أفلامه عالمية، حاضرة دوماً في المهرجانات. لكن ليس في وطنه الأم إيران. هناك، واجه المخرج محمد رسولوف (1972) كلّ شيء في حياته: السجن، الإقامة الجبرية. لم يُسمح له بالسفر لحضور العرض الأول لفيلمه الجديد «ليس هناك شرّ» (مع العلم بأن رسولوف ممنوع من التصوير، ويعلم أنّه لن يحصل على الموافقة على تصوير العمل، لذا لم يسجّل الفيلم، بل أرسل أربعة من مساعديه لتسجيل أربعة أفلام قصيرة منفصلة بأسمائهم، فالسلطات لا تنظر إلى الأفلام القصيرة بالريبة نفسها التي تنظر فيها إلى الفيلم الطويل، ما جعل التصوير أكثر سهولةً، وبالطبع منحه حريةً كبيرة في حركة الكاميرا والمواقع). «ليس هناك شرّ» حاز جائزة الدب الذهبي لأفضل فيلم في برلين، تسلّمتها ابنة رسولوف نيابة عن والدها.

في عام 2010، حُكم على محمد رسولوف بالسجن ست سنوات بتهمة التصوير من دون إذن، قبل تخفيف العقوبة إلى سنة واحدة. وفي عام 2017، سُحب جواز سفره بعد عودته من «مهرجان كان» حيث حصد جائزة أفضل فيلم في مسابقة نظرة ما عن فيلمه «رجل نزيه». أمّا فيلمه الجديد «ليس هناك شرّ»، فيكشف فيه مرة أخرى عن معضلات أخلاقية عدة. الشريط ليس مجرّد اتّهام سطحي للنظام الإيراني، بل إنّه صرخة مؤثرة لحبّه الكبير لوطنه ولأهله. بطبيعة الحال، فإنّ الأسئلة الأخلاقية التي يثيرها الفيلم ذات خلفية حقيقية ترتبط بواقع القمع في الدولة الإسلامية. خلال المؤتمر الصحافي، قال أحد منتجي الفيلم بأن رسولوف قال: «ليس لديّ الحق في اختيار أن أكون حاضراً أو غائباً»، وأكمل: «تنفيذ هذه القيود ينمّ عن موقف متعصّب ومستبدّ للحكومة الإيرانية». وفي المؤتمر نفسه، اتّهم بعض الصحافيين في وكالة الأنباء الإيرانية الفيلم بتشويه أحكام الدولة في ما يتعلق بالقوانين.
في الماضي، قدمت برلين والمهرجانات الأخرى منصة عروض عالمية للأفلام الإيرانية، ودعت مراراً مخرجين مكرّسين في إيران أمثال جعفر بناهي (يواجه نفس القمع) للمشاركة في المسابقة، لكنهم لم يستطيعوا الحضور في الغالب. إنّه لأمر حزين أن يحتفي العالم بالفن السينمائي الإيراني، بينما ممنوع في طهران حتى أن يفرحوا بجوائزهم.

شيء شرير يلوّث المكان
صفّ من الأرجل التي تهتز وترتعش في الفراغ، تهتزّ بسبب تشنجات جسدية عنيفة، ثم فجأة تتوقف عن الحركة، ويتحرّر البول. مشهد تقشعرّ له الأبدان، وُضع بين الفصلين الأول والثاني من فيلم «ليس هناك شر» لمحمد رسولوف. المشهد يصوّر إعدام مجموعة من السجناء في إيران، حيث يتمّ إرسال مئة شخص في المتوسط إلى المشنقة كل عام. من هنا، فإن استحالة وجود نزاهة أخلاقية داخل نظام لا إنساني، وتآكل حرية اتّخاذ القرارات الشخصية بسبب التسلسلات الهرمية القمعية، والعواقب البعيدة المدى للفساد المنهجي، هي المواضيع الرئيسة لفيلم محمد رسولوف. أربع قصص مستقلة، لكنها مرتبطة بشكل وثيق. رؤى معقدة حول المعضلات الأخلاقية السرمدية، والمخاوف القائمة لجيل الشباب والكبار في إيران. عقوبة الإعدام نموذج واقعي وحشي، يدرس محمد رسولوف آثاره المباشرة وغير المباشرة، في فصول وقصص مليئة بالرمزية والنقد النظامي الدقيق، الذي لا يدين الأفراد بل السلطة والتشدّد السياسي.
حشمت هو زوج وأب مثالي، يستيقظ باكراً كل يوم. لكن إلى أين يذهب؟ لا يمكن لبويا أن يتخيّل قتل رجل آخر، لكن قيل له إن عليه فعل ذلك. لا يعرف جافاد أن تقدّمه لطلب يد حبيبته لن يكون المفاجأة الوحيدة في عيد ميلادها. بهرام طبيب غير قادر على ممارسة الطب، قرر أن يشرح لابنة أخيه سبب حياته كمنبوذ. أربعة فصول لكل فصل عنوان («قالت، تستطيع فعلها»، «عيد الميلاد»، «قبّلني») ما عدا الجزء الاول.. هناك سرّ ما يجمع هؤلاء القصص والشخصيات، وهو واضح منذ المشهد الأول في المرأب. شخصيات تخفي شيئاً ما عن الآخرين، ويمكن أن تدخل أزمة كبيرة بسبب التناقض بين أخلاقها وواجبها. هنا يتساءل المرء: إلى أيّ حدّ يمكن أن تصل الحرية الفردية في النظام العام؟ هناك دائماً تغيير في فيلم رسولوف. تتغير السيناريوهات من المدينة إلى الجبل إلى منزل قرب النهر إلى الديكورات الداخلية العسكرية. لكن هناك دائماً شيء شرير يلوّث المكان. الإشارة إلى ظلّ النظام واضحة، فجميع المساحات مقيدة بالأصفاد، فلا مجال للهروب. الخواتم غامضة، غير متحرّرة ومدمرة ومفتوحة. وهناك شك في إمكانية التنبؤ. رسولوف يتعامل معها كلها بطريقته ويتيح للنزاعات الداخلية الظهور. يصبح الموضوع الرئيس ميلودرامياً أكثر فأكثر: نساء ورجال وصراع أجيال. يبدأ رسولوف بأخذنا في طريق ذي اتّجاه واحد، لم تعد هناك شكوك أو أسئلة، بل ثعلب يقف من أجل الحق في الحياة، ولو سرق الدجاج.

فيلم لا يتجاهل تعقيد الروح البشرية وهشاشة الإنسان


لا شك في أنّ «ليس هناك شر» يتناول عقوبة الإعدام في إيران، لكنّه يركز بشكل أساسي على مصير المنفّذين المباشرين، على الموظفين القدماء والمجندين الشباب الذين يضغطون الزر أو يسحبون السطل بعيداً عن المدانين. يعطي هذا الهيكل السردي لروسولوف منهجاً واضحاً: يجب تقديم جوانب مختلفة من ظاهرة اجتماعية محدّدة ودراستها، وأيضاً يجب أن تختلف القصص الفردية والأنشطة اليومية والحنان ورعب القتل المهني، والانتصار الشخصي المتمثل في اتّباع مبادئ أخلاقية تجرّ هنا المعاناة والصعاب. على الرغم من أنه يمكن قراءة فيلم رسولوف بطريقة مباشرة، لكنّ حنكة المخرج السينمائية تترك عن عمد الموضوع الكبير الذي نتكلّم عنه، لتنظّم من حوله قراءات وأحداثاً غير واضحة. لكن بمجرّد أن يظهر الموضوع المعني، يمكن مباشرة الرجوع إلى كلّ مشهد، كل انطباع، كل إيماءة وكل نظرة، حتى الغموض السابق يواجه الآن ترتيباً واضحاً. «ليس هناك شر» لا يوجد فيه جدلية، ولا يبالغ بطريقة ساخرة، بل هو رصين ومؤثّر تثير فيه نوبات انفعال الشخصيات رداً عاطفياً للمشاهدين. بالإضافة إلى ذلك، ينشر رسولوف في كلّ حلقة نزاعاً أخلاقياً أمامنا ويقدّمه للتقييم والرأي الفردي. توضع الشخصيات الأربع في «ليس هناك شر» (العنوان يدل على تفاهة مفهوم الشر، حيث يختبئ هذا الشر في الروتين اليومي المشترك للشخصيات) أمام اختيار القرار الصحيح أخلاقياً الذي يكون في كثير من الأحيان الأشدّ صعوبة. أربعة أماكن، أربع شخصيات، أربع نتائج في فيلم لا يتجاهل تعقيد الروح البشرية وهشاشة الكائن البشري، وينتقد الدولة المسؤولة عن هذه القرارات. وهنا تكمن المعضلة: الإجابة بنعم أو لا على فعل غير أخلاقي هو القتل. لكن القتل هنا، عليك القيام به من أجل دورك في المجتمع. من المستحيل عدم رؤية المعضلة الأخلاقية المشابهة التي يقف فيها المخرج والفنانون أمثاله الذين يجب عليهم إمّا الاستسلام للرقابة والدخول في الشرعية، أو مغادرة البلاد لتقديم ما يريدون من دون رادع. «ليس هناك شر» فيلم لا ينتقد مباشرة الفساد الإداري كما في «رجل نزيه» (2017) ولا صورة عن الرقابة في البلاد كما في «الوداع» (2011) بل يقدم مفهوم عقوبة الإعدام في النظام الإيراني من منظور المجبورين على تنفيذها. كان الفيلم مؤلماً حيناً، ومثيراً أحياناً، وأيضاً غنائياً («بيلا تشاو» تصدح في الفيلم)، وأحياناً كان درامياً بخلفية المناظر الطبيعية المذهلة لإيران. بمهارة سينمائية وسردية، ودائماً بيقين بأن هذا الموضوع لا يمكن التعامل معه ولا التحدث فيه بشكل قاطع، استحق محمد رسولوف الدب الذهبي عن جدارة.