مراكش | «الفن لا يمكن أن يكون منافسةً، إنه لقاء» تلك كانت كلمات تيلدا سوينتون في المؤتمر الصحافي الذي عقدته لجنة تحكيم «المهرجان الدولي للفيلم بمراكش» بدورته الثامنة عشرة التي انطلقت قبل أيام لتستمرّ حتى السابع من كانون الأول (ديسمبر) الحالي. جوابها جاء ردّاً على سؤال يتعلّق بالأفلام الـ14 المنافسة على الجائزة الكبرى (النجمة الذهبية) والآتية من الولايات المتّحدة الأميركية، وأميركا اللاتينية، وأوروبا، وأفريقيا والشرق الأوسط وأستراليا وغيرها. سوينتون ترأس هذه السنة لجنة التحكيم التي تضم المخرجين: البريطانية أندريا أرنولد، والأسترالي ديفيد ميشود، والأفغاني عتيق رحيمي، والمغربي علي الصافي، والبرازيلي كليبر مندونسا فيليو، والفرنسية ريبيكا زلوتوفسكي، إلى جانب الممثلين الفرنسية كيارا ماستروياني، والسويدي مايكل بيرسبراندت. لجنة تحكيم متنوعة تماماً كالأفلام الـ 100 المشاركة في جميع مسابقات المهرجان.

ليلة الخميس، كنّا على موعد مع فيلم الافتتاح من خارج المسابقة الرسمية «أخرجوا السكاكين» للمخرج الأميركي ريان جونسون. وفي اليوم الثاني، كنا على موعد مع ثلاثة أفلام، اثنان منها متنافسان على الجائزة الكبرى، هما «بورتريه من الفسيفساء» للصيني زاي يشيانغ و«سولي» للإيطالي كارلو سيروني. وضمن السهرات المسائية، عرض فيلم «نورا تحلم» للتونسية هند بوجمعة.

«أخرجوا السكاكين» لريان جونسون
حصل الكاتب هارلان ثرومبي (كريستوفر بلامر) على ثروة أفادت منها العائلة بكاملها من خلال قصص المحققين. لكن في صباح اليوم التالي لميلاده الخامس والثمانين، وجدوا الرجل العجوز مذبوحاً في غرفته. المحققان ألييوت (لاكيث ستانفليد) وفاغنر (نواه سيغان) يتسلّمان القضية ويكتشفان بسرعة من خلال الأدلة أن سبب الوفاة هو الانتحار. ولكن المحقق الخاص بينوا بلانك (دانيال كريغ) يشك في النتيجة ويبدأ تحقيقه الخاص للوصول إلى الحقيقة من خلال استجواب العائلة كاملة التي كانت مع هارلان في ليلة ميلاده في البيت.
«أخرجوا السكاكين» قصة مسلية، مكتوبة بشكل جيد وبطريقة ذكية. حلّل المخرج المكونات الرئيسية لهذا النوع من الأفلام، وأعاد تنظيمها، خالقاً فيلم إثارة جديداً يوجّه تحية لأغاثا كريستي معلّمة هذا النوع من القصص.

«أخرجوا السكاكين» يشكّل نموذجاً مصغراً للمجتمع الأميركي اليوم


يذهب الفيلم في تفرعات كثيرة. بقدر ما هو قصة كلاسيكية عن جريمة قتل غامضة، بقدر ما هو نموذج مصغر عن المجتمع الأميركي اليوم، حيث مشاكل الجميع هي أخطاء الآخرين. بنى جونسون هذا الفيلم باتّباع القواعد الأساسية المعمول بها لهذا النوع. تجنب اللعب أكثر بالشخصيات الكثيرة، قولبها ووضعها في مكانها من دون مجال للتطور (ما عدا شخصيتين). لم يكن الأمر معقداً في السرد. حتى التحولات والتقلبات أتت محتملة وغير مفاجأة، بخاصة للمشاهد المتمرس في هذا النوع من الأفلام. تجنّب المخرج اللعب غير المألوف، حتى بدا كأنه يهتم جداً للمشاهد ولا يريد توتيره بأيّ شكل.



«بورتريه من الفسيفساء» لزاي يشيانغ
قدم يشيانغ قصة مرّت سابقاً في الكثير من الأفلام، لكن بطريقة غريبة وغير مألوفة كلياً. لا يلاحق الشريط تحقيقاً في اغتصاب فتاة تبلغ 14 عاماً فحسب، بل يقدم أيضاً تأملاً جريئاً عن تجربة المرأة في المجتمع الصيني المعاصر. يؤدي البحث عن أجوبة بوليسية نموذجية، إلى طرح أسئلة ذات طبيعة اجتماعية أكثر. والنتيجة دراما مبنية ببراعة وغامضة بشكل مدهش (وهذا ما قاله المخرج قبل عرض الفيلم بأن الغموض وعدم الفهم مقصودان).
الفيلم يمرّ ببطء. شخوصه بعيدون عن بعضهم. لا يتكلمون إلا ما يجب أن يقال. وفي الكثير من الأوقات، تكون أجوبتهم الصمت. يتفكك اللغز بوتيرة بطيئة وتأملية. فالأمر لا يتعلق بالمعرفة بل بالفهم، لا بالإجابة على الأسئلة، بل بالطرح. لم ولن تُحلّ المسألة بكاملها لأنها في النهاية فسيفساء لصورة الصين الريفية التي لا تزال متخلّفة، تتميز بوقاحة وتحامل البالغين، وعنف الشباب وتغريبهم.
في الجزء الثاني من الفيلم، تحتجز المراهقة في مركز خاص للفتيات اللواتي يعانين من مشاكل. بدلاً من التغلب على مشاكلهن، تؤدي المعاملة والعزلة المؤسسية إلى تفاقم حالتهن النفسية. بهذه الطريقة، نصل إلى اللحظة الأخيرة: بعيني الفتاة، نرى طريقين لا ثالث لهما: إعلان المبارزة أو الاستسلام والنهاية.



«نورا تحلم» لهند بوجمعة
«زنا الزوج والزوجة يعاقب عليه بالسجن خمسة أعوام وخطية قدرها خمسمائة دينار» هذا ما ينصّ عليه القانون التونسي في الفصل 236. مع وضوح القانون، فإنّ أي امرأة محاصرة بواقع اجتماعي قمعي، مستعد لمعاقبتها على أول زلّة لا تحترم القانون المفروض، فإن التستّر عن أي طموح هو الغالب. الخروج من هذا الأمر بحاجة لصبر وكمية من المثابرة ثم اغتنام الفرصة المواتية. هذا بالتحديد ما تمر به نورا (هند صبري) في الفيلم الروائي الأول للمخرجة التونسية هند بوجمعة.
حلم نورا بسيط: الحب. هي امرأة في الأربعين، تعمل في غرفة غسيل في أحد المستشفيات وتربي ثلاثة أطفال. تعيش علاقة غرامية خارج إطار الزواج مع الأسعد (حكيم بومسعودي) وترغب في الانفصال عن زوجها جمال (لطفي عبدلي) القابع في السجن لأسباب كثيرة. عندما يعود الأخير إلى الحرية من دون سابق إنذار، يتعيّن على نورا أن تجد الشجاعة لمواجهة القضية وحلّها مرة واحدة وإلى الأبد.

«نورا تحلم» دراما إنسانية واقعية

قدّمت بوجمعة طريقتين لسرد الفيلم. من ناحية، عرضت نورا وحياتها، فهيمنت الأخيرة على الشاشة (لم تتخلّ الكاميرا عن قربها من وجه نورا) وغرقنا في روتينها (العمل والمنزل – طريقة سرد ذكّرتنا بالمخرجة شانتال اكرمان، بخاصة فيلمها «جين ديلمان») ولحظاتها الحميمة مع عشيقها. من ناحية أخرى، نشاهد حياتها بعدما خرج زوجها من السجن عندما تبدأ الدراما العائلية مع مشاهد داخل منزل العائلة (ذكرتنا بأفلام الإيراني أصغر فرهادي).
نورا محطمة بين رغبة في مستقبل مريح، وماض يعود إلى الظهور، وحاضر درامي، في مجتمع ذكوري، حيث الجنحة واسعة الانتشار، وخيانة الأمانة طريق يتبعه الكلّ، والفساد متفشٍّ، والجميع يتحمل الأخطاء. في هذا الجو، تصبح القصة الرومانسية محبطة. ببصمة أخلاقية واضحة تشبه إلى حدّ كبير سينما الفرنسي كلود شابرول، منح السيناريو جميع الشخصيات الرئيسية والثانوية أسباباً كافية سواء اقتصادية أو عاطفية لارتكاب الشرور.
قصة الفيلم مثيرة للاهتمام، وتعامل بوجمعة معها مثير للإعجاب أكثر. هذا الدمج بين الإثارة وسوء المعاملة ومشاكل المجتمع تنتج صورة متفائلة. نعم، متفائلة عن وضع المرأة في العالم العربي، وقدرة النضال على تطوير مجتمع على الرغم من البطء في ذلك.
سجنتنا بوجمعة داخل فيلمها. جلسنا مكبلين أمام الأحداث. حرّكت السرد وتركت الأحداث تتدفق بسلاسة. اختبرت صبرنا وأحكامنا على الأشخاص. لم تأتِ بكل شيء دفعة واحدة بل أعطتنا مساحة للتفكير. لكنها في الوقت عينه، لم تجعلنا نشرَد، نحلل على هوانا، بل انعطفت بنا بسرعة ليس فقط في كلّ مشهد بل في كل عبارة تقال. لم تكشف كل أوراقها. جعلتنا نترقب ما ينتظرنا. أجادت التوازن بين التشويق الغموض والدراما. جعلت الفيلم تجربة آسرة مع نسج القصة على طبقات عدة. تحدتنا وواجهت أخلاقنا وشكوكنا وأحكامنا على الأشخاص. بسرعة ومن دون تمهيد، نجد أنفسنا مع نورا في وضع غير مطمئن. نسير معها في حقل ألغام، في خضم نزاع عائلي، في بحر هائج رمينا به من دون معرفة حيثياته وتداعياته. أتتنا بشخصيات حقيقية إلى أبعد الحدود. عيّشتنا دراما إنسانية واقعية تحصل كأننا نشاهدها على عتبة منازلنا.