القاهرة | وسط حضور كثيف من سينمائيين وفنانين ومواطنين عاديين احتشدوا في «كنيسة السيدة مريم العذراء» في حيّ مصر الجديدة، ودّعت السينما المصرية أمس الثلاثاء المخرج سمير سيف (1947 ـــــ 2019)، الذي رحل فجأة بعد أيام من إصابته بأزمة قلبية حادة. خلال مسيرته الفنية التي امتدّت أكثر من أربعين عاماً، قدم سمير سيف عدداً كبيراً من الأفلام والمسلسلات الناجحة والشهيرة كان أوّلها فيلم «دائرة الانتقام» (1976 ــــ بطولة وإنتاج نور الشريف)، وآخرها الفيلم الديني التاريخي «أوغسطينوس... ابن دموعها» (2016، من إنتاج وتمثيل تونسي) في تجربته الأولى والأخيرة خارج نظام إنتاج السينما المصرية.

كان آخر فيلم سينمائي صنعه في مصر هو «ديل السمكة» (2003) قبل أكثر من خمسة عشر عاماً. ومثل كثيرين غيره من مخرجي وممثلي السينما الكبار، اضطر للعمل في التلفزيون، حيث أخرج عدداً من المسلسلات كان آخرها «ابن موت» (2012).
اشتهر سمير سيف بأفلام الحركة، أو «الأكشن» ومن أشهرها: «دائرة الانتقام»، «المشبوه»، «الغول»، و«شمس الزناتي». كما عرف بموهبته في تدريس السينما، وله كتاب بعنوان «إخراج أفلام الحركة: تجربتي في السينما المصرية» (الهيئة العامة لقصور الثقافة ــــ 2003)، كذلك له كتاب أقدم هو «أفلام الحركة في السينما المصرية 1952 – 1975» يضمّ رسالة الدكتوراه التي حصل عليها من معهد السينما، حيث درّس أجيالاً متعاقبة من الطلبة، إلى جانب العشرات من الكليات والورش الخاصة التي قام فيها بتعليم الإخراج والتذوق الفني للمحترفين والهواة. وقد ظهر ذلك جلياً في ردود الفعل والتعليقات على خبر وفاته من قِبل تلاميذه من المخرجين من مختلف الأجيال.
عرف سمير سيف أيضاً بثقافته السينمائية الواسعة وإتقانه للإنكليزية، التي اكتسبها خلال سفره ودراسته السينما في الولايات المتّحدة لبعض الوقت. كان عاشقاً مخلصاً للسينما الهوليوودية، والكثير من أعماله مقتبس من أفلامها، ولكن بمعالجات مصرية ذكية، مثل «شمس الزناتي» المقتبس عن «العظماء السبعة» (المقتبس بدوره عن الفيلم الياباني «الساموراي السبعة»)، و«قطة على نار» المقتبس عن «قطة فوق صفيح ساخن» وغيرهما.
وقد ظهر عشق وتأثّر سمير سيف بالسينما الهوليوودية منذ أعماله الأولى وهو الفيلم القصير «عليوة والقانون»، مشروع تخرجه في معهد السينما عام 1969. هو لم ينكر هذا الحب والتأثر إطلاقاً بالرغم من تعرّضه للانتقاد من قِبل بعض نقّاد اليسار بسبب ذلك. من الحكايات التي يرويها الناقد الراحل سمير فريد في كتابه «مخرجون واتّجاهات في السينما المصرية» (الهيئة العامة لقصور الثقافة ـــــ 2000) أنّ سمير سيف اعتبر اتّهامه بتقليد السينما الأميركية «وساماً على صدره»، وأنه استاء عندما حصل على جائزة عن فيلمه القصير الثاني «مشوار» لأنّ لجنة التحكيم أشارت إلى «القيمة الاجتماعية للفيلم باعتبارها أساس منح الجائزة. وقال إنه اضطر إلى إخراج الفيلم للتلفزيون لكي يبدأ»!

كثير من أعماله مقتبس من أفلام هوليوودية ولكن بمعالجات مصرية ذكية


عمل سيف في بداية حياته مساعداً مع مخرجين كبار بحجم يوسف شاهين في «الناس والنيل»، وشادي عبد السلام في «شكاوى الفلاح الفصيح». ولكن أكثر مخرج عمل معه وتأثّر به كان حسن الإمام، أستاذ الميلودراما الأكبر في السينما المصرية، بداية من «خلي بالك من زوزو»، وحتى «أميرة حبي أنا» و«انتهى الحب»، مروراً بـ«السكرية» و«بمبة كشر» و«حكايتي مع الزمان». ولذلك لم يحصر نفسه في أفلام الأكشن، وقدّم أعمالاً تنتمي إلى الميلودراما بوضوح مثل «شوارع من نار» (1984)، و«الراقصة والسياسي» (1990).
بالرغم من شهرته كمخرج أفلام أكشن، إلّا أن سمير سيف كان واحداً من أبرع المخرجين الذين اعتنوا بفنّ التمثيل والممثلين في أعمالهم، وهو الذي أعاد اكتشاف عادل إمام كممثل أكشن في سلسلة من أفضل وأنجح أعماله كان أوّلها «الغول» (1983). كذلك، أعاد اكتشاف سعاد حسني ونور الشريف كممثلين كوميديين في «غريب في بيتي» (1982). في أحد حواراته عن علاقته بالممثلين، قال سيف: «في قرارة نفسي أنا مخرج ممثل، لأنّه في التحليل الأخير تماماً، ما يبقى من عناصر أيّ عمل سينمائي هو الشخصيات التي تشعّ من الشاشة، والشخصية هي الممثل. والمعيار النهائي في تقييم المخرج أو المفاضلة بين مخرج وآخر هو مدى قدرته على استخراج أداء متميز ولافت من الممثل» (كتاب «أنا المخرج شهادات حول فن التمثيل» ـــ نادين شمس ــــ «دار ميريت» 2014).
قدّم سمير سيف في بداية مسيرته أفلاماً كوميدية تماماً مثل «الهلفوت» و«احترس من الخط» مع عادل إمام، وأفلاماً «سياسية» مع المؤلّف وحيد حامد بدأت بفيلم «الغول» (1983) وتواصلت في أعماله الأخيرة مثل «الراقصة والسياسي»، و«سوق المتعة»، و«معالي الوزير» و«ديل السمكة». كما انتقل التعاون بينهما إلى التلفزيون حيث قدّما مسلسلات جريئة مثل «البشاير» و«سفر الأحلام» و«أوان الورد». وقد اتّسمت أعماله مع وحيد حامد تحديداً بمضمونها الاجتماعي الجاد، الذي كان غائباً نسبياً في أعمال سيف السابقة.
إلى جانب عمله الإبداعي والتعليمي، شغل الراحل أيضاً عدداً من المناصب القيادية في قنوات فضائية، كما تولّى رئاسة «المهرجان القومي للسينما»، الذي تنظّمه وزارة الثقافة، لأكثر من عشر سنوات وحتى وفاته، حاول خلالها جاهداً أن يصنع للمهرجان بريقاً يليق بتاريخ السينما المصرية، الذي عشقه أكثر حتى من السينما الأميركية.