برلين | وصل «مهرجان برلين السينمائي» بدورته السبعين إلى ذروته المجيدة. أول من أمس السبت، أقيم احتفال توزيع الجوائز الذي قدّمه الممثل البرتغالي الألماني صاموئيل فينزي، وشهد توزيع جائزة الدب الذهبي والدب الفضي للمسابقة الرسمية، بالإضافة إلى جوائز الأقسام الأخرى في المهرجان. وكما يحصل عادة على هامش المهرجانات الكبرى، رفع بعض المتظاهرين لافتات احتجاجية، مطالبين بمزيد من الحماية المناخية. بعد مشاركة 18 فيلماً في المسابقة الرسمية (خمسة أقل من العام الماضي تحت إدارة جديدة كلياً)، ذهب «الدب الذهبي» لأفضل فيلم إلى «ليس هناك شر» للمخرج الإيراني محمد رسولوف، الذي تناول قضايا القوة الأخلاقية وعقوبة الإعدام واستكشف مساحات الحرية الفردية في ظلّ نظام مستبد. رئيس لجنة التحكيم جيريمي ايروز أشاد بالشريط الذي «طرح أسئلة حول مسؤوليتنا وقراراتنا في الحياة». لم يكن رسولوف موجوداً لتسلّم الجائزة لأنه ممنوع من السفر، فتسلّمتها ابنته نيابةً عنه (راجع المقال في مكان آخر من الصفحة).

أمّا «الدب الفضي ــــ جائزة لجنة التحكيم»، فقد كان من نصيب الأميركية إليزا هتمان وفيلمها «أبداً نادراً أحياناً دائماً» الذي قدمت فيه قصة مؤثرة عن مراهقة تريد أن تخضع لعملية إجهاض. قدمت هتمان الفيلم بلا مبالغة، بلا تفاهة، بلا لحظات إجبارية وكليشيهات. بحثت عن مفهوم مرئي يربطها بالموضوع لتقدّم به عملاً شاملاً متماسكاً. فصلت نفسها عن الحالة النفسية للحالة الفردية الملموسة والموضوعية وألقت بياناً عاماً حول موضوع تقرير المصير الجنسي.
دب فضي ثانٍ عن جائزة خاصة للدورة السبعين من المهرجان قُدّمت لفيلم «محو التاريخ» للفرنسيَّين بونوا دوليبين وغوستاف كيرفيرن. بعد عامين على فيلمهما الأخير، عاد المخرجان اللذان يقدمان كوميديا شرسة نموذجية. تدور أحداث الفيلم الجديد في أحد أحياء مقاطعة فرنسية حيث تتشابك قصص ثلاثة من الجيران في منتصف العمر بسبب علاقتهم بالتكنولوجيا. بين رسائل التواصل الاجتماعي، أشرطة الجنس، المسلسلات التلفزيونية والذكاء الاصطناعي المضلّل، تقع مشاكل عدة تدور بين الواقع والواقع الافتراضي. استخدم المخرجان هنا فكرة التكنولوجيا لرواية قصة العزلة الإنسانية العميقة لسكان ينبغي أن يتعلّموا مواجهة التطوّر العلمي أو التعامل مع أنفسهم وعلاقاتهم. نضحك كثيراً مع مرور الدقائق، لكن مع تقدّم الفيلم، فإنّه يتّخذ شكلاً أقل مصداقية، مع تصاعد التوتر الذي لا يُطاق وغرق الشخصيات في هوسها إلى درجة الإفراط. ولكن لا يزال «محو التاريخ» كوميديا ممتعة وناجحة.
الكوري الجنوبي هونغ سانغ سو تسلّم الدب الفضي لأفضل مخرج عن فيلمه «المرأة التي هربت». بإخلاصه التام لأسلوبه الجاف والمبسّط، قدم سو فيلماً روائياً جديداً يعتمد على الحوارات والصمت والمشاهد الطويلة. الشريط يتجاوز فكرة الحوارات الطويلة ليصبح أطروحة فلسفية تكافح لإيجاد التوازن. لم يكن للمخرج سوى القليل ليقدّمه ليتواصل مع الجمهور... فيلم نسيناه تقريباً مع خروجنا من الصالة.
بولا بير حصدت الدب الفضي لأفضل ممثلة عن دورها في فيلم «انداين» للألماني كريستان بيتزولد. حمل الفيلم اسم الحورية التي تغوي الرجال في الأساطير. أنداين المعاصرة تعمل دليلة في أحد المتاحف الألمانية. بعدما هجرها شريكها ليذهب مع امرأة أخرى، يتمّ لعنها وإجبارها على قتل حبيبها الخائن والعودة إلى المياه التي استُدعيت منها ذات يوم. لكن على عكس الشخصية الأسطورية، تحاول انداين في الفيلم تحدّي مصيرها. يعيد بيتزولد صياغة الأسطورة كقصة خيالية في عالم حديث ومحبط. الحسنة الوحيدة في الفيلم هي الممثلة بولا، فالفيلم مضطرب ومتجعّد، والعقدة ليست مرتبة، والرمزية المفرطة تتوه على المدى الطويل. شريط غير مكتمل وسطحي، حاول أن يقدم شيئاً أنيقاً ولكنه فشل.
الدب الفضي لأفضل ممثل ذهب باستحقاق إلى الممثل الإيطالي إيليو جيرمانو في تجسيده بطريقة ماهرة الرسام الإيطالي أنطونيو ليغابو في فيلم «بعيد عن الأنظار» للمخرج جورجيو ديريتي، الذي منح الحرية لإيليو جيرمانو لنقل كلّ شيء، وليس هناك شكّ في أن قوة الفيلم تكمن في إيليو وتجسيده لليغابو الذي يستثمر كل مشهد ليصف واقعياً التشنّجات اللغوية والصوتية والحركية ويخطفها بشكل ممتاز في لحظات التأمّل والحزن. قدّم الممثل صورة معقّدة ومقنعة لشخص وجد في الحيوانات وسيلةً لطرد شياطينه. لم يصور جورجيو ديريتي سيرة الرسام أنطونيو ليغابو، بل صوّر مأساة جسّدها بشكل بارز ممثل غير عادي يرجع له الفضل في إنجاح الفيلم (يذكرنا قليلاً بالممثل دانيال داي لويس بتقمّصه الشخصيات، خاصة فيلم «قدمي اليسرى»).
جائزة أفضل سيناريو استحقها بجدارة الفيلم الإيطالي «حكايات سيئة» لداميانو وفابيو دينوسنزو. تدور أحداث الشريط في روما، حيث تتداخل قصص أحد الأحياء السكنية خلال صيف حار. يقدم الشريط بطريقة مظلمة جزءاً من إيطاليا «المدنّسة»، حيث براءة نظرات الصغار تصطدم بخيبة أمل البالغين. كثيرة هي الشخصيات والحوارات، وقد نجح المخرجان في تقديم القصص بمهارة ضمن هذا السيناريو الصعب.

«الدب الفضي ــ جائزة لجنة التحكيم» كانت من نصيب الأميركية إليزا هتمان وفيلمها «أبداً نادراً أحياناً دائماً»


الدب الفضي لأفضل مساهمة فنية ذهب إلى فيلم DAU. Natasha للروسيَّين إليا خيرهانوفسكي وجيكاترينا أورتيل. الفيلم هو جزء من مشروع فني روسيّ مثير للجدل، لكنّ الأكثر إثارة للجدل هو الاتّهامات التي طالت مخرج الفيلم والمشروع حول اعتداءات جنسية وشائعات عن سوء معاملة من ممثلات وطاقم عمله، حتى إنّ تظاهرة حصلت خلال العرض الأول للفيلم رفعت فيه شعارات كتب عليها «DAU = العنف والإساءة». يروي الفيلم قصة نتاشا وأولغا اللتين تعملان في مطعم مكتب المخابرات السوفييتي السري. بدأت ناتاشا علاقة غرامية مع ضيف أجنبي في المعهد، لكنّ الجهاز السري يعرف ويتدخل وتبدأ سلسلة من المشاكل الكبيرة. الفيلم جزء من مشروع فني كبير بدأ عام 2006 هو كناية عن سلسلة أفلام ستقدّم مع السنوات. فكرة المشروع تمكن في إعادة المواقف والحياة والأحاسيس في ظلّ النظام الشمولي الذي أنشأه ستالين. الفيلم عمل تجريبي، يطلب التركيز بالصورة من دون إيلاء اهتمام كبير للتعبير السردي والعلاقات بين الشخصيات. تتمثل الفكرة في إعادة خلق بيئة مغلقة قدر الإمكان وبثّ جو من التوتر قريب من مناخات التجسس السوفييتي. أسلوب الفيلم ضاغط، يحرص على تقديم جوٍّ من عدم اليقين والثقة بفضل لعبة الضوء والظل. هو تجربة حسيّة، تركيب فني خيالي نجح في تَوتيرنا وسحرنا في آن.
مع هذه الأفلام والأفلام السابقة التي تكلّمنا عنها خلال عرضها في المهرجان، نصل إلى الختام، نهاية أول المهرجانات الأوروبية الكبرى. الأنظار الآن تتجه إلى «كان»، لكن المهرجان مهدّد هذه السنة بالإلغاء بسبب فيروس كورونا، ولكن لا يزال باكراً التأكّد من ذلك. إلى ذلك الحين، نبقى على أمل ألا يُلغى المهرجان لنعود إلى صالات الكروازيت ونرى من سيحمل هذه السنة جائزة السعفة الذهبية أهم جائزة سينمائية على الإطلاق.