لا يمكن لأحد أن يُلّم بتاريخ الدراما السورية، من دون التأمّل في تجربة النجم أيمن زيدان (1956) مثّل مشواره المهني نقطة علّام في درب الصناعة التي أتتها أيّام بيضاء تربّعت فيها على عرش الفضاء العربي، ووصلت إلى كلّ بيت. لكن اليوم بعد رحلته الطويلة، يشعر بطل «أخوة التراب» كأن سنوات الألق قد ولّت. منذ زمن وهو ينذر بالخطر، إذ أخلت بعض الشركات الكبرى الساحة الفنية السوريّة، وعاثت الحرب خراباً في كلّ الصناعات وعلى رأسها الدراما. وقد صرح زيدان سابقاً بأن الدراما التلفزيونيّة في بلاده تحتاج إلى قرار سياسي يتبناها. يعترف النجم السوري في كثير من المطارح بأنه لم يحقق كل ما كان يصبو إليه. يشك في أنّ أحداً ما يمكنه قول قناعاته كاملةً في الدراما التلفزيونية السوريّة، المحكومة بالكثير من الشروط. هكذا، هجر الشاشة الصغيرة منذ سنوات، وتفرّغ لمشاريع مسرحية وسينمائية كممثل ومخرج. وجد في السينمائي الشاب جود سعيد شريكاً توالفت هواجسهما معاً. ورغم أن هذه الشراكة لم ترق للبعض، إلا أن زيدان واظب على تلبية دعوة سعيد لمشاريع عديدة منها فيلم «مسافرو الحرب» و شريط «درب السما» الذي افتتحت عروضه قبل أيّام في «سينما سيتي» في دمشق. يلعب «أبو حازم» بطولة هذا الفيلم بدور صانع أجيال تضربه مصادفات القدر العاثرة تحت الحزام، مرّات متتالية فتنهك قواه من دون أن تنال منه كلياً... هو أستاذ الأدب المقارن في اللغة العربية الذي راح يعمل أستاذ مدرسة ثانوية، فإذا بطلّابه الذين أفنى عمره في تعليمه أصول لغتهم الأم، ينقلبون عليه ويضعون له إشارة على باب بيته كنوع من التحذير بغية مغادرة المكان، لكنّه يعتصم عند خيار البقاء في بلد يحبّه، إلى أن تأتيه الصدمة الكبرى بشنق ابنته مع حبيبها في ساحة عامة. تهاجر ابنته الثانية مع زوجها لكن يغرقان في البحر! يحمل زياد نعش ابنته على ظهره ويسلك درب هجرة موحلة فيصل جراد الأصولية إلى المكان الجديد. حينها يقول لمن بقي معه: «غنّوا؟!» لعلّه النداء الأثمن في سنين الحداد. فلا طاقة لاحتمال التأسلم والذبح باسم الرب إلا بالبهجة والفرح والفن. يضيف زيدان بهذا الفيلم خطوة ثمينة في مشوار محموم بالمغامرات، ومسيّج بالنجاحات، ويقدّم برهاناً وافياً على أّنه مادة خام وممثل محترف يسلّم نفسه بكامل جوارحه لمخرج يقود العمل. ويشهد كلّ من عاصره في العمل مهنيته المطلقة رغم النجومية وسنوات الخبرة الطويلة. في «درب السما»، يقترح زيدان منطقاً أدائياً عفوياً بنأي مطلق عن الانفعالات الزائدة، والمبالغات والعويل، والأداء الخارجي و«الكليشيهات». نراه يجترح حلولاً أدائية غنية بالتفاصيل. يبكي بصمت في مشهد وداعه لابنته، دافناً وجهه البارد من هول المصيبة بيدين أتعبهما الأسى وسيؤلمهما حمل جنازة ابنته، وهو من سبق له في الحياة أن ودّع ابنه نوار واختبر قسوة الفراق بكلّ هذا الألم الحقيقي. في هذا المشهد، بدا كأن روحه هي من تجسّد، وقلبه الذي يؤدي ويبكي. بعين مدركة، وتكنيك في قراءة جوهر المشهد، وخصوصية أداء سينمائي، وحركة جسد مدروسة، وتحّكم واضح بعضلات الوجه، كان زيدان يمنح مشاهد زياد أثراً عميقاً للمأساة الإنسانية التي لاحقنا مصائر شخصياتها!

على طرف مقابل، سيكمل زيدان مطلع العام المقبل العمليات الفنية في تجربته الإخراجية الثانية في فيلم روائي طويل هو «غيوم داكنة» (كتابته مع ياسمين أبو الفخر، بطولة: وائل رمضان، نور علي، حازم زيدان، لمى بدّور، ورامز عطا لله) يسرد الفيلم مفارقة يعيشها رجلّ مهجّر يعود إلى قريته المدمّرة بفعل الحرب، ويبدو كمن يود أن يصل إلى بيته القديم ليخطّ فيه وصيته الأخيرة! لكنّ المفاجأة ما يكتشفه عندما يصل من احتلال منزله من قبل أشخاص غرباء لهم حكاياتهم، لكن المفارقة أن مصيره يتداخل مع مصائرهم كحالة شاهدة على واقعة الحرب. أخيراً، يجد بطل «نهاية رجل شجاع» بين الوقت والآخر فسحة في كواليس المسرح من خلال إنجازه عرضاً مع ممثلين شباب. وآخر ما أنجزه كان مسرحية «ثلاث حكايا» (إخراجه عن نص للكاتب الأرجنتيني أوزوالدو دراكون) وقد سافر لعرضها أمس وأوّل من أمس في مدينة اللاذقية!