ماذا لو أنّ للألعاب حياة خاصة، تتكلم وتعيش بمجرد مغادرة البشر الغرفة؟ ماذا لو لم يكن الأطفال يخافون الوحوش، بل الوحوش تخشى الأطفال؟ ماذا لو لم تكن المشاعر مجرّد عواطف، بل أشخاص يعيشون في الرأس؟ ماذا لو أنّ السيارات تتكلم وتتسابق في ما بينها؟ ماذا لو أن الأسماك والحشرات تتكلم ولديها مشاكلها الخاصة؟ ماذا لو أنه في مكان ما، هناك جامعة خاصة للوحوش؟

لطالما طرحت استديوات «بيكسار» للرسوم المتحركة أسئلة كهذه منذ فيلمها الروائي الطويل الأول «قصة لعبة» (1995)، ومن ثم أجابت عنها بإبداع وذكاء وحبّ وجمال وكوميديا. وفي «إلى الأمام» (Onward)، فيلمها الثاني والعشرون (قُدّم في عروض خاصّة ضمن «مهرجان برلين» الأخير)، تطرح «بيكسار» والمخرج دان سكانلون (فيلمه الثاني بعد «جامعة الوحوش» 2013) سؤالاً جديداً: ماذا لو كان السحر موجوداً يمكن استعماله بطريقة جيدة لأهداف شخصية عاطفية؟ النتيجة فيلم مغامرة كوميدي مؤثر ومسلٍّ.

مشهد من «إلى الأمام»

السحر كان جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية، لكنّه لم يعد يلعب دوراً في حياة المخلوقات الأسطورية. التكنولوجيا مثل الهواتف وغيرها من الأجهزة الحديثة تفوّقت على الـ«ابراكا دابرا». عندما يحتفل الجني الصغير «إيان لايت فوت» (صوت: توم هولاند) بعيد ميلاده السادس عشر، يشعر بالدهشة من هدية أعطتها والدته لورال لايت فوت (صوت: جوليا لويس دريفوس) له ولشقيقه الأكبر بارلي لايت فوت (صوت: كريس برات) بالنيابة عن والدهما المتوفى منذ سنوات: عصا ودليل سحريان، يعيدان الأشخاص الغائبين لمدة 24 ساعة. لسوء الحظ، تمّ استخدام العصا والدليل بشكل خاطئ من قِبل الشقيقين، بحيث أعادا فقط سيقان والدهما. ومن أجل استحضار بقية الجسد، يذهب الشقيقان في مغامرة للبحث عن جوهرة سحرية جديدة.
«إلى الأمام» رحلة لإعادة اكتشاف الذات وجذور الأسرة وتقاليد الفرد الثقافية. رحلة لتكريم عالم اندثر تحت وطأة التكنولوجيا. يحفر الشريط قليلاً داخلنا، ويدعونا إلى تذوّق طعم الإثارة السحرية، في رحلة وهمية مليئة بالمشاهد والمغامرات الممتعة بمعدّل عاطفي مرتفع (حتى البكاء في النهاية). يتبع فيلم دان سكانلون الأنماط الكلاسيكية لأفلام «بيكسار» وأفلام المغامرة وسينما الأفلام المتحركة الحديثة.
في النهاية، تسقط جميع القطع في مكانها بدقة، وتندمج الأفكار السحرية في إطار مألوف. يوازن الفيلم بين التوتر والفكاهة والعاطفة والسحرة والتنانين، ويتمّ إعطاء الشقيقين مساحة كبيرة للتعبير عن حزنهما لفقدان والدهما. يقدّم الشريط مراراً لحظات تهريجية هزلية خاصة بسبب زوج السيقان غير المنضبط. لكن «بيكسار» لم تقدم شيئاً جديداً هنا، إذ لا يُعتبر العمل من أجمل أفلامها، لكنه بالتأكيد تكملة لرحلتها في عالم الروائع الترفيهية. يخلق العمل بيئة مثيرة للإعجاب بصرياً، مليئة بالتفاصيل الساحرة التي نغادرها بشعور لذيذ بعد ساعة وأربعين دقيقة مسلّية.
إعادة اكتشاف الذات وتكريم عالم اندثرَ تحت وطأة التكنولوجيا


لطالما قدّمت «بيكسار» في أفلامها مواضيع أكثر عمقاً من القصة الرئيسية. و«إلى الأمام» يلقي نظرة عميقة إلى الحزن والطرق المختلفة لمواجهة الموت. المدهش في أفلام «بيكسار» ليس اختيار معالجة مثل هذه المواضيع، بل الطريقة التي يتم فيها تعميق هذه القضايا ضمن فيلم رسوم متحركة. فمن الناحية النظرية، هذه الأعمال «المصمّمة للأطفال»، منذ «قصة لعبة» إلى «إلى الأمام»، تتحدث في هذه المواضيع، متوجهةً إلى البالغين أكثر من الأطفال لأنها تكون مخفية قليلاً بالنسبة إلى الصغار. تنجح «بيكسار» دوماً في معالجة المشاكل النفسية بطريقة مسلية. مثلاً عدم وجود جزء من جسد الوالد، ولا تمكّنه من التحدث إلى أطفاله، مشاهد تدعونا إلى النظر إلى قيمة ما في يدينا الآن، وليس ما هو خارج عن متناولنا. تعرف «بيكسار» جيداً كيف تجعل الرسوم المتحركة طفولية جداً وفي الوقت نفسه واقعية جداً للبالغين، أو على الأقل تشكّل انعكاساً لهم.
الفيلم ليس أصيلاً تماماً، لكنّه يُقدم بذكاء، ومؤلّفوه يعرفون الأزرار التي يجب الكبس عليها. لكن بعد 21 فيلماً، نعرف كمشاهدين متى وأين تضغط الأزرار، فالفيلم خالٍ من المفاجآت على عكس أكثرية وأفضل أعمال الاستديو.

* Onward: حالياً في الصالات اللبنانية