لندن | وثائقي «الرحيل عن نيفيرلاند» (أربع ساعات في جزءين للمخرج البريطاني دان ريد يُعرضان حالياً على القناة الرابعة في بريطانيا – وHBO في الولايات المتحدة) يثير جدلاً يتسع في الإعلام الغربي عن الوجه الحقيقي لملك البوب الراحل مايكل جاكسون (1958 ـ 2009). بعدما تحدث فيه اثنان من الشبان – ويد روبسون وجيمس سيفتشك وهما في الثلاثين الآن – عن تفاصيل الانتهاكات الجنسية المتكررة التي تعرّضا لها إبّان إقامتهما الممتدة سنوات في مقر إقامة النجم في قصر «نيفيرلاند»، سارعت إذاعات كثيرة في كندا وأستراليا ونيوزلندا إلى حظر تطوعيّ لأعمال جاكسون، بينما ألغي برنامج موسيقي ضخم يستلهمها كان مخططاً له أن يقام في دورة أولى الشهر الماضي في شيكاغو.

روبسون الذي شهد في 2005 لمصلحة جاكسون في محاكمة سابقة بشأن اعتداء جنسي على طفل آخر في الـ13 من عمره، عاد ليقول بأنه كذب تحت القسم، ومن وقتها أصيب بانهيارات عصبيّة متكررة، لا سيّما بعدما رزق بطفله الأول. وقد حاول رفع قضيّة أمام المحاكم في 2013، لكن قضيته أُهملت على أساس التقادم. ووفق الوثائقي، فإن روبسون تعرّض للاغتصاب المتكرر من قبل جاكسون مذ كان في السابعة من عمره وعلى مدى سنوات، بينما تحدث سيفتشك عن اعتداءات مماثلة وإن بتفاصيل مختلفة عن الغرف المتعددة في «نيفيرلاند» وقطع الحلى الثمينة التي كان يهديه إياها كما عن زفاف صوري معه! هذا بالطبع إلى جانب خلاف شرب الكحول ومشاهدة أفلام البورنو والتلاعب العاطفي بهما وتهديدهما بفقدان الحظوة أو حتى السجن إن تحدثا لأحد عما يجري.
القائمون على «وقفيّة جاكسون»، الجهة الرسميّة التي تمثّل الورثة وتمتلك حقوق أعماله، شنّت هجوماً عنيفاً على روبسون وسيفتشك وصانع الفيلم، معتبرة أنّه «محاولة بائسة للتربّح من خلال الإساءة لصورة المغني الراحل»، وبدأت بإجراءات دعوى قضائيّة ضد HBO للمطالبة بـ 100 مليون دولار، كون الوثائقي يتعارض مع مضمون عقد وقعه الفنان الرّاحل مع القناة في 1992 لعدم عرض أعمال تسيء إليه مستقبلاً!
الصحافة العالميّة ومواقع التواصل الاجتماعي عبّرت عن انقسام حاد في الآراء تجاه الوثائقي بين المتعلقين بالصورة الأسطوريّة للنجم الذي يعده بعضهم «أهم نجم بوب في القرن العشرين»، وآخرين عبّروا عن صدمتهم وتعاطفهم مع ضحاياه من الأطفال وعوائلهم، بينما أصر المخرج على أن موضوع فيلمه هو «أكثر عن الندوب التي لا تُمحى للاعتداءات الجنسية على الأطفال، منه عن جاكسون تحديداً، وإن كانت سلطة الشهرة وجبال الأموال التي جناها الأخير منحته حماية من مواجهة عواقب سلسلة ممارساته المنحرفة».
لا يمكن فهم طبيعة هذا الجدل من دون تفكيك ظاهرة الشخصيات المشهورة في عصر الرأسماليّة بعدما انزوى الدين من الحياة العامة في المجتمعات الغربيّة لمصلحة المال، وتبخّرت ادعاءات الحق الإلهي للملوك على يد الثورات البورجوازيّة في بريطانيا ففرنسا، وأصبح ممكناً بفضل شبكات صناعة النجوم التي تخدم ـ وفق أنطونيو غرامشي ـ ديمومة هيمنة الطبقة الحاكمة وفبركة أيقونات ثقافيّة من الناس العاديين تتظافر في خلقها جهود تحالف هائل من الوسطاء الثقافيين: مديرو أعمال، وصحافيون، وبرامج تلفزيونية وإذاعية، وأفلام سينمائية ووثائقية ومواقع على الإنترنت ومتعهدو حفلات، بل مصورون وحلاقون ومساعدون شخصيوّن ونقاد.
لكن مكانة الأيقونة الثقافيّة تلك تتضمن بالضرورة فصلاً حاداً لما يسميه علماء السيكولوجيا بين «الذات – داخليّة الشخص»، و«الأنا – أي كما يرانا الآخرون». إذ أن «الأنا» عادة تدار بعناية موجهة وممسرحة حتى لا تعود أحياناً لها علاقة بـ «الذات»، هذا إن لم تتعارض معها جذريّاً. هذا التناقض يتسبب عادة بضغوط على الشخصيّة توقعها في مآزق نفسيّة واستشكالات هويّة، قد تصبح حالات مرضيّة. لكن شبكة صناعة النجم التي تحيط بها تسعى دائماً لإخفائها والتعمية عليها كي لا يتبخر مصدر رزقها الذي يستدعي الترويج الدائم للشخصية المشهورة في صورتها النمطيّة الاستهلاكية حصراً.
رغم بعض الانتقادات النوعيّة النادرة التي وجهّها إلى جاكسون بعض المثقفين الأفرو أميركيين كنموذج للأسود المكسور «الذي يقبل بالموت مقابل أن يكتسب بشرة بيضاء»، نجحت شبكة الوسطاء الثقافيين في الولايات المتحدة (صانعة الثقافة المعاصرة) في فبركة وهم هائل حوله كشخصيّة مغنٍّ محبوبة عابرة للأعراق، لا سيما في أوساط فئة شبّان الأقليّة السوداء في الولايات المتحدة التي كانت متعطشة لأسطورة نجاح فردي ممكن للإنسان الأسود في أميركا بعدما تعطلّت كل محاولات النهوض الجماعي للأفرو أميركيين بفعل سياسات قمع ممنهج مارستها السلطات الأميركيّة ضدّهم عبر العقود، وانتهت بنخبتهم الثوريّة مقتولة أو مسجونة أو قانعة بالهزيمة. جاكسون الفكرة هذا أعيد إنتاجه لاحقاً كنموذج معولم يقدّم حلم خلاص ممكن للشبان التائهين عبر الأعراق والجنسيات في صحراء النيوليبراليّة القاسية، ووقف أمام الملايين عبر العالم ليغني بمثاليّة حالمة عن إنسانيّة مشتركة، مغرقة في السذاجة والتسطيح، لكنها قابلة للصرف على نطاق عريض.

انقسام حاد في الآراء بين المتعلقين بالصورة الأسطوريّة، وآخرين تعاطفوا مع ضحاياه من الأطفال


جاكسون كان طيلة ذلك الوقت مصاباً بداء البيدوفيليا (اشتهاء الأطفال الذكور تحديداً)، وكان مكانه المستحق السجن أو مستشفى الأمراض النفسية، لكن مسائل الانحرافات الجنسية والتهتك والاغتصاب والتجاوزات بحق الأطفال كانت دائماً أسلوب حياة مقبولاً في الأوساط الفنيّة الأميركيّة الغربيّة عموماً، ما دامت تلك الممارسات تتم في إطار حلقات مغلقة بعيداً عن الرأي العام، فيما تتضامن أجهزة صناعة النجوم المختلفة الأدوار على الحفاظ على صورة الشخصية العامة النازعة نحو التأليه والتنزيه أساساً عبر تجاهل التسريبات والتشكيك بمصداقية أصحابها، لا سيّما أن هؤلاء يكونون عادة من المتورطين عن رضى في تلك الأجواء. في حالة جاكسون، فإنه كان يستحيل بالطبع لرجل عاش مثله في الأضواء الساطعة أن يتمكن من إسقاط عدد كبير من الأطفال وأن يقضي ليالي طويلة في انتهاكهم من دون أن يتآمر عدد كبير من الأشخاص على إبقاء الأمر رهين السرية المطلقة: المساعدون الشخصيون والخدم والقوّادون وأهالي الأولاد الضحايا (تظهر والدتا روبسون وسيفتشك في الوثائقي لتبرير موقفيهما) وعائلة جاكسون نفسه، بل أيضاً الصحافيون – الخونة الذين يمكنهم إثارة عاصفة من هباءة أو يصمتون كما القبور بحسب توجهات مؤسساتهم الإعلامية. بل حتى عندما حاول بعض الضحايا مواجهة المغني النجم في المحاكم بداية من عام 1993، لم يتجرأ القضاة الأميركيون عديمو الضمير على إدانته رغم الدلائل المتقاطعة، رهبةً ربما من سلطة هالة الأيقونة التي اكتسبها جاكسون على مر الأيّام، إن لم يكن تآمراً صريحاً مع مؤسسة صناعة النجوم المحيطة به وجيش المحامين المرتزقة الذين كان النّجم يوظّفهم. هكذا رفضت دعاوى عدة، بينما تم تسوية عدد آخر ودياً من خلال مصالحات ماليّة (بلغت قيمة آخرها 23 مليون دولار).
في هذا الإطار يفهم وثائقي «الرّحيل عن نيفيرلاند» كما لو كان نتاج خلاف داخل الشبكة المحيطة بالنجم على طريقة اقتسام نهر العوائد المتدفق بالملايين سنوياً ليس إلا. أمر لا شك يناسب صناعة الأخبار في صحافة اليوم ـ على تنوع قنواتها - التي يهمها تسويق جديد جاكسون بعدما مات ولمّا يعد قادراً على تقديم المزيد. ولذا سيستمر الجدل المصطنع لبعض الوقت. جاكسون لن يكون آخر العجول الذهبيّة التي يتم التضحية بها. ففي زمن الفضائح المتسلسلة وهاشتاغ MeToo، ترقبوا بحراً من الأطفال الذين كبروا ويريدون كشف اعتداءات المشاهير عليهم علّ وعسى تعود عليهم بملايين من الدولارات وتستعيدهم من زوايا النسيان، فكل الذي ينقصنا الآن مجرد هاشتاغ جديد. لكن الحقيقة أن «الرحيل عن نيفيرلاند» إدانة تامة لشبكات صناعة النجوم في الغرب التي استفحلت في ظل الرأسماليّة المتأخرة وأصبحت كقشرة ترفيهيّة رقيقة تغطّي ظلاماً حالكاً.