لولا معالم البذخ الشديد، والاستعراضات المثيرة لجميلات السينما العالميّة على السجادات الحمر، والوجود الأمني المكثّف، التي تذكرنا بأننا في قلب تظاهرة برجوازيّة أكيدة، لقلنا إنّ مدينة كان الفرنسيّة ــــ تلك المدللة الغافلة المستلقية على شاطئ الريفيرا اللازوردي تحت سماء زرقاء صافية ــــ استعارت على الأقلّ خلال أيام مهرجانها السينمائي الدولي العريق في دورته الـ 72 مكانة عاصمة أخيرة للمقاومة في وجه تسونامي هيمنة الثقافة الاستهلاكية الأميركية وموجة صعود الفاشيّات الجديدة، كما الرأسماليات في المراكز وفي الأطراف: هنا نجوم غاضبون يلقون خطابات حماسيّة لإدانة الزمن الترامبي الأغبر ويطلقون لعناتهم على فاشيّات العالم الجديدة، وبيروقراطيون حداثيّون مولعون بمواجهة متصاعدة مع شركات الستريمنغ الأميركيّة، وعروض أفلام -نبوءات عن الغد المظلم الذي صار قاب قوسين أو أدنى، وانتقادات لا ترد بأدوات الفن السابع المبهرة على يد نخبة المخرجين المخضرمين والصاعدين لما فعلته بنا الرأسماليّة المعاصرة والأنبياء الكذبة معاً من شوارع نيوكاسل إلى عشوائيّات دكّار، ومن ضواحي باريس إلى صحراء البيرو.



البداية كانت في المؤتمر الصحافي الافتتاحي بكلمة رئيس لجنة تحكيم المسابقة الرسمية السينمائي المكسيكيّ أليخاندروا غونزاليس إيناريتو. شن الأخير هجوماً صريحاً على الرئيس الأميركي دونالد ترامب وسياسته بشأن المهاجرين والجدران محتفلاً بـ «كان» كيوتوبيا نقيضة لكل مشروع انعزالي: مدينة للفن والحبّ والإبداع الإنسانيّ منفتحة على الجميع من دون استثناءات. وتحداه وأمثاله من الزعماء الجدد قائلاً: «هؤلاء الشعبيون يحكمون بأدوات الغضب والتعصّب. أن نكون هنا اليوم ردّ تام عليهم»، قبل أن يحذّر من نهاية معروفة ـ أي حرب عالمية ثانية ـ «عندما ندع منطق هؤلاء ينتصر». تبعه مخرجون آخرون بالتصويب على من أسموه بـ «المهرّج البرتقالي»، منهم الأميركي جيم جارموش مخرج فيلم الافتتاح (الموتى لا يموتون) الذي رفض ربط فيلمه الساخر عن صعود الزومبيات بالمرحلة الترامبيّة مباشرة، معتبراً أن الرّجل «مجرد واجهة برنامج تلفزيون واقع» و«مهرج يمثّل عرضاً للأزمة لا جذراً لها».
من زاوية أخرى، منح إيناريتو بركاته لأصحاب دور السينما الفرنسيين المستمرين في المحافظة على تجربة السينما الجماعيّة الطابع في وجه الهيمنة المتزايدة لمنصات البث على الانترنت التي تقودها الشركات الأميركيّة وتحوّل الأعمال البصريّة إلى وجبة سريعة أخرى يلتهمها المستهلك وحيداً كيفما اتفق. اعتبر أنه يجب ألا يسمح لهذا الشكل الجديد من البثّ بإلغاء سحر قاعة السينما الذي تبدو فرنسا كأنها قلعة أخيرة له بعدما امتدت يد نتفليكس وشقيقاتها إلى كلّ سوق أخرى. تصريحات إيناريتو لقيت ارتياحاً ملحوظاً في أوساط إداريي المهرجان الذين كانوا رفضوا للعام الثاني على التوالي عرض منتجات نتفليكس في المسابقة الرسميّة ويتعرضون لضغوط شديدة من السفارة الأميركيّة في هذا الخصوص.
القضية الثالثة موضوع النقاشات العامة في أروقة «كان» تمحورت كما منذ عامين على مسألة التمثيل غير المتناسب لأعمال المخرجات النساء. كان الصوت الأعلى هذه المرّة للمخرجة أليس روهرواشر التي اعتبرت أن التقصير ليس ذنب المهرجان تحديداً، بل يعود إلى موارد الصناعة بمجملها: مدارس السينما والجامعات وبيوتات الإنتاج، قبل أن ننتهي بمشاركات محدودة في المهرجانات. ورغم أن إدارة «كان» حاولت التمظهر بلبوس تقدميّ في هذا الشأن من خلال إطلاق مبادرات لتسهيل حضور الأمهات مع أطفالهن إلى الصالات، فإن فضيحة منع المخرجة البريطانيّة غريتا بيلاماسينا من دخول موقع المهرجان بصحبة طفلها ذي الأربعة أشهر، كشفت عن قسوة بطريركيّة متجذّرة في المنظومة الكليّة تجاه النساء الأمهات العاملات. واللطيف بالطبع أن فيلم بيلاماسينا (Hurt By Paradise) الذي يعرض في «سوق الفيلم» في المهرجان، يحكي قصّة امرأة تناضل لتوازن حياتها كأم وحيدة وكاتبة، وتتعرض في ذلك لصعوبات مجتمعيّة جمّة. مع ذلك، فإن ازدياد أعداد الآباء الذين يهيمون في شوارع كان مع عربات أطفالهم ويقضون ساعات طوالاً في مقاهيها معهم في انتظار عودة الأمهات من العروض، دليل على أن ثمة تحولات تتراكم بشأن الأدوار الجندريّة في صناعة السينما عموماً، سيكون لها شأنها في المدى المتوسط على الأقل.

«ذا روكيتمان» يحكي سيرة مغني البوب الشهير إلتون جون


زومبيّات مثقلة برسائل سياسيّة
فيلم الافتتاح «الموتى لا يموتون» كان مناسباً تماماً لهذه الأجواء المحتدة. قراءة هزليّة مسليّة من توقيع المخرج-النجم جيم جارموش لنهاية العالم كما شهدته بلدة أميركيّة صغيرة لم يسمع بها أحد، حيث تسبّب التنقيب عن النفط في القطب الشمالي بطريقة التكسير في انحراف الأرض عن محورها وبروز تحولات غير مسبوقة. هكذا، توقف الزّمن وعاد موتى دفنوا حديثاً إلى التجوال في الشوارع، وأحدهم يعود زومبيّاً مدمناً على القهوة لا يختلف كثيراً عن صورته التي كان عليها عندما كان على قيد الحياة.
الفيلم المحمّل بإشارات واستعارات من أعمال سينمائيّة وأدبيّة سابقة عن عالم الزومبيّات، وبقدرة نجومه الثلاثة بيل موري وآدم درايفر وكلوي سيفيني على الإضحاك، بقي مع ذلك عاجزاً عن التحليق، وبدت الاستعانة بالزومبيّات أصلاً مسألة لا داعٍ لها درامياً، فيما الأفكار تتراصف استعراضياً من دون ثيمة تجمعها. كأن جارموش لم يعد عنده شيء جديد ليقوله بعد سيرته المهنيّة الطويلة رغم التصوير المبهر في أوقات الغسق والسخرية المرّة في مواجهة الوقائع المستجدة.

لوتش يمدّ يديه لسعفة ثالثة
مجدداً، بدا المعلّم كين لوتش في عامه الثاني والثمانين كأنه غير قادر على التقاعد عن التألق بعدما توافق معظم النقّاد على أنّ تحفته «نعتذر عن نسيانك» التي قدّم عرضها الأول في «كان» تستحق من دون تردد السعفة الذهبية لتنضم إلى سعفتين سابقتين تّوج بهما المخرج البريطاني اليساري المعروف آخرهما في 2016. ما قد يمنع لجنة التحكيم من اتخاذ ذلك القرار لن يكون سوى الرّغبة في تقديم وجوه جديدة ليس إلا. لوتش يلتقي برفيقه الدائم كاتب السيناريو بول لافيرتي في قصّة توجع القلب عن الحياة اليوميّة في بريطانيا المعاصرة، حيث أكثرية ألقيت فريسة لسياسات التقشّف الظالمة وأنظمة العمالة المؤقتة التي دمّرت الحياة اليوميّة لملايين العائلات، لا سيّما بعد الأزمة الماليّة العالميّة في 2008.
البريطاني كين لوتش يسرد قصّة موجعة عن أكثرية ألقيت فريسة لسياسات التقشّف الظالمة وأنظمة العمالة المؤقتة

تُرسم معالم السرد حول عامل بناء في مدينة نيوكاسل، فقد عمله فاتجه للخدمة في شركة توصيل لتحصيل الرّزق، كما زوجته التي تعمل بدورها ممرضة بعقد مؤقت وتناضل كي يبقى لها شيء من الوقت لتعتني بطفليها. تتلاقى كل أدوات الفن السينمائي هنا: الحبكة والأحداث والشخصيّات والتصوير والموسيقى وأداء الممثلين والفهم العميق لطبيعة النظام الرأسمالي المتوحش لتنتج لحظات سينمائيّة لا يقدر عليها إلا كبير من عظماء السينما المعاصرة. لوتش لا يتعكّز على وحوش وتنانين، أو السخرية والهزل، ولا على خيالات أدبيّة كي يأخذ بلبابنا. هو يأخذ من حقائق العيش الباردة القاسيّة ويبني بشغف نادر معماراً شعوريّاً شامخاً لا نملك معه إلا أن نغرق ونتعاطف ونتألم ونفكّر بعمق. إن لم تك تلك العبقريّة مجسدة، فلا حاجة لنا بسعف ذهبيّة إذاً.
وللحقيقة، فإن «نعتذر عن نسيانك» لن يسمح للجنة التحكيم بنسيانه على الأقل لناحية أنه يتفوّق على شريط لوتش السابق «أنا دانيال بليك» (2016) الذي استحق سعفة كان الذهبيّة سنتها.

مفاجأة برازيليّة تخلب الألباب
لا يزال المهرجان في أيّامه الأولى ولا شكّ في أنّ كثيراً من الأعمال التي ستعرض تباعاً، ستفرض نفسها في التنافس على ذهب «كان». لكن Bacurau صدم الجميع مبكراً وحجز له مكاناً مؤكداً في المنافسة على السعفة، إلى جوار رائعة لوتش. الفيلم الذي كتبه وأخرجه كليبر مندونكا فيليو، وخوليانو دورنيلليس، ديستوبيا تامّة تبدأ من قرية برازيليّة نائية في مستقبل قريب حيث كلّ أزمة تأخذنا إلى أخرى لتتحوّل تدريجاً إلى صراع لمجرّد البقاء... كأنها قصة البرازيل المزمنة: السياسيون يتاجرون بالغالبية الفقيرة لمصلحة الرأسماليين القتلة، ثم يتركونهم لأنفسهم في مواجهة العولمة التي لا ترحم أحداً، فكيف بالمعدمين! تضفي ألوان بلاد الأمازون الملوّحة بالشمس كما احترافيّة مشهودة في إدارة حركة الكاميرا، أجواءً خاصةً على الأحداث المتلاحقة المحمومة والمغسول بعض مقاطعها بالدّماء وما وراءها من ألاعيب السّياسة القذرة. إنّه فيلم لا يُنسى.

بينيلوبي كروز في «ألم ومجد» للإسباني بيدرو ألمودوفار


أول فيلم لمخرجة سوداء
المخرجة السينغاليّة الأصل ماتي ديوب دخلت بـ «أتلانتيك» - باكورة أعمالها الإخراجيّة – التاريخ بالفعل، بوصفها أول مخرجة سوداء البشرة يعرض لها فيلم في المسابقة الرئيسيّة في «مهرجان كان» الذي نعيش دورته السنويّة الـ 72! لكن ديوب قد لا تكتفي بمجرد اقتحام قلعة السينما الأوروبيّة إحصائياً، بل هيّ قدمت عملاً مثيراً للذهول قد يؤهلها لتدخل التاريخ مجدداً بفوز محتمل بالسعفة الذهبيّة. يحكي «أتلانتيك» قصة الانقسام الطبقي الحاد في المجتمع السنغالي المعاصر. انقسام يدفع بسكان المناطق المهمشة إلى خوض معاناة في الحبّ وفي طرائق كسب العيش، كأنهم عبيد لا أكثر، فيندفعون للمغامرة بفقدان أرواحهم وركوب قوارب الموت عبر الأطلسي أملاً بالخروج من بؤسهم المقيم بالهجرة نحو إسبانيا. لكن هذا الإطار الكليّ الذي يبدو تقليدياً نوعاً ما في أفلام العالم الثالث، ما يلبث أن يتفجّر في فيلم المخرجة الشابة مفاجآت صاعقة تتداخل فيها الفانتازيا بالواقعيّة والصورة المحترفة لأجواء دكّار وبحر السنغال بالمواقف السورياليّة. إنّه شريط استثنائي وموهبة استثنائيّة لا شك سيكون لها حضور متكرر في أجواء «كان» خلال السنوات القادمة.

«البؤساء» الجدد
يستعير المخرج الفرنسي من أصول أفريقيّة لادج لاي كليشيهات من رواية فيكتور هوغو «البؤساء» التي سجّلت أوجاع باريس الاجتماعية العميقة قبل 150 عاماً، ليقدّم قراءة مختلفة وهذه المرّة عن ضواحي باريس المعاصرة حيث بؤساء فرنسا الجدد في معازلهم وفي علاقة ملتبسة مع رجال الشرطة، غارقين في بحر الحروب الطبقيّة والدينية والثقافيّة مع محيطهم، وفيما بينهم، بينما تتكرّس مناطقهم بؤراً للدعارة وتجارة المخدرات والتطرّف الديني وسيطرة المافيات المتنافسة. يستلهم الفيلم أحداث انتفاضات 2005 ويجعل من موجة حرّ متصاعدة سبباً آخر لميل كل الأطراف إلى النزق والعنف والتجهم قبل أن يُسرق شبل صغير من سيرك متنقل للغجر لتشتعل من ورائه موجة عنف كثيف يرصدها لادج لاي خلال نصف ساعة من الفوضى تجاه نهاية الشريط، تقطعها أصوات تحليق الدّرونات ولعلعة الأسلحة الأتوماتيكيّة. «البؤساء» فيلم أوّل لمخرج من سكان باريس الضواحي – المعازل ينجح في إعادة طرح الأسئلة الكبرى على المجتمع الفرنسي، وهي أسئلة لم تجد إجاباتها بعد منذ أيّام فيكتور هوغو، فيما يستمر هاجس الفقراء المنحدرين من تلك المعازل مقتصراً على مجرد النجاة من تلك الأجواء القاسية دون أن يفقد أحدهم حياته أو روحه مبكراً. «البؤساء» شريط واقعيّ يعكس إحساساً استثنائياً بالمكان، ويحقق ربطاً ذكيّاً بسيرة البؤس المستمرة في فرنسا عبر الأزمنة، ويطرح مخرجه وكثيراً من ممثليه الشبان بوصفهم نجوماً جاهزين لصنع بقائهم في دنيا الفن السابع خارج نطاق صراع البقاء اليوميّ. وقد عُلم في أجواء كان أن حقوق الفيلم قد بيعت بالفعل لشركة أمازون فور عرضه.

سيرة ألمودوفار حيث لا ألم ولا مجد
آمال كثيرة كانت معلّقة على فيلم النوستالجيا والسيرة الذاتيّة «ألم ومجد» للإسباني بيدرو ألمودوفار، بعدما ذهبت بعض الأقاويل إلى أن الفيلم سيكون بمثابة اعتراف متأخر بعبقري آخر زعموا أنه من طينة النجوم الذين أنجبتهم بلاد الأندلس مثل فيدريكا غارسيّا لوركا وسيلفادور دالي. لكن حضور الثنائي اللامع أنطونيو بانداريس (يلعب دور ألمودوفار) والجميلة دوماً بينيلوبي كروز (دور والدة ألمودوفار) لم يساعد كثيراً في إنقاذ الفيلم من الغرق في تقديم سيرة بلا حبكة يتداخل فيها الخيال بالواقع بلا طموح سردي، ولا ألم فيها (لا تمثيلاً ولا واقعاً) سوى ارتباط العمل الفنيّ بسيرة المخرج الشهير بالإدمان على تعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة، ولا مجد فيها إذ إنّه لم يحظ بأي تكريم استثنائيّ على مجمل أعماله، أو يمنح ولو مرّة واحدة ميزانيّة هائلة لإنتاج فيلم كبير، وكان أعلى ما وصل إليه أن فيلماً قديماً له أنجزه قبل 30 عاماً أعيد ترميمه وعرض في دارة سينما محليّة تعنى بالفنون!
فيلم «البؤساء» قراءة معاصرة عن ضواحي باريس حيث بؤساء فرنسا الجدد في معازلهم وفي علاقة ملتبسة مع رجال الشرطة


مع ذلك، فإن الفيلم الذي يبرق بألوانه الثريّة وموسيقاه اللاتينيّة المنعشة لا تبدو حظوظه كبيرة بالمنافسة على السعفة الذهبية، لكنه كان نقلة نوعيّة لبانداريس شخصياً الذي اضطر للخروج من أدواره التقليدية كي يتقمّص شخصية ألمودوفار، بما في ذلك القدرة على تبادل قبلة مثليّة حارّة مع خمسينيّ مثله وتلك مرّة أولى له على الشاشة. بينما اعتبرت كروز أن الفيلم مساحة تعبير فرديّة ذاتية للمخرج ألمودوفار، واعترفت بأنها تغاضت عن كثير من الأسئلة التي خطرت ببالها أثناء التصوير مكتفية بتنفيذ توجيهات المخرج كما هي. لذلك لن يحبّ كثيرون هذا الفيلم إن هم لم يكونوا من هواة ألمودوفار مسبقاً، وقد تُجنى منه فائدة وحيدة فحسب، وهي إرضاء الفضول بشأن ما كان يحدث في إسبانيا طوال أربعين عاماً الماضية بعد أن تقوقعت تلك البلاد على نفسها وانسحبت مع ملاعب الإمبراطوريات إلى الهوامش.



ديكستر يتفوّق على نفسه والتون جون يزداد ثراءً
لا تستطيع وأنت تشاهد «ذا روكيتمان» (خارج المسابقة ــ عرض ضمن تظاهرة «أسبوعي المخرجين») الذي يحكي سيرة مغني البوب الشهير إلتون جون، إلا أن تسترجع «بوهيميان رابسودي» عن سيرة المغني الرّاحل فريدي ميركوري والذي كان رامي مالك قد فاز على أدائه فيه بأوسكار أفضل ممثل. وجه التشابه ليس مقتصراً بالطبع على أن كلا الفيلمين يقدّمان حياة نجم بريطانيّ مثليّ آخر من موجة مغني الموسيقى الشعبيّة الذين تسيدوا ساحة الغِناء في السّبعينيات والثّمانينات الرّماديّة التي عاشتها بلادهم. الفيلمان أيضاً هما من إخراج ديكستر فليتشر. نتيجة المقارنة الإجباريّة هذه تقول بأن فليتشر تفوّق بالفعل على نفسه، إذ إن «ذا روكيتمان» بدا أكثر إبداعاً من فيلمه الأخير، وأقدر على انتزاع الضحكات، مؤثراً وأكثر مباشرة في طرح التوجهات المثليّة لبطله بينما لم يصل الممثل تارون إيغرتون الذي لعب دور جونز ــ ورغم أدائه الجيّد ـــ إلى مستوى أداء مالك في «بوهيميان رابسودي». مع ذلك، فإن «ذا روكيتمان» يصاب سريعاً بفقدان الاتجاه بعد تقديم فترة البدايات الأولى ولحظة تحوّل ريغنالد دوايت إلى إلتون جونز في عمر الـ 23 إثر نصيحة من مغن أميركي بـ «أن تقتل الشخص الذي كنته كي يتسنّى لك أن تكون الشخص الذي تريد». يغرق الفيلم (كما إلتون جونز في الواقع) بعدها في موجة رتيبة ممتدة من تعاطي المخدرات والكحول ورثاء للذات تكاد تفقدنا تعاطفنا مع الشخصيّة التي لا ينقذها إلا استعادة جذلة لأهم حفلات جونز الموسيقيّة في مواقع موفقة من السرديّة. ربما ليس «ذا روكيتمان» فيلماً للجميع، لكنه بالتأكيد يحقق الغرض منه: إذ سيجد فليتشر له مكاناً على قائمة أفضل الأعمال المعروضة ضمن تظاهرة «أسبوعي المخرجين» في «كان»، وسيمنح السير ألتون جونز ملايين أخرى من الدولارات جرّاء تجدد الطلب على أسطواناته الشهيرة. فيلم آخر أثار الانتباه في عروض «أسبوعي المخرجين» من توقيع ميلينا ليون ويسجّل بكاميرا متجذرة في المكان والزّمان أجواء فضيحة شبكة تهريب الأطفال في البيرو خلال عقد الثمانينيات، فتختلط فيه الشخصيات بالغبار والظلال بينما تتكشّف خيوط الفضيحة شيئاً فشيئاً. هجوم قاس قسوة طبيعة البلاد على المنظومة الفاسدة التي تعتاش على المتاجرة بالطفولة.


غيبسون مجدداً في مرمى العداء للساميّةً
فور الإعلان عن الشروع بتصوير الفيلم الجديد للنجم الأميركي ميل غيبسون، تصاعدت الإدانات والتهم الجاهزة بالعداء للساميّة وتسابق الصحافيّون المدجنون إلى استعادة جدالات وجد الممثل الشهير نفسه في خضمّها مرّات عدة خلال سيرته المهنيّة. العمل الجديد يقرأ بالفعل من عنوانه «روثتشايلد» وهو صيغة تكاد تطابق اسم السلالة اليهوديّة الأسطوريّة «روثستشايلد» الشهيرة في دنيا البنوك. يقدّم الشريط كوميديا سوداء لاذعة عن الثروة والنفوذ في أجواء نخبة نيويورك الثريّة. يلعب غيبسون دور كبير السلالة وايتلو روثتشايلد التي يتنافس عشرة من أفرادها على الوراثة. الفيلم معروض في سوق الفيلم الموازي لـ «مهرجان كان»، ولا بدّ من أن تكاثر الإدانات المسبقّة ستجلب له المزيد من إقبال الجمهور، تماماً كما حصل دائماً مع أفلام ميل غيبسون السابقة.