ليس سهلاً أن يستمرّ حدث ثقافيّ لربع قرن، في بلدان هشّة، ملعونة بحروب وأزمات، ومعرّضة للارتجاج في أيّ لحظة. نحن في منطقة لا تولي الكثير من الأهميّة لروزنامة مستقرّة، أو أجندة سينما واضحة. تختفي مهرجانات كبيرة من دون مقدّمات. الميزانيات حاضرة فقط لشنّ الحروب، وتغوّل الفساد، واستعباد الناس. لحسن الحظ أنّ «مهرجان السينما الأوروبيّة» ما زال في منأى. الدورة 25 أقلعت أمس، لتستمرّ حتى 4 شباط (فبراير)، في «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفيّة) في بيروت، بتنظيم من بعثة الاتحاد الأوروبي، وبالتعاون مع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ورعاية وزارة الثقافة اللبنانية. ثبات المكان جزء من استقرار الحدث، وتحوّله إلى موعد منتظر، و«علامة بارزة في أجندة بيروت الثقافية». إدارة المهرجان تراه «أيضاً منصّة لتعزيز حرية التعبير والنقاشات الحيوية. وقد تطورت موضوعات الأفلام التي تمّ عرضها في المهرجان على مدار 25 عاماً، لمعالجة قضايا تهم المجتمعات اللبنانية والأوروبية».

احتفاءان خاصّان في مناسبة اليوبيل الفضّي. الأوّل بالشراكة مع «سينماتيك بيروت»، إذ يستعيد المهرجان عناوين من التعاون طويل الأمد بين أوروبا ولبنان. ثلاثة أفلام من إنتاج مشترك مع كلّ من فرنسا وألمانيا والسويد بعد الحرب الأهليّة: «أشباح بيروت» (1998 ــــ 29/1 ـــ س: 22:15) لغسان سلهب، و«الشيخة» (1994 ـــ 31/1 ـــ س: 22:15) لليلى عساف (بحضور المخرجين)، و«كان يا ما كان بيروت» (1995 ـــ 27/1 ـــ س: 22:00) للراحلة أخيراً جوسلين صعب. اللافت أنّها العروض الأولى منذ إطلاقها في تسعينات القرن الماضي. في تكريم الراحلين أيضاً، يُعرَض «أنا وأنت» (2012 ــــ 103 د ــــ 2/2 ـــ س: 22:15)، آخر روائي بتوقيع الإيطاليّ الكبير برناردو برتولوتشي (1941 ـ 2018).



الاحتفاء الثاني معرض ملصقات أفلام لثمانية رسّامين (30/1 ـــ س: 19:00 ـ «ستيشن بيروت»/ جسر الواطي)، هم: تريسي شهوان، وغدي غصن، وكارلا حبيب، ونور حيفاوي، وجوزف قاعي، وكارن كيروز، ومحمد قريطم، ورفاييل ماكرون. يعرض هؤلاء رؤى مغايرة لأفلام أوروبية ذائعة الصيت. كذلك، تعزف فرقة «التنّين» Two or The Dragon (الثنائي عبد قبيسي وعلي الحوت) مقطوعات أصلية من الشريط الكلاسيكي «دم شاعر» (1930 ــــ 4/2 ـــ س: 20:00) لجان كوكتو. وتنظّم حلقة نقاش حول «كتاب الصورة» (2018) لجان-لوك غودار، مع المنتجين فابرييس آرانيو وميترا فرحاني. الشريط/ الكولاج الذي لا يشبه آخر في تاريخ السينما، يولّد حواراً وأسئلة بالتأكيد. على التوازي، يحطّ عدد من أفلام المهرجان في تسع مدن أخرى، هي: صيدا (1-3 شباط)، والنبطية (4 شباط)، وصور (5 شباط)، وجونيه (4-8 شباط)، وطرابلس (7-9 شباط)، وزغرتا (8 شباط)، ودير القمر (11-15 شباط)، وزحلة (18-19 شباط)، وبعلبك (20 شباط)، بالتعاون مع المكاتب المحلية للمعهد الثقافي الفرنسي.

برمجة ثرية
البرمجة ثريّة. تضمّ 34 روائياً من دول الاتحاد الأوروبي، وآخر من سويسرا، من إنتاج الأعوام الثلاثة الفائتة. عدد منها حاز جوائز من مهرجانات مرموقة، أو شارك فيها، فضلاً عن أول أو ثاني عمل لسينمائيّين واعدين. هناك كوميديا جاذبة للجمهور. سير ذاتيّة لأدباء مثل «كازانتزاكيس» (25/1 ـــ س: 19:30 و1/1 ـ س: 17:30) ليانيس سماراغديس، و«أن تكون أستريد» (2018 ـــ 123 د. ــ 25/1 ـ س: 22:15)، عن كاتبة قصص الأطفال الشهيرة أستريد ليندغرين. المشترك الأهم عند الكبار. أوروبا المنخورة برأسمالية متوحشة، وزيف إنسانيّ صارخ. اللمعان عند القشرة فحسب. الفرد الخاوي، البارد، الشاعر بالوحدة والانعزال. التعويض بحمّى السوشال ميديا، يزيد الأمور سوءاً. أيضاً، نترقّب 12 فيلماً قصيراً من إخراج طلاب من معاهد فنون سمعية وبصرية في لبنان (3/2 ـــ س: 16:00)، هم: بوب مكرزل، ورزان الحلبي، وباتريك إلياس، وشربل شوشاني، ولوانا شابتيني، وسامر وهبه، وغادة سويف، وهيلين بوشي، وإيلي سلامة، وكارل ملكون، ولميا فرحات، وكريستيل الكوسا. عروض بحضور الطلاب وطواقم الأفلام، على أن تُختتم بمنح جوائز لأفضل ثلاثة منها.

الفرنسي ستيفان بريزيه يعود إلى اليد العاملة تحت نير غول الرأسمالية


كالعادة، يصل فيلم الافتتاح من البلد الذي يتولّى الرئاسة الدوريّة للاتحاد الأوروبي: رومانيا. يتمّ الحرص على أن يكون قريباً من الجمهور. هذا ينطبق على «6.9 على مقياس ريختر» (2016 ــ 117 د. ــ 30/1 ــ س: 20:00) لنائي كارانفيل (1960). كوميديا عائليّة عن ممثّل ثلاثينيّ متواضع، يتخبّط بين دور صعب في ميوزكال، وزوجة كئيبة، وخوف مرضيّ من حدوث هزّة أرضيّة، إثر نقل السكن إلى مبنى قديم. يزداد عالمه تخبّطاً. يظهر أب هجره مذ كان في الخامسة. كارانفيل أحد ألمع أسماء السينما التجاريّة في بلاده، وأبرز اللا منتمين إلى نادي «الموجة الجديدة» (كريستيان مونجيو، وكريستي بويو، وكونيليو بارمبوي، وكاتالين ميتشاليسكو، وكريستيان نيميسكو...). هذا أقلّ عناوينه سويّةً. لا يقارن بـ «صدقة» (2002) الأكثر شعبيةً في رومانيا على امتداد العقود الفائتة.



قادماً من «برليناله» كأفضل فيلم (الدب الكريستال)، في قسم «جيل» المخصّص للأطفال واليافعين، يصل الألماني «معجزة الجبل» (2017، 97 د ـــ 25/1 ـ س: 17:30) لتوبياس فيمان (1981). طفلة مصابة بالربو، تهرب من جحيم العيادة الطبية، لتتعرّف إلى صديق جديد. الاثنان يقصدان قمّة جبل، يُقال إنّه قادر على علاجها. حوار رشيق، بعيد عن الكليشيهات. رحلة مواقف، ونضج، واكتشاف ذات.
فيمان آت من خلفية تتعلّق بالإنتاج وتطوير المشاريع في الدرجة الأولى، إضافةً إلى الميديا والتصوير والتوليف. تدرّج من أشرطة قصيرة، إلى التلفزيون والروائي الطويل. ليس غريباً عن دراما الطفل. فيلمه التلفزيونيّ الشهير «من فرد رحل لتعلّم الخوف» (2015) حقق نجاحاً كبيراً في ألمانيا.
من اليونان، ننتظر «كازانتزاكيس» (2017، 120 د.) ليانيس سماراغديس (1946). العنوان واضح. بيوغرافيا عن الكاتب والفيلسوف الشهير نيكوس كازانتزاكيس، استناداً إلى «تقرير إلى غريكو». أسفار وأحلام صاحب «زوربا اليوناني» مدخل ملائم لرؤاه الرائدة، وأسئلة الفلسفة والوجود. سماراغديس مخضرم في السينما. درسها في اليونان وفرنسا. صاحب فيلموغرافيا غزيرة، متوسّطة السويّة عموماً. وصل إلى مهرجانات كبيرة مثل تورونتو وكارلوفي فاري، من دون أن يحقق الكثير. معظم عمله يتناول سيراً ذاتيّة أو جوانب منها، لأبطال يونانيّين محبّين للأدب والفن والحريّة. «كفافيس» (1996)، و«إل غريكو» (2007) عن الاسمين الشهيرين. «سبيروس لويس» (2004) عن أوّل بطل أولمبيّ يوناني في العصر الحديث. «الرب يحبّ الكافيار» (2012) عن ملك تجارة الكافيار إيونيس فارفاكيس، في رحلة التحوّل من قرصان إلى مناضل وطنيّ.

كوميديا حاذقة
نعود إلى الكوميديا الحاذقة مجدّداً في الفنلندي «رحلة شاقّة» (2018، 92 د. ـــ 25/1 ـ س: 22:15 و29/1 ـ س: 20:00) ليوشو لاتيو ويوكا فيدغرين في باكورتهما الطويلة. «فيلم طريق» عن فرقة بلاك ميتال مغمورة، في رحلة الحلم نحو مهرجان كبير في النرويج. هذا لن يكون سهلاً. يتطلّب سرقة فان، وجثّة، وحتى عازف آخر. المسار يبدو متوقعاً. شاهدنا مثله في عشرات الأعمال. بيد أنّ المخرجين، مع فريق الكتابة، يفلتان من أفخاخ كثيرة، من خلال ذكاء الكوميديا والطرح والشخوص. إنّه تحيّة إلى جانر موسيقيّ لا يستسيغه كثيرون.

«كازانتزاكيس» ليانيس سماراغديس


في باكورتها «ماريا (والبقيّة)» (2016، 90 د ــ 25/1 ـ س: 22:15 ـ و4/2 ـ س: 18:00)، تنجح الإسبانيّة نيلي ريغويرا (1978) في تقديم أوراق اعتمادها، إثر إطلالتها الأولى ضمن قسم «المخرجين الجديد»، في «سان سيباستيان السينمائي». نحن إزاء امرأة مركّبة، رغم ظاهرها العادي. بعد سنوات من رعاية الأب وأفراد العائلة، تجد «ماريا» (باربارا ليني في أداء لافت) نفسها وحيدةً، ضمن محيط العائلة والأصدقاء. والدها يريد الزواج بممرّضته. عشيقها لا يكترث سوى للعلاقة الجسديّة. في سن الـ 35، عليها التفكير في خياراتها مجدّداً، وطرح أسئلة الجدوى. تتوازن ريغويرا بين الدراما والكوميديا، مبرهنةً على صعود طبيعيّ، منذ عملها كمساعدة لتوم تيكوير في «عطر: قصة قاتل» (2006). كذلك، يربطها تاريخ مع اليوناني سماراغديس، إذ كانت ضمن فريقه في «إل غريكو». شريطها القصير «بابلو» (2009) ظفر بجوائز محليّة عدّة.

أسلحة ثقيلة
بالانتقال إلى «الأسلحة الثقيلة» (سينمائيّو الصفّ الأوّل)، يأتينا جديد مايكل هانيكه (1942) «نهاية سعيدة» (2017، 107 د ـــ 25/1 ـ س: 20:00 و29/1 ـ س: 22:15)، الآتي من مسابقة «كان». المعلّم النمساوي يستعين بخدمات إيزابيل أوبير أمام العدسة للمرّة الرابعة. كذلك جان لوي ترانتينيان للمرّة الثانيّة، بعد رائعته «حب» (2012). الأخير يعتبر هانيكه أعظم مخرجي الأرض. يعود عن اعتزاله فقط من أجله. بدوره، يراه هانيكه أهمّ الممثّلين رفعةً ومستوىً عبر التاريخ، إلى جانب مارلون براندو. في الفيلم، يضطلع ترانتينيان وأوبير بدور أب وابنة ثانيةً (فعلاها في «حب»). عائلة فرنسيّة برجوازيّة تقطن في «كاليه». هو خرف في الخامسة والثمانين، بأفكار انتحاريّة متكرّرة. لا غرابة. الرجل أقدم على خنق زوجته في الماضي، لتخليصها من عذاب المرض. الابنة تتولّى بزنس العائلة في المقاولات.



ابنها نزق الطباع، من دون هدف يحثّه على الاستيقاظ صباحاً. شقيقها جرّاح متزوّج للمرّة الثانيّة. لا يمانع الخيانة وفانتازمات الفايسبوك. صغيرته ليست أقلّ فراغاً وتوهاناً. تتفنّن بتجربة أدوية وأساليب قتل على هامستر في قفص. حياتها مكشوفة تماماً على إنستغرام. إذاً، نحن أمام ثلاثة أجيال. تتمّم/ تكرّر طرح «حب» وعناوين أخرى بدائرة أوسع، وفق أسلوب هانيكه المينماليّ المتقشف. هو سوداويّ، مظلم كعادته. أكثر تهكّماً. أقلّ إفصاحاً. أجرأ سكوناً، إلى حدّ أبعد من اللازم. الأثرياء هي الطبقة المفضّلة للتشريح. خواء روحي وعاطفي. انهيار أخلاقي. فساد متراكم. تفكّك وانهيار. لا علاقة صحيّة، سواءً كانت أمومة أو أبوّة أو زواجاً. تعاطف زائف مع خدم مهاجرين من المغرب العربيّ. «أنا لا شيء. لماذا عليّ أن أفعل شيئاً أصلاً؟».
إنّها عدمية هانيكه الأنيقة. العزلة في «معلّمة البيانو» (2001)، جاءت بعد أضعافها في «كود مجهولة» (2000). الذروة تعود إلى «القارة السابعة» (1989)، إذ تقرّر عائلة بأكملها قتل نفسها. هنا، يطلق النّار على أوروبا برمّتها، من خلال ثلاثية العائلة والمنزل والجغرافيا. «كاليه» مسرح الأحداث، لتكون أزمة اللاجئين في الخلفيّة، وإن بقيت دون تداخل مباشر. القارّة العجوز تحصد ما زرعته في بنيتها الأساس. يراها الفيلسوف متفسّخةً من الداخل، زائفةً من الخارج، شديدة الرياء في ادّعاء الإنسانيّة. المأخذ الكبير أنّ «نهاية سعيدة» يراوح مكانه لأمد طويل. إستاتيك، وتعريف، وتكرار حالات، حتى الثلث الأخير. لا نشعر بذلك التدفق الجوّاني المعتاد، كماء يجري من تحت. يبقى دون التوقعات لناحية تجاوز ما سبقه، مرهوناً لسياق الشريط الفائت ومناخاته. نتوقعه نهاية مرحلة في فيلموغرافيا سينمائي عظيم.

«دوغمان» جديد الإيطالي الشهير ماتيو غاروني

هذا يعني التطلّع بشوق إلى القادم. من بلد كيشلوفسكي وبولانسكي، يدعونا بافل بافليكوفسكي (1957) إلى تحفة من الذهب الخالص 24 قيراط: «حرب باردة» (2018، 89 د. – أفضل مخرج في «كان»، مرشّح 3 أوسكارات: أفضل فيلم أجنبيّ وأفضل مخرج وأفضل تصوير ــــ 26/1 ـ س: 20:00). بعد «إيدا» (2013 – أوسكار أفضل فيلم أجنبيّ)، يبرهن البولنديّ أنّه أكثر توهّجاً. يصنع قصّة حبّ متأرجحة بين لقاء وانقطاع، بين طهارة وانتهازيّة، ما بين نهاية الأربعينات ومنتصف الستينات. يجول دولاً أوروبيّة عدّة، بدءاً من بولندا الخاضعة لهيمنة السوفيات. جمع وتوثيق الفنّ الشعبي في القرى والأرياف، يشعل فتيل الحبّ بين مغنيّة (جوانا كوليغ) ومؤلّف موسيقي (توماس كوت). «أيها القلب» لن تستمرّ نقيّاً وسط معسكرين: شرقيّ ستالينيّ ذو قبضة محكمة حتى على الفن، وغربيّ زائف قائم على نفاق وادّعاء وقيم متهاوية. يرتجّ الغرام. يتقاذفه عالم جديد قيد التشكّل. تخبّط العاشقين هي حيرة البلد نفسه. من نحن اليوم؟ بمن نتأثّر؟ هل ننجرف أم نحافظ على ما كنّا عليه؟ الحل، كما «إيدا»، بالعودة إلى الجذور والبديهيّات والهوية الأصيلة. بكارة الريف تبدو أجمل بتغيير المنظور. رحلة الشخوص داخل نفوسهم، تحيل على أخرى لبافليكوفسكي خلال مخاض الفيلم. الرجل دارس للأدب والفلسفة. لم يتخرّج من مدرسة أو أكاديميّة للسينما. لذا، ما زال يعمل بنفس الهاوي. لا ينجز سوى ما يثير اهتمامه، حتى لو لم يكن كذلك للآخرين. يكرّر دائماً أنّه غير محترف. صناعة الأفلام ليست مهنة ثابتة. نعيم هوليوود لا يشغل البال على الإطلاق.



«حرب باردة» أحد أسباب حبّنا للسينما. ذاتيّ إلى حدّ كبير بالنسبة لصانعه. المنفى وتواتر العلاقة بين البطلين مستوحى من والديه. احترام تاريخ بولندا. فظاعات الحرب والعسف. لكلّ ذلك، يأتي الإهداء إليهما في محلّه. الصنعة مبهرة. كادر مدروس، شديد الثراء. مناخ موسيقيّ ساحر من الفولكلور الشعبيّ والجاز والروك أند رول. سينماتوغرافيا اللونين من صلب الحقبة. توظيف حسيّ مثاليّ للضوء. تسخير الميلودراما. الاقتصاد الحكيم في المعلومات والإفصاح المباشر. مزاج الفترة أو الحالة كافٍ للتعبير عنها تماماً. أداء العمر لكوليغ، مع روح لورين باكال في الإعداد (أفضل ممثّلة في «مهرجان الجونة السينمائي» الأخير). هذا تعاونها الثالث مع بافل. لعبت دور مغنيّة أيضاً في Ida، وآخر في «المرأة في الخامس» (2011). الأهم هو ذلك الإيقاع الممسوك، الأشبه بموسيقى أخرى للشريط. التوليف السائر على حبل مشدود. الإعتام الصامت. الهوس بالتفاصيل والكمال. باختصار، نحن حيال عصف ذهني، يحيل فوضى الصور والكلمات والموسيقا، إلى سينما «أوفر دوز» في أبهى حالاتها. تتمثّل في فيلم العام بلا منازع على المستوى الأوروبيّ.

عالم لا يرحم
نبقى مع ندرة البراءة في عالم لا يرحم، من صنع اسم دارس للأدب والفلسفة أيضاً. أليس رورواتشر (1982) تقترح مزيجاً بين واقعية إيطاليّة كلاسيكيّة، وواقعية سحريّة ذات مرجعيّة فولكلوريّة، في «سعيد مثل لازارو» (2018، 125 د. - أفضل سيناريو في مهرجان «كان»، مناصفةً مع «3 وجوه» لجعفر بناهي ــــ 27/1 ـــ س: 19:30). السينمائيّة الإيطاليّة أحد اكتشافات الكروازيت، منذ إدراج باكورتها «جرم سماويّ» (2011) ضمن «أسبوعي المخرجين»، ثمّ الارتقاء سريعاً إلى المسابقة الرسميّة في «العجائب» (2014)، الذي فتك جائزة لجنة التحكيم الكبرى.
الشريط مقسوم على ساعتين متباينتين. الأولى مستلّة من واقعيّة فيسكونتي ودي سانتيس وإرمانو أولمي، بذلك النضال البروليتاري. يوميات صرفة لمزارعي تبغ مسحوقين في تجمّع «إنفيولاتا» الريفي، الخاضع لإمرة الماركيزة ألفونسينا دي لونا. جسر مهدّم يفصل هؤلاء عن العالم الخارجي. لا يبدو أنّهم مهتمون بترميمه. وسائل الحضارة شبه معدومة. «لازارو» (أدريانو تارديولو) هو عيوننا وآذاننا. شابّ طيّب القلب، وبريء بشكل مطلق. قدّيس من عالم آخر. البقيّة يستغلّونه، كما تفعل بهم صاحبة الملك.



هكذا تعمل سلسلة التسلّط. تتوالى الأيّام. لا شيء يحصل حقيقةً. تتحرّك الأمور بنشوء صداقة بين «لازارو» والماركيز الشاب «تانكريدي». الاثنان يصطنعان حالة خطف، تفضي إلى سقوط «لازارو» عن جرف صخريّ، واكتشاف مذهل. هؤلاء المساكين مؤمنون أنّهم ملك السيّدة. لا يعرفون أنّ العبوديّة انتهت منذ عقود. يبدأ النصف الثاني. يتم نقلهم إلى المدينة، ليعيشوا تحت وطأة جحيم آخر. المجتمع الحديث متوحش أيضاً. يتزامن ذلك مع تحقق معجزة بعودة «لازارو» كما اختفى، دون أن يظهر عليه مرور السنوات. يدخل تأثير ناني موريتي والأخوين تافياني، من دون سيطرة أو استيلاء. قد يرى البعض أنّ النصفين متباعدان أكثر من اللازم إيقاعاً ومعالجةً، ولكن الأثر المتحقق من تضادهما يستحق التجربة. ثمّة إحالات دينيّة – أسطوريّة كما في «العجائب». يعزّز ذلك الشغل المدهش بكاميرا 16 ملم، من قبل السينماتوغرافيّة الفرنسيّة هيلين لوفار، التي عملت مع رورواتشر في الشريطين السابقين. صورة نوستالجيّة، تضفي مناخاً حميمياً مسيطراً. جمال «سعيد مثل لازارو» في أصالته، رغم كلّ ما يحمله من مرجعيات، في تحيّته لفطرة الإنسان الصافية، قبل أن تتلوّث سريعاً، في انتصاره لبديهيّات نسيها الجميع. نعم، يمكن أن تعدّ طيبة القلب قوّة خارقة في عالم اليوم.



لا فرق جوهرياً بين عبودية العصور الوسطى، وقسوة المجتمع الأوروبي المعاصر وبرودته. البنك مكان مثاليّ لنهاية شنيعة، بكلّ ما يعنيه من حداثة فارغة، واستغلال، وجشع. «لازارو» ذئب بريّ في الشوارع المعبّدة. يبقى أملاً خافتاً وسط كل هذا الهراء. بهذا البصيص تختلف رؤية أليس الرقيقة، عن حدّة هانيكه غير المهادنة. ربّما يكون «في حرب» (2018، 113 د ـــ 28/1 ـ س: 20:00) أكثر مواعيد البرنامج راهنيةً ومواكبةً. الفرنسي ستيفان بريزيه (1966) يعود إلى اليد العاملة تحت نير غول الرأسمالية. هذه المرّة أعلى صوتاً، وأكثر مباشرةً وصراخاً من «قانون السوق» (2015). فنسان لاندون للمرّة الثالثة أمام عدسة بريزيه. اجترح أداء مسيرته في الشريط السابق. يومها، عاد من «كان» بجائزة أفضل ممثّل. في المضمون، تتراجع شركة قطع سيّارات عن وعودها بحماية وظائف ومستقبل 1100 عامل، بعدما وافقوا على العمل لساعات إضافيّة مجّاناً، مقابل خمس سنوات أخرى. الإدارة الألمانيّة الجديدة لا تفهم سوى لغة الأرقام. وربّما الانتفاضة والإضراب. هكذا، يرى رئيس نقابة العمّال «لوران». يقود تمرّداً للدفاع عن الحقوق والكرامة ولقمة العيش.
أليس رورواتشر تقترح مزيجاً بين واقعية إيطاليّة كلاسيكيّة، وواقعية سحريّة ذات مرجعيّة فولكلوريّة

حراك حادّ، غاضب، ثائر إلى حدّ الحقد والكراهية أحياناً. اللحم الحيّ في وجه قطار ضخم. هل نتذكّر «السترات الصفر» اليوم؟ هذا دليل على دقّة رؤية بريزيه، واستشرافه المستقبل. الحل بكلمة واحدة بسيطة ومخيفة في آن: الحرب. خاسرة؟ نعم. لن يعجز الكيان المؤسساتي الضخم عن استغلال الشروخ، وبثّ الفرقة في جموع الغاضبين. ولكن، لا بدّ من خوضها، حتى لو صارت هدفاً بحدّ ذاتها. الضمير الأخلاقي المناوئ للنيوليبرالية من يتكلّم هنا. جرعة عاليّة من خطابيّة مباشرة. مع أسلوبية الوثائقي والأخباريّ في التصوير، ينخفض معدّل الدراما إلى درجة ملحوظة. لا نمتلك ترف الأنسنة واللحظات المؤثّرة. مأخذ آخر: نهاية مخيّبة. لكلّ ما سبق، جاءت حصيلة الجوائز دون التوقعات. خرج من «كان» الفائت خالي الوفاض.
بيد أنّ «في حرب» يقترح أداءً جليلاً آخر من لاندون. يذكّرنا بالمعنى الكبير لفيلم القضيّة، في زمن لم يعد يحتمل المساومات. بريزيه يقترب من كين لوتش وبول غرينغراس. يبقى على مسافة واضحة من مجايلين حاملين للهمّ نفسه، مثل الإيطاليّين مايكل بلاسيدو وبيدرو بينو.

* «مهرجان السينما الأوروبيّة 25»: حتى 4 شباط (فبراير) ــــ «متروبوليس أمبير صوفيل» (الأشرفيّة ـ بيروت) ـ للاستعلام: 01/204080











غودار هنا أيضاً
غودار لا يشبه سوى غودار. لا يشبه أحداً في تعاطيه مع السينما، والمهرجانات، وكلّ ما ينشغل الآخرون به. منذ سنوات، لم يعد يقيم وزناً لما نعتبره بديهياً في الصناعة أو الجانر، خصوصاً في العقد الأخير. صار ينجز ما تجود به قريحته من تدفّق صور وكلمات، معوّلاً على الحسيّة لا المنطق، التواطؤ لا المسافة، التسليم الكامل لا التحليل الرياضي وتحكيم المرجعيّات والقواعد. في جديده «كتاب الصورة» (سعفة خاصّة في «كانّ» ـــ 2018 ـ 84 د ـ 1/2 ـ س:20:00 و 3/2 ـ س: 22:15)، يقترح عبقريّ السينما تيّاراً جامحاً من الصور والأصوات. كولاج يقارب راهناً وماضياً، ومشاعر مختلطة، وهموماً ملتبسة، وسينيفيليّة ساميّة، لا يجرؤ أحد على مساءلتها. يقترب من العرب أكثر من أيّ وقت مضى، وهو المعروف بتأيّيده لكثير من قضاياهم. إليكم «الربيع العربي» المفكّك بين بحور الدماء، وإخلاص الحالمين، وهمجيّة الرعاع، وتآمر الغرب. صحيح أم خاطئ؟ هو الأعلم والأدرى، بعد خمسين عاماً على ربيع باريسيّ، خاضه حتى النخاع والعظام. غودار ينسف كلّ ما اعتدناه من تقاليد، عن عمر 45 شريطاً. يذيب الفواصل بين الأنواع والتصنيفات. اقبله كما هو. لا تسأل كثيراً عن الربط وما شابه. لا نقد روتينياً، لرجل صنع هذا الفن كما نعرفه اليوم، بل هو فوق كلّ ذلك.


ماتيو غاروني في عالم القاع
«دوغمان» (2018، 103 د ـــ 28/1 ـ س: 20:00) جديد الإيطالي الشهير ماتيو غاروني (1968)، المدجّج بتتويج أفضل ممثّل في «كان» لمارشيلو فونتي. مستنداً إلى قصّة حقيقيّة من عالم الجريمة السفلي، يقترح غاروني تنويعاً على رائعته «غومورا» (2008 – جائزة لجنة التحكيم الكبرى في «كان»). مناخ العصابات المنظّمة وعائلات المافيا الإيطاليّة، ينحدر إلى شخوص هامش، في بقعة نائية على الساحل. كيف يمكن أن تكون طبيعة العلاقة بين مزيّن كلاب ضئيل الحجم والقدر، وبلطجيّ مدمن على الكوكايين؟ «مارشيلو» مروّج مخدّرات، طيّب القلب، محبّ لابنته الوحيدة من طليقته، والكلاب بطبيعة الحال. هو ذاته أشبه بكلب ضعيف، في غابة من المفترسين. «سيموني» مهووس بودرة. العنف سلاحه الوحيد. يتعامل مع الأوّل على أنّه أداة للحصول على ما يريد، وقتما يشاء. في المرجعيّات، يعود غاروني إلى تقاليد الواقعية الإيطاليّة الجديدة، كما فعل في «غومورا» وغيره. تناول أفراد القاع والمهمّشين. الممثّل الأساسيّ غير محترف. لوكايشنات حقيقيّة. ضوء طبيعيّ غالباً. دي سيكا يلاقي سكورسيزي وثوره الهائج. البلدة نفسها لا تعرف هيبة القانون، كما في أفلام الويسترن.
العلاقة جدليّة، فلسفيّة، مفتوحة على التأويل. ماذا يتبادل المتسلّط والذليل/ القامع والمقموع على الصعيد النفسي؟ يطفح الكيل بهذا الأخير. يراكم عنفاً وقدرةً غير متوقعةً على الإجرام. بهدوء وجماليّة، يهتمّ غاروني بدراسة الشخصيّة، لا التشويق والإثارة. تصير الهواجس والتحوّلات هي محرّض الأدرينالين. مرّة تلو الأخرى، يضع صعلوكاً، نكرةً، لا أحد، وسط العسف والقسوة، ليتأمّل ردّ الفعل. هكذا، يضيف صاحب «واقع» (2012 - جائزة لجنة التحكيم الكبرى في «كان») شريطاً محكماً إلى سجلّه.