في ليلة خريفية ممطرة، يخرج ثلاثة سجناء من زنازينهم. الأمر العسكري دقيق: «بما أننا لا نستطيع قتلهم، سنقودهم إلى الجنون». سيبقى الرجال الثلاثة في زنزانات صغيرة في الحبس الانفرادي لمدة 12 عاماً. لا يمكنهم التحدث، بالكاد يرون، يأكلون، ينامون. ويهانون ويعذبون. لقد دُفع هؤلاء بأجسادهم وعقولهم خارج حدود ما يمكن تخيّله. خاضوا معركة وجودية للهروب من الواقع الرهيب الذي حُكم فيه عليهم بالجنون.

إنها قصة حقيقية بدأت عام 1972 عندما كانت الأوروغواي تحت سلطة الديكتاتورية العسكرية. الرهائن أو السجناء شخصيات معروفة من حركة «توباماروس» الثورية اليسارية، التي ناضلت ضد الدكتاتورية العسكرية بحرب عصابات. الرجال هم خوسي موخيكا (رئيس الأوروغواي السابق 2010- 2015)، إلوتيريو فيرنانديز هويدوبرو (وزير الدفاع السابق 2011 – 2016 وفاته)، موريسيو روسينكوف (الصحافي والروائي والشاعر). المخرج الأوروغواياني ألفارو برشنر مع الممثلين أنطونيو دي لا توري، تشينو دارين، ألفونسو تورت قدموا فيلم «ليلة الاثني عشر عاماً» (2018) بطريقة دقيقة ومثيرة، مستندين إلى وقائع وأحداث حقيقية. بالاعتماد على سرد سينمائي معقّد، ومونتاج نابض بالتحولات، تتجسد أمام أعيننا معركة حقيقية للبقاء، بكامل أشباحها ومخاوفها وقدرتها المذهلة على المقاومة.
«ليلة الاثني عشر عاماً» فيلم قاسٍ وقمعي، يأخذ وقته في رواية الحقائق... حقيقة أن شخصين من الثلاثة سينتهي بهما الأمر ليكونا شخصيتين رئيسيتين في المستقبل السياسي لأمتهم، بينما الثالث يصبح صوتاً ذا صلة بالمشهد الأدبي في مدينته مونتيفيديو. بين الاعتقال، والتعذيب والليالي الطويلة والعدالة الشعرية، عذاب الفيلم طويل. المفارقة هنا أن المخرج يتّخذ خيار عدم بناء الفيلم ليكون تحت خانة السينما السياسية الحقيقية المباشرة. تخلى عن الخطاب الأيديولوجي، واختار لفيلمه أن يكون تجربة حسية لأولئك الذين تعذبوا وحُرموا من الكلام، لكنهم حافظوا على نبض مجنون للحياة. لذلك، كان الفيلم قادراً أحياناً على الخروج من أنياب كآبة الحبس والوحدة بشكل مباشر. بالمختصر، يمكن القول إن «ليلة الاثني عشر عاماً» فيلم سياسي لكنه غير مسيس.
تتعايش الدراما مع الانفراج في الفيلم ضمن لعبة تناقضات. يتم تجريد السجناء من إنسانيتهم، ليس فقط من احتياجاتهم الجسدية الأساسية، بل أيضاً من ظروفهم الاجتماعية الأساسية. نراهم يقفون على الحدود بين الجنون والواقع، وهنا تعمل كاميرا برشنر في الأماكن الضيقة في الزنازين، في المساحات الخانقة. ابتكر المخرج عملاً بعيداً عن السياق الاجتماعي والسياسي في البلاد في ذلك الوقت، مركزاً على روح المقاومة، وعدم الاستسلام، وعدم التوقف عن القتال.
نجح الفيلم في أن يكون ذكياً، موجهاً للإنسان لا للأفكار السياسية. في تباينات لونية، وومضات هلوسة وتقاطع مشاهد وتشويش مقصود، رسم برشنر شريطه. سجننا مع الرهائن وحوّلنا إلى شهود ومراقبين للقصة المؤلمة على الشاشة. لا يتغير المشهد إلا في ذاك النهائي حيث تتغير نغمة الفيلم، ونعود مع السجناء إلى النور. ولادة رمزية لا تمحو الجروح الداخلية، ولا الإرث المؤلم من القمع الذي كانت الشخصيات ضحيته أولاً ثم شهوداً عليه. أعاد الفيلم تصميم وتصوير إرادة الحياة لهؤلاء المقاتلين، وبناء هويتهم ومستقبلهم، بخاصة مستقبل خوسي موخيكا، الذي لا يزال هنا لتذكيرنا والتكلم معنا وإخبارنا بما حدث خلال سنوات السجن في وثائقي «ال بيبي: حياة عظيمة».

* A Twelve-Year Night على نتفليكس