في كتابه «سينما استقصائيّة: السياسة والتحديث في الأفلام الإيطاليّة والفرنسية والأميركيّة» (An Investigative Cinema, Politics and Modernization in Italian, French, and American Film) الذي صدر العام الماضي عن «منشورات بالغرايف ماكميلان» البريطانيّة، يتابع فابريزيو تشيلنتو تطور السينما الاستقصائية التي تعيد تشكيل أحداث حقيقية وأزمات سياسية ومؤامرات. أفلام السينما الاستقصائية التي قد تتشابه مع الأفلام الوثائقيّة، لا تكتفي بالشروح المبسطة لأحداث تاريخية محددة، بل توجّه نظرها نحو أحداث تخفيها الروايات السائدة. ومن الطبيعي لهذه الأفلام أن تُسائل طبيعة «الحقائق» التي تنشرها السلطة وأدواتها الإعلامية/ التضليلية، من خلال التنقيب عن وثائق ذات صلة، وإلقاء الضوء على أسئلة يؤدّي تجاهلها إلى إبقاء «الحقائق» غير واضحة.



يتفحّص البحث السينما الاستقصائيّة منذ عام 1960 حتى يومنا هذا. وقد استعنّا بالمؤلّف لنقتبس منه بعض المقاطع التي نرى أنها تلخص محتواه، خصوصاً أنه تصنيف لم يكن معترفاً به في عالم السينما. إنه نمط يستقصي الحالة التاريخية لما يسمى «المعجزة الاقتصادية» في إيطاليا، ولإزالة الصبغة الاستعمارية المتزامنة مع إعادة الترتيب الثقافي في فرنسا ومع موجات النيوليبرالية في أميركا اللاتينية في مرحلة ما بعد الديكتاتوريات، وأجواء ما بعد «ووترغايت» وهجمات 11 أيلول في المجتمع الأميركي. الكاتب فابريزيو تشيلنتو الذي يدرس مادّة الفيلم والميديا الرقمية في «جامعة يسوع المسيح» في الولايات المتحدة، قدّم مؤلّفه أصلاً كرسالة دكتوراه في «كليّة الأدب والسينما والميديا» في «جامعة واشنطن». منذ البداية، يوضح تشيلنتو أن الأفلام التي يتم بحثها في المؤلف وترتكز إلى المضمون السياسي والشكل، نادراً ما حظيت باهتمام أهل الاختصاص، خصوصاً من منظور أنموذجي. إذ يميّز أن هذه الأفلام الاستقصائية لا تقع ضمن تصنيف سينما المؤلف التي يمارس فيها المخرج سيطرته الإبداعية ويضيف عليها أسلوبه الشخصي. يستكمل الكاتب في هذا السياق: إن مقاربة الصنفين للحقائق قادت إلى وصفهما بأنهما أفلام سياسية.

مشهد من Le Petit Soldat لجان لوك غودار (1963)


لكنه لا يقبل ذلك لأنهما لا يتشاركان إلا جزئياً فقط في الاندفاعة الثورية للأفلام السوفييتية الطليعية، خصوصاً أعمال سيرغي آيزنشتاين (1898 ــ 1948) ودزيغا فيرتوف (1896 ــ 1954)، وأعمال معاداة الفاشية في «ثلاثيّة الحرب» لروبرتو روسليني (1945 ــــ 1948)، ولإزالة الاستعمار الثقافي الآتي من إمبريالية هوليوود وسينما المخرج كما وردت في مانيفستو «من أجل سينما ناقصة» (1969) للمخرج الكوبي خوليو غراثيا إسبينوزا، ومانيفستو «من أجل سينما ثالثة» (1971) للمخرجَين الأرجنتينيين أوكتافيو خيتينو وفيرناندو سولانا، ولبلاغة مايكل مور في أفلامه الوثائقية وما أسماه الكاتب نشاط الفيديو -الواقعي الرقمي digital video-activism والحملات الإنسانية، والحداثة السياسية الأوروبية في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، وتفاؤل الفكر الإصلاحي للمرحلة المبكرة من الواقعية الجديدة (neorealism). ذلك أن الأفلام الاستقصائية المشابهة للأفلام الوثائقية تنبذ قبول القيمة الظاهرية للأحداث التاريخية وتبسيطها. بالتالي، فإن الأفلام الاستقصائية تسائل طبيعة «الحقائق» التي قدّمتها المؤسسات والصحافة والمحفوظات والملفات وتقارير التلفزيون ووسائل الميديا الأخرى وملفات التسجيلات الصوتية والمرئية. وهي في الوقت نفسه تختلف عن الأصناف المذكورة أعلاه من منظور أنها تنادي بالابتعاد عن فكرة ممارسة العمل السياسي كدعاية وتعليم وعصبية فكرية. أما السياسي في السينما الاستقصائية فيكمن بدلاً مما سبق ذكره، في العثور على بلاغة سينمائية قادرة على تمثيل سياقات سياسية مُتقابلة على أساس التحاور.
تهتمّ السينما الاستقصائيّة بأحداث تخفيها الروايات السائدة، وتُسائل طبيعة أخبار السلطة وأدواتها

يواصل الكاتب وصفه للسينما الاستقصائية بالقول إنها تتشرب على نحو مجرّد العناصر الأسلوبية المشار إليها أعلاه، أي أساليب الواقعية الإيطالية الجديدة (1945-1948)، والموجة الفرنسية الجديدة (1959 - 1964)، وأفلام النوار والنيو-نوار (1941-1958) وهوليوود الجديدة (1967-1975) والموجات الأميركية اللاتينية الجديدة في مطلع الألفية الثانية، وكذلك المستجدات مثل سينما الشبكات (network cinema)، وtransmedia adaptations، وultraprocedural subgenre. مع ذلك، لا تنتمي السينما الوثائقيّة إلى أي من هذه الاتجاهات الفنية والأنماط المتفرّعة عنها، إنّما تتأرجح بين الأعمدة الثلاثة التالية: الوثائقي الروائي، والوثائقي، والأفلام الروائية المستلهمة من أحداث حقيقيّة ولا تستند إليها استناداً مباشراً. الأفلام التي اختارها المؤلف للحديث عنها ضمن هذه الشروط الثلاثة تتشارك في الإشكاليات الاستطيقية التي توجب وضع الوثائقي الروائي في قلب السينما الاستقصائية. تتشكّل هذه الأفلام من أوضاع مبتكرة تعيد تشكيل الحدث إلى حدّ أن النتيجة النهائية تبدو وكأنها تقرير أو ريبورتاج عنها مثل: «سلفاتورِي جوليانو» (1961) لفرانشسكو روسي، و«معركة الجزائر» (1966) لجيلو بونتيكورفو، و«كل رجال الرئيس» (1976) لألان باكولا، وThe Moro Affair لجوسيبي فيرارا (1989)، و«مئة خطوة» (2000) لماركو توليو جوردانا، و«غومورا» (2008) لماتيو غاروني، و«دياز _ لا تنظّف هذا الدم» (2012) لدانيال فيكاري، ومسلسلات تلفزيونية مثل Homeland عام 2011.

مشهد من «غومورا» (2008) لماتيو غاروني


من ناحية أخرى، ثمة على الوجه المقابل أفلام خيالية مثل: «موريال» (1963) لآلان رينيه وDillinger Is Dead لماركو فيريري (1969)، وThe Parallax View لألان باكولا (1974)، و«تودو مودو» (1976) لإليو بتري، و«كلا» (2012) لبابلو لاراين. في هذه الأفلام، يرد وصف الأشخاص والأحداث على أنها خيالية، لكن الحقائق الاجتماعية والبيئية تكون مستقاة من الواقع مثل فيلم Hands Over the City لفرانشسكو روسي (1963). أما التقسيمات الثانوية للسينما الاستقصائية فمتداخلة يصبّ بعضها في بعض. ومن أوجه التماثل بينها، إدخال مقاطع من الأخبار المصورة أو من الحروب أو كليبات أو مقاطع من أفلام تذكر بالممثل أو بالحدث (cameos) أو تمثيلات مصورة لأشخاص حقيقيين في وثائقيات روائية أو مفرغة في قالب روائي. يتناول الكاتب أيضاً مسألة تغيير أسماء الشخصيات أو إحداث تبديلات في الأفلام الروائية، معزياً سبب ذلك إلى تفادي الرقابة الحكومية أو الجانب القانوني، ويقدم أفلام الموجة الفرنسية الجديدة مثالاً، حيث تفادت التلميح إلى حرب الاستقلال الجزائرية عبر مجموعة من المواربات المرئية. عندما تسائل السينما الاستقصائية المعلومات الواردة في وسائل الإعلام والتضليل آنفة الذكر، فإنها تدفع إلى الخلف المعلومات الواردة أعلاه وتصبح المساءلة نفسها هي الرواية. يحيل الكاتب القراء إلى مجموعة من المؤلفات والكتابات المرتبطة بها، منها ما يعود إلى المنظّرة والناقدة النسوية البريطانية لورا مورفي، والأكاديمية كريستين روس، والكاتب الأميركي جيمس تويدي، والكاتبة المسرحية والأكاديمية إنيز هيدجز، والكاتب آلان أوليري، وناقد الأفلام الأميركي ستيفن برينس، والأكاديمي أنجيلو ريستيفو، والباحثة والمتخصصة في الأفلام الإيطالية دانا رينجا، والأكاديمية الأميركية مارسيا لاندي. يشير الكاتب إلى أن مؤلفه يتعامل مع أفلام ومؤدّين قد لا تكون ثمة علاقة مباشرة أو حدسية بينهم لأنهم ينتمون إلى أجيال مختلفة وإلى فضاءات متباينة. هذه المقاربة تمنح الفرصة لتقديم تحليل تراتبي للتأثير الإستطيقي للراديو والتلفزيون والتكنولوجيا الرقمية في السينما، ولتتبع التواصل والانقطاع بين تاريخ شريط السيلولويد المجيد والبيئة السينمائية الحالية.

مشهد من All the President’s Men لألان باكولا (1976)


وهدف ذلك تقصي النزعات المثبتة التي تسم الألفية الجديدة مقترحة بذلك طرقاً أصيلة للتأمل في الدور المزدوج للصورة المتحركة: كشاهدة على المفاسد، وكمحافظة على الذاكرة. يلاحظ المؤلَّف أن النقاش المتّقد حول السينما الاستقصائية يتركز، في حالة المتلقي، على مدى دقة إعادة التركيب/ البُنية من عدمها، وعلى التباين بين الحدث التاريخي والحدث الروائي. لكن الكاتب يرى أن هذه النقاشات غير مثمرة لأنها قد تسهم في نفي حقيقة الحدث أو التشكيك فيه. الآن وقد عرضنا بعض النقاط الرئيسة التي يوردها الكاتب في تقديم رأيه بخصوص وجود تصنيف السينما الاستقصائية والنقاشات ذات الصلة، يمكننا الانتقال إلى عرض محتوى المؤلف. يستهلّ الكاتب مؤلّفه بالمقدمة «أي تشابه مع أشخاص حقيقيين أو حقائق ليس (بالضرورة) عرضياً»، ثم ينتقل إلى الفصل الأوّل «الواقعية الجديدة واللطخة المزدوجة: التلفزيون والسينمائيون الإيطاليون شديدو الحداثة». يقارب سينما ستينيات القرن الماضي الإيطالية عبر التلفزيون، مستطرداً بأن مخرجين حداثيين مهمّين مثل جيلو بونتيكورفو وإيرمانو أولمي وجوليانو مونتالدو، وفرانشسكو ماسلّي والأخوين باولو وفيتوريو تافياني انخرطوا في الدعاية التلفزيونية عبر برنامج «كاروسيلو» (1957 _ 1977) في أيّام الاحتكار الحكومي، حيث تعلّموا تقنيات أحدثت أزمة في الواقعية الجديدة. في الوقت نفسه، يستثني الكاتب المخرج الإيطالي بيار باولو بازوليني من هذا لأنه صرف النظر عن التلفزيون ولم يتعامل معه على أنه أمر جدي. لكن شريطه الوثائقي «لقاءات حب» (1964)، فضلاً عن مقابلة تلفزيونية مهمة مع الصحافي إنزو بيادجي يعكسان فهماً حقيقياً لمشاكل الميديا الجديدة، كما أن الصور المحيطة بموته تؤكد صحة الآراء التي نعثر عليها في المقابلة. في قسم «نقل الحاضر: فيلم سلفاتوري جوليانو من إخراج فرانشسكو روسي» يقترح النظر إلى جنوبي إيطاليا كونه مخفراً أمامياً استعمارياً لاقتصاد شمالي البلاد. رغم الهويّة الواحدة واللغة المشتركة التي تنشرها القنوات التلفزيونية الحكومية، فإن الأمّة عانت عدم الاستقرار بسبب الإقليمية الحادة. الفيلم الاستقصائي الأول «سلفاتورِي جوليانو» (1961) يقدم مثالاً حول كيفية تعايش الفضاء العالمي الجديد مع بقايا الماضي واختلال التوازن بين الأقاليم المختلفة. يصوّر مخرج الفيلم فرانشسكو روسي المجرم الصقلي الشهير جوليانو بأسلوب غير تقليدي يتضمن لقطات فلاشباك ولقطات مستقبليّة flashbacks, flash-forwards تقطع التسلسل أو الكرونولوجيا في الشريط. وقد كان المخرج مصمماً على ألا يكون في الفيلم ما هو ليس مأخوذاً من رواية السلطات والصحافة والتلفزيون عن موته الغامض، بينما استغنى عن الحبكة لنقل المعلومة، وذهب بدلاً من ذلك إلى مساءلة المعلومة لنقلها إلى المشاهد. يناقش الكاتب في الفصل الثالث «الخادع/ الزائف موضوعياً: السينما الفرنسية والمسألة الجزائرية» الرواية الفرنسية المزدوجة عن التحديث الفرنسي وحرب الاستقلال الجزائرية. يرى هنا أن أفلام الموجة الثانية و«سينما الواقع» cinéma-vérité)) مثل Chronique d›un été لإدغار موران وجان روش (1961)، وCléo from 5 to 7 لآغنيس فاردا (1962)، وAdieu Philippine لجاك روزييه (1962)، وLe petit soldat لغودار (1963)، وLa Belle Vie لروبير إنريكو (1963) وLes Parapluies de Cherbourg لجاك دومي (1964) كلها أعمال تعبّر عن أساطير وقلق التحديث، ذلك أنها تنتقد التمثيل الرسمي لفرنسا المزدهرة المندفعة نحو ثقافة استهلاكية شعبوية على النمط الأميركي. غير أن هذه الأفلام لا تشير إلى حرب الجزائر إلا على نحو غير مباشر ومن دون تبني موقف واضح منها.

مشهد من «معركة الجزائر» (1966) لجيلو بونتيكورفو


يشدّد الفصل على هذه الإحالات، لكنه في الوقت نفسه يعترف بعدم إمكانية البحث في عمليّة إنهاء الاستعمار والتحديث الاقتصادي - الاجتماعي على نحو تاريخي منفصل، وأنهما مترابطان على نحو وثيق، خصوصاً أن الحرب تمثّل شكلاً من أشكال التشابه السياسي الوحشي لثقافة الرأسمالية كلية الوجود. وقد كان جيلو بونتيكورفو مخرج فيلم «معركة الجزائر» أوّل مخرج يصوّر مرحلة الحرب الجزائريّة ويواجه تاريخ إنهاء الاستعمار. لقد كان هذا الفيلم ذا وجهين توثيقاً وتأويلاً، وبهذا يدفع التنغيل بين الروائية والتوثيقية إلى أقصى الحدود. عبر المونتاج والمحفز الموسيقي والتعاقب الروائي metafictional يوضح أن جوهر الحقيقة لا يكمن دوماً في سطح الأحداث.
تحت عنوان «النجوم والنجومية في السينما الاستقصائية: أفلام جيان ماريا فولونتي وغاييل غارثيا برنال»، يثبِّت الفصل الرابع الارتباط بين اثنين من أيقونات السينما الاستقصائية. لقد اكتسب الإيطالي فولونتي شهرة عالمية بتأديته دور شخصيات حقيقية في اقتصاد إيطاليا في فترة ما بعد الحرب، وسياساته اللاأخلاقية المتعارضة مع قناعاته الشخصية اليسارية، ومن ذلك على سبيل المثال، أدى دور رئيس الشرطة في فيلم «التحقيق في مواطن فوق الشبهات» (1970) لإليو بتري، وشخصية إنريكو ماتَّاي في فيلم «قضيّة ماتاي» (1972) لفرانشسكو روسي، وهو رئيس شركة بتروكيماويات قتل في انفجار غامض في طائرة. لم يعتمد فولونتي على التمثيل الجسدي الدقيق لأن شخصياته كانت معروفة للجمهور، وإنما تعامل مع مكانتهما في الذاكرة الجمعية ماسحاً أي أثر للدالة أو الألفة. وبعدما أدارت صناعة السينما الإيطالية ظهرها له، صور فولونتي معظم أفلامه الأخيرة في أميركا اللاتينية حيث حافظت المكسيك على إرثه حياً، خصوصاً بعدما أدى الممثل المكسيكي غاييل غارثيا برنال دور تشي غيفارا في فيلم «مذكّرات دراجة» (2004). يلاحظ الكاتب أن السينما الأميركية لا تستعين بلقطات الفلاشباك الأوروبيّة وإنما تستعيض عن ذلك بالتكرار الذي يرى أن مكانه في التلفزيون كما يشير في الفصل الخامس «أنطولوجيا التكرار: فيديو زابرودر وأفلام المؤامرة الأميركية». المقصود هنا شريط الفيديو الملون (16 ملم) الذي صوره أبراهام زابرودر عن اغتيال الرئيس الأميركي جون كندي كعينة من أحداث تاريخية وجب تكرارها إلى ما لا نهاية، وإعادة روايتها وتأطيرها. يميّز الكاتب بين زمن سينما هوليوود الذي يعتبره مجموعة من الإطارات المنفردة التي تسير نحو الذروة، وزمن فيديو زابرودر دائري يلتف كالثعبان الذي يلتهم ذيله. هذه الوثيقة التي لم تخضع لأي تغيير، أظهرت لصنّاع السينما الاستقصائية إمكانية وجود أزمنة سينمائية مختلفة. وبهدف تقصي ما إذا كان بإمكان الصور إفشاء معنى عميق للأحداث، يشير إلى أفلام مثل Executive Action لديفيد ميلر (1973)، و«المحادثة» (1974) لفرانسيس فورد كوبولا، وThree Days of a Condor لسيدني بولاك (1975) وغيرها. وهنا يمكن اعتبار عملي ألان باكولا مثل The Parallax View، وAll the President’s Men فيلمين مركزيين لتصنيف الاستقصائية في الولايات المتحدة لأنهما يستعيدان خطورة الدولة البوليسية ويختاران إدراج مقاطع أخبار تلفزيونية شبه توثيقية. الفصل السادس «أجساد مروية غير معروفة: الأفلام المعادية للمافيا وأفلام رفض العولمة بصفتها تكيّف الترانسميديا (transmedia)» (والمقصود بالترانسميديا سرد أو مشروع يجمع بين نماذج وسائط متعددة) يتعامل مع الثورة الجزيئية التي استحضرت عبر المحطات الإذاعية المستقلة في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي كحاضنة للحركات المعادية للمافيا والمعادية للعولمة في مطلع الألفية الثانية. يقوِّم الكاتب تحليل نظريات دانيلو دولتشي وروبرتو فِنزا وتجاربهما الإذاعية في مواجهة احتكار الدولة لنظام الإعلام والتضليل. بناء عليه، يقوم بتحليل فيلمي «مئة خطوة» جوردانا، و«العمل ببطء (راديو أليس)» (2004) للمخرج الإيطالي ويدو كييزا اللذين أهديا إلى مؤسس «راديو أليس» في مدينة بولونيا نهاية السبعينيات، وراديو «أوت» في مدينة ترَّسيني ببينو إمبَستاتو. إذاعتان كانتا ورشتين للغة المنشقين والأفكار وكشافتين لأساليب الاتصال الأفقية والعمودية الناتجة من اختراع الهاتف الخليوي أو الموبايل. أما الفصل الأخير «أنطولوجيا الرقمي: الحرب على الإرهاب والثقافة الرقمية بعد هجمات الحادي عشر من أيلول»، فيبرهن كيف أن الحرب على العراق أنتجت مجموعة من المناظرات تتعلّق بالخصوصية والمراقبة والحقوق المدنية والإساءة إلى المساجين وتسليم المدن للعدو. ضمن هذا السياق، يناقش الكاتب مجموعة من الأفلام ذات الصلة منها: «ترحيل» (2007) لغافن هود، و«لعبة عادلة» (2010) لدوغ ليمان، و«القناص الأميركي» (2014) لكلينت إيستوود، و«خزانة الألم» (2008) لكاثرين بيغلو، إلى جانب مسلسل Homeland الذي عرض عام 2011، يضاف إليها فيلما Risk عام 2017، وCitizenfour عام 2014 المهديان إلى جوليان آسانغ وإدوارد سنودن الغنيان عن التعريف.
يتتبع أساليب الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة وهوليوود الجديدة والتيارات الأميركية اللاتينية مطلع الألفية الثانية


يختم الكاتب بحثه بالقول إن السينما الاستقصائية تتيح البحث في تقاطع الوثائقي مع الروائي، والميديا القديمة بالجديدة، والتأليف بالأداء، والمقصود هنا اللغة التي تؤثر في العالم وتغيرّه وتؤدي دور أحد أشكال الفعل الاجتماعي، ثم في تقاطع النجومية الوطنية والعابرة للأمم مع الالتزام الاجتماعي والتجارة. يتابع بأن السينما الاستقصائية تنهمك بتمثيلات العنف وردّة فعل الإنسان عليه، والمقاومة والاستعباد والتآمر والقضاء على نفسها في بعض الأحيان عبر اتباع استراتيجيتين: الأولى لكشف خداع ومكوّنات الشخصيات في كل صورة، والثانية تقضي بتقويم الصور على نحو منهجي بدءاً من منشئها وحالات تلفيقها ثم تلقّيها. هذا المؤلّف البحثي والنقدي الثمين ليس موجّهاً لأهل الاختصاص بقدر ما يدعو كل محبي السينما إلى قراءته. وأخيراً، ينهي الكاتب بقوله: يبدو أن مراعاة المصادر غير السينمائية تسمح لنا بتأمل السينما على أنها تاريخ، وبتأمّل نظرية الفيلم على أنها خطاب تاريخي. لقد كانت السينما الإيطالية والفرنسية والأميركية سباقة في ذلك وقاربته على نحو مطرد في التلفزيون أولاً، ثم في الإذاعة، والتقنيات الرقمية تشكل أرضية مثالية للبحث في هذه الإفادة النظرية.