أرسلت غوين دغليز إلى السينماتيك الأميركية (منظمة غير ربحية مكرسة لتاريخ وثقافة الأفلام) فيلماً قصيراً (بعنوان «قصة غوين الصغيرة من بروتاني») من إخراج أنييس فاردا (1928 ــــ 2019) يعرض للمرة الأولى على موقع السينماتيك على يوتيوب، بعد أسبوعين فقط من الذكرى السنوية الأولى لوفاة المخرجة الفرنسية الأسطورية. الفيلم القصير يمكن مشاهدته مجاناً، لكنني لست هنا لأكتب عنه، بل للكتابة عن واحدة من أقرب المخرجين السينمائيين إليّ. أفلامها كانت ولا تزال من الاحبّ إلى قلبي، وشخصيتها وحياتها إلهاماً لي ولكثيرين.

عند السابعة مساءً، ستحلّ أنييس فاردا ضيفةً على فعاليات «ملتقى قمرة السينمائي». على عجل، وضّبت أغراضي وطرت على متن أولى الرحلات إلى الدوحة، في الخامس عشر من آذار (مارس) 2019. لكن، للأسف، لم تأتِ أنييس. قيل لنا إنها اعتذرت لأسباب صحية. بعد ١٤ يوماً غلبها المرض، وتوفيت عن تسعين عاماً وعشرة أشهر. رحيلها أعادني إلى المرة الأخيرة التي شاهدتها فيها. كان ذلك في أوائل عام ٢٠١٩ في «مهرجان برلين»، حيث تسلّمت «كاميرا البرليناله» تكريماً لأعمالها وحياتها السينمائية.
تميل فاردا في أفلامها إلى «الواقع المنظم». دائماً ما تأخذنا إلى الخارج، تمشي معنا هناك، غالباً على طريق البحر. أفلامها مزيج من الوثائقي والخيال. تبحث دائماً عن أشكال مختلطة جديدة «لجعل القارب يتأرجح برفق، من جانب إلى آخر» مثلما تقول، كفيلمها الأشهر «بلا سقف ولا قانون» (أسد البندقية ١٩٨٥) حول الأيام الأخيرة لمنى، الفتاة العشرينية، بأداء رائع ومضطرب ومفجع لساندرين بونير، وبأسلوب سينمائي واضح غير مزخرف، ما يجعل الفيلم يبدو حقيقياً. كانت فاردا دائماً مهتمة بأشخاص مثل منى لا يستطيعون إلا أن يكونوا مختلفين، ويخرجون عن مجتمعهم الذي يتجاهلهم. «نحمل جميعاً منى معنا. كل منّا لديه بداخله امرأة تمشي بمفردها على الطريق. في جميع النساء، هناك ثائرة متمردة غير متوقعة» تقول فاردا.
طوال حياتها المهنية، عرفت مدى صعوبة العثور على المال لأفلامها التي تتعامل بجدية مع شخصياتها النسائية. لم تتمكن من تقديم فيلمها «كليو من الخامسة إلى السابعة» (١٩٦٢) لو لم يكن «لديّ فتاة جميلة كشخصية رئيسية». يريد المشاهد أن يكون قادراً على الحلم في السينما، وتجاهل الواقع القاسي لبعض لوقت. ذلك ما حدد الاستراتيجية التي عملت بها فاردا كنسوية، «يجب بالتأكيد تغيير صورة المرأة. لكن علينا أيضاً أن نكون حريصين ألا نفعل ذلك بطريقة مملة، فلا نجذب أحداً لسماعنا».
إذا كانت أفلام فاردا تثير الإحساس بالغموض، فمن الضروري فهمها على أنها دعوة للاكتشاف. في عالمها، يتشابك هذان البعدان، ربما لأنّ هذه الألغاز تتطور في مناخ يشبه الأحلام. دائماً ما توجه فاردا نظراتنا إلى اللحظات التي نتهرب منها باستمرار، لأنها تظهر غالباً وجود فجوات في المشاعر الإنسانية. تصنع فاردا أفلامها كرؤى، وتؤلفها كملاحظات في سيمفونية من المشاعر والمشاهد والأشخاص والشواطئ. مشاهدة أفلام فاردا هي واحدة من تلك اللحظات السحرية، التي يمكن فيها توحيد مصادفات وأسرار الحياة والمواقف التي تشبه الشعر الغريب في الحياة اليومية.
حياة فاردا السينمائية الطويلة؛ لا تشكل دليلاً تعليمياً لجوهر حياتها، بل على العكس. لقد استعملت السينما والأشخاص والأماكن لتعكسهم كأفكار وإلهام نحملهم معنا في حياتنا. كانت لديها رغبة متواضعة في ترك بذورها الصغيرة في ذاكرتنا. كوداع دافئ، من دون ضجيج.