نحن اليوم في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019... و«بليد رانر» (1982) لم يعد في المستقبل، أو أننا الآن في المستقبل الذي تخيّله الفيلم. صحيح أن رؤية الفيلم لعام 2019 حملت الكثير من التكنولوجيا التي لم نصل إليها بعد مثل السيارات الطائرة، إلا أنّ هذا لا يعني أنّه ليس لدينا التكنولوجيا التي توقعها الفيلم مثل مكالمات الفيديو والمنازل الذكية واللوحات الرقمية وحتى الروبوتات الاصطناعية.

في مدينة لوس أنجلوس في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، في عالم ديستوبي متطور وكئيب وماطر، حيث الفوضى هي المسيطرة، يتراجع الشرطي ريك ديكارد (هاريسون فورد) عن التقاعد لإنجاز مهمة واحدة. سيعود إلى الخدمة في الشرطة الخاصة المسماة «بليد رانر»، وهذه الأخيرة مهمتها البحث والقضاء على «ربليكانت» (نسخ متماثلة ـــــ روبوتات) التي لا يمكن تمييزها عن البشر. هذه «الربليكانت» تقوم بوظائف خاصة وخطيرة في مستعمرات خارج الأرض. ونتيجة لعمليات تمرّد دموية متتالية قامت بها هذه الروبوتات، قرّر البشر القضاء عليها. لكن مجموعة منها تعود إلى الأرض وتختبئ في لوس أنجليس. عندها يُكَلّف ريك بمهمته الأخيرة.
الشريط هو الفيلم الروائي الطويل الثالث للمخرج البريطاني ريدلي سكوت، الذي صار لاحقاً أحد أعظم المتخصصين في أفلام الخيال العلمي والمسؤولين عن جودة هذا النوع من الأفلام. يعدّ «بليد رانر» فيلم «نيو- نوار» (Neo-noir) خيال علمي في جوهره، لكنه أظهر في وقت مبكر من عقد الثمانينيات كم كان بسيطاً لفيلم أن يتمتع بتلك القدرة على معالجة الكثير من الموضوعات الكبيرة بالنسبة إلينا. يتعامل الشريط مع قضايا بنيوية مثل المدن الكبرى، والقمع البوليسي في البيئة المتدهورة، ويتنبأ بشكل خاص بوجود كائنات مستنسخة تُستخدم كأدوات عمل لمدة محدودة (صُمّمت لتعيش أربع سنوات فقط). تعامل الفيلم أيضاً مع احتمال أن تكون هذه الكائنات متمرّدة ضد مصيرها (العمل والحياة القصيرة)، متمنيةً أن يمنحها المخترعون صفات عاطفية وجسدية تساويها بالبشر. الفيلم اليوم هو أحد أفضل الأعمال التي أُنتجت على الإطلاق. نحن أمام عمل فني غنيّ من جميع الجوانب، طرح أسئلة وجودية عن معنى أن تكون إنساناً، عن الإبداع التكنولوجي، وكيف يمكن أن يتمرّد ويطلب المزيد من الخصائص، لا سيما مشاعر البشر، وعن احتمال أن تصير الروبوتات تشعر بما يشعر به البشر. هل يمكن أن يعيش الإنسان بسلام مع هذا الذكاء الاصطناعي أم أنّ كل هذه اليوتوبيا ستتحول حتماً إلى حرب؟ العديد من الأسئلة المطروحة والقليل من الإجابات للنقاش والتحليل والتأمل تعود إلى تفاعلات الشخصيات المختلفة والصراع الداخلي بداخل كل منها أكانت بشراً أو روبوتات. والموضوع الأهم الذي يطرحه الفيلم هو العلاقة بين الخالق والمخلوق، والحرب بينهما.
مع «بليد رانر»، أكدت لنا السينما قدرتها على التفوق على الواقع. بعد مرور 37 سنة على العمل، ما زالت عناصر التطور المتخيّلة في الفيلم أكبر من أن تتحقق. «بليد رانر» الذي يندرج ضمن الخيال العلمي وسينما «النوار» (Film Noir)، هو الرؤية المتشائمة والمأساوية للحالة الإنسانية. يعيش الإنسان في هزيمة، ما يجعله أكثر إبداعاً في تطوير الآلات، بحيث تصبح مثيلةً له إلى حدّ كبير. لكن هذه الآلات ذات طموح يعاكس مخططات البشر. السؤال الذي يرافقنا خلال مشاهدة الفيلم: ما الذي يجعلنا بشراً؟
في تحفة ريدلي سكوت، فقدت الإنسانية معانيها. يتجول الإنسان بلا معنى ولا هدف في شوارع المدينة المكتظة، ويأتي المطر ليعكس المزاج المطلوب. في «بليد رانر»، تعدّ الرؤية المستقبلية للإنسان جوهر مناقشة الحق في الحياة، ما يعني مفهوم الحياة بحدّ ذاته. عند اختراع نسخ متماثلة تتطور ذاتياً لتصبح «أكثر إنسانية من البشر»، هل يعود لنا الحق في استخدامها كأدوات؟
في الأديان السماوية، خلق الله الحياة من لا شيء، وأصبح المخلوق متماثلاً بطبيعته للخالق نفسه. تمرد الإنسان على خالقه كما تمرّد «الربليكانت» على البشر، وكما أبعد الله آدم وحواء عن الفردوس بسبب تناول الفاكهة المحرمة، أبعد الإنسان «الربليكانت» عن الأرض وأخرجهم من فردوسهم. التفاحة التي أفقدتهم التنعم بالفردوس، جعلتهم يعيدون التفكير في أسباب خلقهم. هكذا، عادوا في «بلايد رانر» إلى الأرض، مكان خلقهم للانتقام من حالة العبودية. عادوا بحثاً في أسئلة كبيرة لا جواب لديهم عليها، فكان هذا الرجوع بمثابة وعي لهم.
بعد مرور أكثر من ثلاثين سنة على الفيلم، هناك مقاربتان من المهمّ التكلم عنهما. المقاربة الأولى تتمحور حول الجدل المتعلّق بما إذا كان ريك ديكارت «ربليكانت» أو بشراً. إلا أن الإجابة أتت غامضة في النسخة التي عرضت في السينما عام 1982. هناك العديد من التلميحات التي تؤكد أنّ ديكارت متماثل، في مقابل العديد التي تنفي ذلك. لكن في نسخة المخرج (Director Cut) التي عرضت سنة 1992، أتت الإجابة بأنّ ديكارت هو «ربليكانت». إذاً، فالإجابة على هذا السؤال تعتمد على النسخة التي شاهدناها من الفيلم. في مقابلة لسكوت عام 2002، أكد أنّ ديكارت هو «ربليكانت»، إلا أن هاريسون فورد صرح أنّه ليس كذلك. وهنا نأتي إلى الجوهر: في السينما لا جواب واضحاً وصريحاً لأيّ سؤال، ولو كان المخرج واضحاً في جوابه، فالقصة تعتمد على رؤية كل شخص منا وكيفية تفاعله مع الفيلم. بالنسبة لي، فأنا مدافع شرس عن أن ديكارت ليس متماثلاً، لكن سكوت بعبقرتيه أراده أن يكون كذلك في إحالة لرؤية فلسفية أفلاطونية هي «البشر هم ضحايا جهلهم». فإذا عاش الإنسان بيقين زائف، لا كما يجب أن يكون... فإنه يفقد حياته وهويته الحقيقية.
أما المقاربة الثانية هي أننا نعيش الآن في الرؤية المستقبلية للفيلم، التي تتمحور حول النقاش الأخلاقي للإنسانية: من هو الشرير في هذا الفيلم؟ هل هم البشر أم المتماثلون؟ يعد روي باتي (راتغر هاور) قائد «الربليكانت» الذين عادوا إلى الأرض وأحد أكثر الخصوم إثارةً للجدل في تاريخ السينما، لكنه ليس بالضرورة شرير القصة. هو مجرّد كائن عقلاني يتوق إلى البقاء على قيد الحياة كأيّ شخص آخر. مونولوجه الأخير في نهاية الفيلم يكشف عن إنسانية بداخله أكثر من البشر الذين واجههم. رحمته واستعداده لتمييز وجوده في الكون، يجعلانه إنساناً حقيقياً، لأنه بعكس ديكارت، يتقبّل وفاته وما هو عليه. من خلال كفاحه الطويل من أجل «حياة أطول»، يُشهر باتي رغبته الهائلة في العيش من خلال الموت عندما يكون الأخير طريقاً للحرية والراحة سواء كان بشراً ام لا. لقد أدرك سرعة نهايته وصغره ككائن في هذا الكون الضخم. هذا الوعي يجعله «إنساناً» أكثر من أي شخص آخر. إذاً، لماذا يقرر روي إنقاذ ديكارت من الموت؟ في النهاية، أدرك روي بأن رحيله بات وشيكاً. وقبل وفاته، أراد أن يكون لديه صديق يخبره بما رآه، ومن هو، وماذا كان وكيف كان يعيش. إنه يريد البقاء على قيد الحياة في ذاكرة شخص آخر، تماماً مثلما يصرخ الإنسان في الخلود الأصمّ: أنا موجود.

* Blade Runner متوافر على نتفليكس



ثلاثة أفلام قصيرة


بين «بليد رانر» الأول سنة 1982، و«بليد رانر 2049» في 2017 (إخراج دوني فيلنوف)، أنتجت ثلاثة أفلام قصيرة لتملأ الفجوة بين حقبتي الفيلم وهي بالترتيب: 
◄ «بليد رانر بلاك اوت 2022» فيلم انيمي بتوقيع الياباني شينوشيرو واتانابي مخرج الإنيميشن الشهير المتاح حصراً على موقع crunchyroll وتدور أحداثه بعد ثلاث سنوات من الفيلم الأول، حيث تغرق نبضة كهرومغناطيسية العالم في الظلام.
◄ «فجر نكسوس 2036» من إخراج لوك سكوت ابن المخرج ريدلي سكوت. يقدم الفيلم العالم نياندر والاس (جاريد ليتو) الذي يحاول أن يلغي الحظر على «الربليكانت» ويكشف النقاب عن «نيكسوس 9» النسخة الأحدث منهم. 
◄ «لا مجال للهرب 2048» أيضاً من إخراج لوك سكوت ويظهر فيه سابر مورتون (ديف باوتيستا) «الربليكانت» الهارب.