القاهرة | «حبطل السجاير وأكون إنسان جديد، ومن أول يناير خلاص هأشيل حديد». هكذا تغنّى شعبان عبد الرحيم في واحدة من أشهر أغانيه وأكثرها شعبية، منذ عشرين عاماً أو يزيد. لكن شعبان لم يقلع قط عن تدخين السجائر ولا غيرها، ولم يحمل في حياته الحديد، ويناير لم يمهله، فمات متأثراً بالتهاب الرئة الحاد، عقب التدهور الحاد الذي شهدته صحته خلال السنوات القليلة الماضية.

ولد شعبان عبد الرحيم عام 1957، وتوفي أول من أمس قبل أن يصل إلى عمر الثالثة والستين، بعدما عاش حياة حافلة بالشقاء والنعيم، والتعاسة والنجاح، خبر خلالها الفقر الشديد في شوارع حي «الشرابية» الشعبي، حيث كان يعمل في دكان لكيّ الملابس، وصعد إلى قمة الشهرة والثراء، بعدما ابتسم له القدر فجأة، منتصف التسعينيات من القرن الماضي. كانت نهاية الثمانينيات ذروة العصر الذهبي للغناء في مصر، بفضل انتشار «الكاسيت» واستديوات الغناء بأجهزتها الحديثة، وظهور موجات متعاقبة من المغنين المصريين والعرب الذين اتخذوا من القاهرة مركزاً لنشاطهم الفني.
مع بداية التسعينيات، تغيّر المزاج والذوق العام كثيراً عقب توالي الأحداث الكئيبة من غزو العراق للكويت، وحرب الخليج الثانية، واندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وزلزال 1992 الذي ضرب مصر، وانتشار الجماعات الاسلامية المتطرفة، وعمليات الارهاب والقتل ضد السياسيين والمفكرين والأجانب.
«الأغاني الشبابية»، أو «الجيل» كما أطلق عليها، بدت ساذجة وناعمة و«شبابية» أكثر من اللازم، وفي الوقت نفسه استغل عدد من المنتجين الصغار هذا الازدهار لتعبئة عشرات ومئات الشرائط لمغنين «شعبيين» مجهولين، كانت شرائطهم تباع على الأرصفة، وتخاطب جمهوراً فقيراً خشناً يختلف كثيراً عن المراهقين وأبناء البورجوازية الصغيرة الذين يخاطبهم عمرو دياب ومدحت صالح وحميد الشاعري، أو المثقفين الذين يخاطبهم محمد منير وعلي الحجار.
من بين هؤلاء المغنين الشعبيين كان شعبان عبد الرحيم، الذي اكتشفه أحد المنتجين وتعاقد معه على إنتاج شريط لأغانيه مقابل مئة جنيه! وكانت المفاجأة أن الألبوم حقق انتشاراً واسعاً، دفع المنتج إلى التعاقد معه مجدداً، كما أتاح الفرصة لعبد الرحيم أن يترك دكان المكواة ويتحول إلى مغن محترف في حفلات الزفاف وبعض الفنادق والملاهي الليلية.
من الأغنيات التي حققت انتشاراً هائلاً لشعبان أغنية «أحمد حلمي اتجوز عايدة، كتب الكتاب الشيخ رمضان»، وهي أسماء محطات لحافلات الأجرة الشهيرة في المنطقة التي يسكن فيها بالقرب من ميدان رمسيس وحي شبرا.
لم يكن لصوت شعبان عبد الرحيم أن يتجاوز جمهور باعة الأرصفة ومواقف الحافلات في شبرا ورمسيس والعتبة، وأجهزة كاسيت «الميكروباص» وسيارات التاكسي في أفضل الأحوال، مثل عشرات غيره من المغنين الشعبيين لتلك الفترة. في الحقيقة امكانيات صوت شعبان محدودة للغاية، وليس هناك سوى لحن موسيقي واحد يتكرر بطرق مختلفة في أغانيه، ولكن الحظ أوقعه مع مؤلف أغان موهوب، هو إسلام خليل، يعرف كيف يأخذ الأفكار من البسطاء ويعيد إرسالها إليهم بكلمات منظومة ومرحة.
أغنية «حبطل السجاير» هي خير نموذج لأغاني اسلام خليل وشعبان. إنها تبدو جادة و«تعليمية» للوهلة الأولى، ولكن مع توالي الكلمات، تكتشف كم هي عبثية وساخرة. المغني الذي يتعهد في البداية بأنه سيقلع عن السجائر والمخدرات وشرب الخمر، ويركز على عمله، ويتزوج ويبني أسرة صالحة، سرعان ما يبالغ ويرسم بعض الصور الهزلية من نوعية: «هتفسح في الأناطر وأنسى إلي راح وأعيش، وأنزل الجناين أتنطت ع الحشيش... مش حكسر الإشارة وحمشي على الرصيف، وحخاصم إلي إلي وأصاحب الشريف. حتكلم إنجليزي و أغني ديدي وا...».
تتبع معظم أغاني عبد الرحيم نفس الوزن الشعري ونفس اللحن البسيط، الذي تتخلل أبياته كلمة «إيييه» الشهيرة، التي باتت مرتبطة باسمه، ولا يخلو منها لحن تقريباً.
كل ذلك عادي، وهناك الكثير من المغنين والأغاني الشعبية الذين حققوا شهرة كبيرة خلال تلك الفترة، لكن «تميز» شعبان عبد الرحيم عنهم جميعاً جاء مع أغنيته «بحب عمرو موسى، وبكره إسرائيل» التي ظلت حديث الاعلام لشهور، وجعلت من «شعبولا» المطرب المفضّل للمثقفين والمفكرين وممثلي الأحزاب المعارضة من اليسار واليمين.
الأغنية نفسها وليدة الانتفاضة من ناحية، ومواقف وزير الخارجية المصري عمرو موسى العنيفة ضد الممارسات الاسرائيلية، التي صنعت له شعبية كبيرة لدى المصريين والعرب. كما أنّها الأغنية السياسية المباشرة الأولى التي تأتي من منطقة الغناء الشعبي هذا، وفي وقت لم يعد فيه للأغاني السياسية مجال، لا الرسمية المؤيدة، ولا السرية المعارضة.
لقد وصل الحال بكثير من الكتاب السياسيين المتحمسين للأغنية إلى أن يقولوا إن شعبان عبد الرحيم أشجع من كل السياسيين والحزبيين والمفكرين، لأنه الوحيد الذي أعلن كراهيته لإسرائيل.
طبعاً المبالغة فجة، تعكس التدهور الذهني الحاد الذي أصاب المثقفين المصريين والعرب عقب زلازل التسعينيات السياسية والثقافية، كما تعكس «فظاظة» الذوق العام، الذي بات سمة عامة في الإنتاج السينمائي والغنائي في بداية الألفية الثالثة. بين يوم وليلة تحول شعبان عبد الرحيم إلى «المطرب» المفضّل للمثقفين، وراحت عروض التمثيل تنهال عليه. وبعدما استخدمه المخرج الراحل أسامة فوزي ليغني إحدى أغانيه الشعبية في زفاف شعبي في فيلمه الأول «عفاريت الأسفلت» (1995)، أصبح «شعبولا» ممثلاً وشخصية رئيسية في أعمال مثل «مواطن ومخبر وحرامي» (2001) لداود عبد السيد، و«فلاح في الكونجرس» (200) لفهمي الشرقاوي، وغيرهما.

كانت شرائطه تخاطب جمهوراً فقيراً خشناً يختلف عن أبناء البورجوازية الصغيرة الذين يخاطبهم عمرو دياب


«فلاح في الكونجرس» يلعب على صورة «شعبولا»، الذي صار اسمه رمزاً للشعب والشعبوية و«الشعبالولا» الغنائية، كرجل فلاح بسيط صريح، صاحب حكمة وآراء صائبة فطرية، وهي الصورة التي روّجت لشعبان اعلامياً، وساعد هو على تعزيزها. وفي «مواطن ومخبر وحرامي»، يلعب عبد الرحيم دور الحرامي الشعبي، المناقض لشخصية المثقف البورجوازي المتردد والجبان، وهو الشخصية الأكثر إثارة للتعاطف، خاصة وهو «يشدو» بعدد من أغانيه المحبّبة المرحة، ولكن من ناحية ثانية يطرح الفيلم فكرة أن صعود هذا «الحرامي» طبقياً وسلطوياً وعلاقته بالبورجوازية انما هي نتاج انحلال مجتمعي وأخلاقي وسياسي.
مع العقد الثاني من الألفية، كانت ظاهرة شعبان عبد الرحيم قد أفلت كثيراً، وهو وشاعره اسلام خليل لم يعودا قادرين على لمس نبض الشارع ولا المثقفين، وتمسكا بالمكانة المادية التي وصلا إليها. راحا يصوغان أغنيات دعائية ضد المعارضين، من الإخوان وحتى محمد علي ووائل غنيم. وكان آخر أغنيتين تمَّ بثّهما على الانترنت لعبد الرحيم وخليل، واحدة منهما تصف محمد علي بأنه «حتة ممثل فاشل... غلط في مصر وجيشها يستاهل التأديب. جاسوس وخاين. انت فاكر الشعب هيسيبك يا خسيس». أما الثانية فتقول بعض كلماتها: «وائل غنيم اتجنن وحالق زلط كات. وائل غنيم اتجنن وقالع في الشارع ملط.. كان نفسه يعمل ثورة والشعب قلبها حفلة». ويصف فيها غنيم بأنه «حشاش». مفارقة مضحكة أخرى من مفارقات «شعبولا» الذي لم يكن يفارق الحشيش!



ابن «المكوجي» الذي صار فناناً
في 15 آذار (مارس) عام 1957، وُلد قاسم عبد الرحيم حسن في محافظة الشرقية في مصر. نشأ في بيئة شعبية بسيطة ولم يتعلّم القراءة والكتابة. انتقل بعدها إلى منطقة العسّال في حي الشرابية في القاهرة حيث عمل نهاراً مع والده في كيّ الملابس، ثم أحيا ليلاً أفراح ومناسبات معارفه وجيرانه في المناطق المجاورة. بالاتفاق مع المنتج سيد عبد اللطيف الآتي من عالم بيع الصحف، صار اسمه شعبان عبد الرحيم، نسبة إلى ولادته فى شهر شعبان.
في نهاية الثمانينيات، نزل «شعبولا» فعلياً إلى الساحة الفنية من خلال أغنيته «أحمد حلمي اتجوز عايدة» التي اختارها لتكون عنوان ألبومه الأوّل. صحيح أنّ أحمد حلمي هو جدّ الشاعر صلاح جاهين وكاتب صحافي عُرف في أوائل القرن العشرين، لكنّ المقصود في هذه الأغنية هو اسم محطة شهيرة لسيارات الأجرة، نُسجت منها الكلمات مع الاستعانة بأسماء شوارع وميادين أخرى. أبصر الألبوم الثاني النور تحت عنوان «كداب يا خيشة»، ليبتعد شعبان عبد الرحيم عن الأنظار تماماً بحلول منتصف التسعينيات، قبل أن يسجّل عودة قوية بأغنيته الأشهر على الإطلاق «بكره إسرائيل»، من كلمات مدرّس اللغة العربية إسلام خليل الذي حقق نجاحاً في العمل مع «شعبولا». استمرّ التعاون بين الثنائي بصحبة المنتج علاء وهبة، وهو نجل الملحن وهبة الشاذلي الذي وقّع أغنيات شعبان الأولى. في أعماله التي عادةً ما تلتزم باللحن الواحد، عبّر عبد الرحيم عن قضايا عديدة، سياسية واجتماعية، مفصحاً غير مرّة عن عدم رضاه عن الأحوال العربية، من دون أن يخلو الأمر من الأغنيات الخفيفة التي تلطّف الأجواء على شاكلة «هبطل السجاير».
خاض تجربة التمثيل مراراً في السينما والتلفزيون والمسرح، أبرزها مشاركته في فيلم «مواطن ومخبر وحرامي» (2001) لداود عبد السيّد. وخاض تجربة في التقديم التلفزيوني من خلال البرنامج الكوميدي «هات من الآخر» على قناة «نايل كوميدي» الفضائية المصرية. في عام 2013، فقد شعبان عبد الرحيم زوجته التي أنجب منها خمسة أبناء هم: عصام، وحنان، وخميس، وعبد الرحيم، وعدوية. أما على الصعيد الصحي، فقد عانى الفنان الشعبي من أزمات عديدة في السنوات الماضية، استدعت آخرها دخوله إلى المستشفى العسكري في المعادي حيث فارق الحياة أمس.