطف التي تسعى إلى الاستقلال، العواطف التي لا يمكن كبحها، لكنها مهزومة مسبقاً في أي معركة قد تخوضها عكس التيار.
في «زمن البراءة» (1993)، الشخصيات ليست بريئة. كل ما هنالك أن مسألة الذنب والبراءة تقدم نفسها على أنها أشدّ تعقيداً مما هو مفهوم بشكل عام. نيولاند آرتشر مذنب بزواجه من امرأة يحبها لكنّه لا يحبها، ومذنب بحبه لأخرى محرّمة. هذا التورط هو الذنب الشخصي المرتبط ببراءة المشاعر، الذي يولّد النضال والعذاب الداخلي. ألم عدم التسبب بالألم للآخر. التضحية الصامتة أمام الظلم المشيّد والمتين الذي إن تجرأنا وحاولنا هدمه، سوف ينهار أول ما ينهار على رؤوسنا. ذلك التنازل يختبئ تحت قناع البراءة التي تقرّب العقل من الخيال والقلب.
يكشف مارتن سكورسيزي عن الآمال والرغبات التي يملكها الجميع، والجميع يفشل في تحقيقها! ذلك أننا نسمح لأنفسنا بأن نخصي مشاعرنا وأحاسيسنا بسبب القواعد الأخلاقية المفروضة التي غالباً ما تقيّد الحياة نفسها. يكشف سكورسيزي بأن الشعور بالوحدة يؤدي إلى اليأس، وأن صعوبة تخطي منظومة التقاليد الملعونة، تكمن في قدرة براءتها المزيفة على هدم أي شخص مستعد لمواجهتها. فلا ترف للتجاوز هنا، و«الزنا»، ضمن المنظومة الأخلاقية الكاذبة لا يدمّر حياتك فحسب، بل حياة أولئك الذين تحبهم. فهل من معاناة أقسى من هذه؟ هل فهمنا الآن لمَ قرر آرتشر في النهاية الرحيل؟

* The Age of Innocence على نتفليكس