يتنقّل «لصّ بغداد» في «دار النمر» (كليمنصو ــ بيروت). يرتدي وجهاً مختلفاً في كلّ رسم، رغم أنه يبقى أسمر دائماً. في أحد الملصقات يأتي على ظهر بساط سحري. وفي آخر، يمتطي حصاناً بجناحين، بينما يبدو أحياناً مقتنعاً ببقائه على الأرض، ربّما بفضل النساء المثيرات اللواتي يحطن به من الجانبين. ظهر اللص في السينما الصامتة للمرّة الأولى على يد الأميركي راوول والش عام 1924. بعدها، سيصبح الآس بيد المخرجين من كل أنحاء العالم، يفرجون عنه إذا أرادوا إمتاع المتفرّج بقصص آتية من أرض الشرق، تلك الصحراء البعيدة. اختاره المخرج الألماني لودفيغ بيرغر بطلاً لفيلم صدر سنة 1940، ثم عاد لإعالة الفقراء بداية الستينيات في فيلم إيطالي للمخرج الأميركي آرثر لوبين، تحت اسم كريم، تبعه دور في فيلم للبريطاني كلايف دونر عام 1978.



رغم تبدّل الأفلام والحقبات الزمنية، ظل الرجل يأتي تحت اسم واحد: «لصّ بغداد»، وهو العنوان الذي اختاره عبّودي أبو جودة لمعرضه الجديد الذي يستمرّ حتى 25 أيار (مايو). مرّة جديدة، يكشف الناشر وجامع الملصقات الفنية عن قسم من ملصقاته التي يجمعها موضوع واحد هو طريقة تصوير العرب في السينما الغربيّة. المجموعة البصرية الفريدة (ملصقات، مجلات، صور فوتوغرافية، مقتطفات من أفلام...) التي يقدّمها المعرض، تشكّل موادّ أوليّة للباحثين والأكاديميين للتعمّق أكثر في هذا الموضوع الواسع والمتشعّب شكلاً ومضموناً. إذ تشتمل على ملصقات لأفلام أنتجت بين 1910 وسبعينيات القرن الماضي، وصناعة الملصقات التي رافقتها في أميركا وروسيا وفنلندا والدنمارك وألمانيا الغربية وإيطاليا وفرنسا ومصر والهند وتشيكيا ويوغوسلافيا... لم تسعف هذه الخريطة العالمية المخرجين في ابتكار أسماء أو البحث عن مصادر جديدة لقصصهم غير ألف ليلة وليلة، وعلاء الدين، وعلي بابا، وسير الراقصات بخصورهن المنحوتة.
سنقع في الصالة الأولى على ملصقات كثيرة تحمل اسم بغداد: «حلّاق بغداد»، «حوريّة بغداد»، «بغداد»، و«حريم بغداد» ... لم يكن اختيار عنوان المعرض مرتبطاً فقط بالأفلام التي حملت اسم لص بغداد، بل يعود إلى حضور العاصمة العراقيّة الكثيف في الإنتاجات السينمائيّة بشكل عام. وفق إحصاء أجراه، لاحظ أبو جودة أن بغداد وحدها وردت حوالى 55 مرّة في الإنتاجات السينمائيّة خلال القرن الماضي، مقارنة بــ 57 لباريس مثلاً، «ربّما لأنها كانت عاصمة الخلافة، ومسرحاً لقصص ألف ليلة وليلة».


تتوزّع الملصقات الــ 108 في المعرض على أربعة أقسام مكتوبة بضو النيون هي «حب وغرام»، و«خيال»، و«مغامرات»، و«صوّر في بيروت»، اختيرت من بين حوالى 550 ملصقاً من ضمن مجموعته عن هذا الموضوع. وإن كانت الأفلام الأولى تتبع رحلات المستشرقين الأوائل، وتقع تحت تأثير أذواقهم وقراءاتهم للبلدان العربيّة، إلا أن هناك محطّات فنية وسياسية كثيرة يستحضرها الإنتاج السينمائي حول العرب، أبرزها الرقص الشرقي ورواجه في العالم، وتحديداً الراقصات المصريّات اللواتي كن السباقات في الذهاب إلى شيكاغو عام 1839 للمشاركة في معرضها العالمي بقيادة الراقصة المصريّة السوريّة الأصل فريدة مظهر. حادثة ــــ يوردها كتالوغ المعرض ــــ ألهمت مجموعة من أفلام لاحقة صنعت من عوالم الراقصات الشرقيات مثل «زيغفيلد الكبير» (1936) و«ليتل إيجيبت» (1951) الذي حمل اسم الفرقة، ونرى ملصقه في المعرض. الملك فاروق رفع دعوى قضائية ضد فيلم «عبد الله وحريمه» (1955) ومخرجه الروسي الأميركي غريغوري راتوف (إنتاج شركتين مصريّتين، وتوزيع شركة فوكس الأميركيّة)، متهماً إياه بالنيل منه شخصياً من خلال بطل الفيلم الملك الذي يتنافس مع ضابط من جيشه على حب امرأة فاتنة. قراءة هذه الملصقات اليوم تجعل منها مادّة بصريّة وفنيّة وسياسيّة تستعيد الصراعات والحروب التي استمالت كاميرات المخرجين، تحديداً بعد نكسة 1967، كما يشير أبو جودة، مضيفاً أن تلك الفترة «شهدت صدور أفلام حول الصراع العربي الإسرائيلي كدعاية موجّهة ضد العرب».
تحت كل أفيش كتب تاريخ إنتاجه، ومخرجه وأبطاله وأحياناً نبذة مختصرة عن قصّته، نقّب عنها على هامش تجميعه للأفيشات. لكن ثمّة لافتة معلّقة في المعرض، تطلب منا ألا نأخذ المعلومات الواردة على محمل الجدّ. يقدّم المعرض الملصق كوثيقة فنيّة مستقلّة عن الأفلام.


يقترح علينا قراءة فترة من تاريخ السينما من خلال الجماليات البصرية، وأساليب الطباعة وتقدّمها بين بلد وآخر، والتصوّرات العالميّة لعوالم الفيلم نفسه، فضلاً عن الابتكارات التي كانت تضيفها دور السينما لجذب المشاهدين في المناطق، مثل إضافة بيروت إلى عنوان فيلم «24 ساعة للقتل» لدى عرضه في العاصمة اللبنانية. يستعيد أبو جودة أيام كان الرسامون أحياناً، تحت ضغوط الوقت والبدل المادّي الزهيد، يصنعون الملصق من دون مشاهدة الفيلم. يختلقونها من رؤوسهم ومن تصوّراتهم المسبقة عن المنطقة. ليس من الوجه وحده تتشكّل صورة العربي، أو من طربوشه الأحمر والدخان المنبعث من نرجيلته إلى الأبد. هناك أيضاً تمثيلات الأمكنة. الجغرافيا العربية هي مكان واحد. تمتدّ الصحراء من بنغازي إلى القاهرة والبصرة وكازابلانكا وبيروت التي تلوح فيها آبار للنفط من ملصق فيلم «مهمّة في بيروت» (1956)، وفي ملصق آخر لفيلم المخرج ريتشارد بوتييه نفسه، سنرى الجمال تعوم على الصحراء اللبنانية.
نرى بيروت مرّة أخرى في صور فوتوغرافية من مرحلة تصوير أحد الأفلام فيها. تظهر صخرة الروشة إلى جانب لقطات داخل قصر يبدو أنه يعود إلى جبل لبنان خلال القرن التاسع عشر. لاحظ أبو جودة أن معظم الأفلام التي صوّرت في بيروت «كانت تلتزم ببعض المناطق قرب صخرة الروشة، وفي بعلبك، والمطار، وجبيل وفندق فينيسيا أو السان جورج». لكن متى بدأ يعي ويطوّر بحثه عن هذا الموضوع تحديداً؟ تنبه في بداية التسعينيات إلى كميّة الملصقات التي بحوزته عنه. في لبنان، وفي صالاته الهامشيّة الملتفة حول المدن، كان يسهل العثور على ملصقات الأفلام الأميركية والإنكليزية، إذ «كانت هذه الصالات المتواضعة تحتفظ بها، كي تستخدمها حين تعيد عرض الفيلم نفسه بعد سنوات».


المغرب العربي كان مصدراً لملصقات الأفلام الفرنسيّة. مع الوقت، طوّر أبو جودة طرقاً وأساليب في البحث خلال الرحلة التي دشّنها منذ السبعينيات. الملصق كان حينها الدعاية الوحيدة للصالات، وأحياناً كان يبقى في الأدراج ليعود ويعلّق عند عرض الفيلم نفسه بعد سنوات. إذا أراد أن يحكي كل قصصه مع الملصقات التي تقارب العشرين ألفاً، فلن ينتهي ربما. إنها رحلات وحكايات تستحق الأرشفة بمفردها. مثلما يجنح الملصق بخياله ورسوماته ليصير قصة مستقلّة عن الفيلم، فإن مسيرة جمعها تبدو كأفلام أخرى. البلدان التي زارها، صالات السينما، شبكة العلاقات التي كانت تدفعه من مكان إلى آخر. يعيدنا عبودي إلى الساعات الأولى التي كان يمضيها واقفاً في باحات السينما للتفرّج على الأفيشات كشاشات خارجية. هناك، بدأت الرحلة مع الأفلام الأجنبية أوّلاً. مع دخوله عالم النشر وتأسيسه «دار الفرات»، صار يقدّر الملصقات العربيّة وتقنياتها الطباعية الطويلة والمضنية.
تمتدّ الصحراء من بنغازي إلى القاهرة والبصرة وكازابلانكا وبيروت التي تلوح فيها آبار للنفط

معرضه الحالي يعدّ الخطوة الثانية في طريق نشر الملصقات وفتحها أمام الجمهور، من منطلق «أن مشاركة الأرشيف مع الناس هو ما يكسبه أهميّته» بخلاف ممارسات بعض المؤسسات المحليّة الخاصّة التي تتعمّد إخفاء الأرشيفات الفنية والتاريخيّة، وتعرقل الوصول إليها، إن سمحت بذلك، مع أنه من الأجدى أولاً أن نسأل كيف صارت بحوزتها، أبرزها مقتنيات «استديو بعلبك»، التي اختفت معها حقبة فنية كاملة أمام تجاهل الجهات الرسميّة. هكذا، ضمّ كتابه الأوّل «هذا المساء» (2015) ملصقات أعاد من خلالها كتابة تاريخ تطوّر مسار السينما اللبنانية، وملأ فراغاتها حتى في المؤسسات الرسميّة. وإلى أن يجيء الوقت الذي نرى فيه أرشيفه معروضاً في مؤسّسة ربّما، فإن الطلاب والباحثين يعرفون جيداً مستودعه ومكتبه في آخر شارع الحمرا. يقصدونه للاطلاع على وثائقه التي تضمّ أيضاً المجلات السينمائية، والصور الفوتوغرافيّة للسينما، والملصقات، والبطاقات، وبعض الرسومات الأصليّة للملصقات التي يمكن الخروج منها بمئات المواضيع الأخرى.

* معرض «لص بغداد»: حتى 25 أيار (مايو) ــ «دار النمر» (كليمنصو ــ بيروت). للاستعلام: 01/367013



على هامش المعرض
تنظّم «دار النمر» فعاليات على هامش المعرض، أوّلها كان لقاء (28 شباط) مع صاحب المجموعة عبّودي أبو جودة، الذي عاد مع الجمهور إلى بدايات شغفه بتجميع الملصقات. وللتعرّف إلى الصالات السينمائية اللبنانية وتاريخها ودورها في القرن العشرين، هناك محاضرة للمخرج والناقد اللبناني محمد سويد بعنوان «صالات بيروت الراحلة» (20/3 ــ س: 19:30)، سيسترجع فيها تحوّلات السينما وصالاتها في لبنان.


عبودي أبو جودة سيقيم جولة في أرجاء المعرض وحقباته التاريخية (27/3 ــ س: 18:30)، فيما تشرف فنانة المنسوجات علا دجاني على ورشتين عمل بعنوان «الفنتازيا العربية» (30/ 3 ــ س: 9:00، و12:00). سيقوم المشاركون باستلهام عوالم الملصقات في المعرض، وتصميمها كملصقات بالتطريز على قماش. كذلك يقدّم الفنان اللبناني جوزيف قاعي ورشتي عمل لطلاب الجامعات (19 و20/3 ــ س: 11:00) لإعادة إنتاج بعض ملصقات المعرض، كما يخصص ورشة مماثلة للأطفال (4/5 ــ س: 9:00).