«البترودولار» هو التعبير الذي نشأ بعد ارتباط سعر النفط بالدولار الأميركي إثر اتفاق أميركي - سعودي جاء على أنقاض حرب 1973 التي استُعمل فيها النفط كسلاح عربي في مواجهة أميركا والكيان الإسرائيلي. الاتفاق كرّس هيمنة الدولار على العالم بعد انهيار اتفاق «بريتون وودز» الذي كان يربط عملات العالم بالدولار والأخير بالذهب. فقدت العملة الخضراء التغطية بالمورد الأصفر، لكنها سرعان ما تمكنت من الاستعاضة عنها بالذهب الأسود. لكن مع تسعير النفط الروسي بالروبل، برزت ملامح كسر الهيمنة الأميركية من دون أن يتّضح ما هو حجم الاختلال الذي لحق بهيمنة الدولار على العالم، وعميق هذه الفتحة في جدارها. حتى الآن، بات واضحاً أن غالبية دول أوروبا أذعنت للروبل، إنما هل يمكن أن تراكم العملة الروسية طبقات من المكاسب في النظام المالي العالمي؟


الطريق إلى «البترودولار» لم تكن سريعة وسهلة، إنما طغت عليها الحروب التي منحت أميركا هيمنة شبه مجانية بسبب الخسائر اللاحقة بأوروبا. فالحرب العالمية الثانية أنهكت الاقتصادات الكبرى في العالم وجرّدتها من عناصر قوتها ومن مواردها، وأفرزت على أنقاضها نظاماً اقتصادياً ومالياً عالمياً جديداً.

(أنجل بوليغان ــ المكسيك)

وتُرجم ذلك في نشوء منتدى يجمع دول الحلفاء الرابحة مع تراتبية في ترتيب الخسائر والأرباح منحت أميركا المركز الأول. فالفوز في الحرب تحقّق بأثمان باهظة تكبّدتها دول امتدّت هيمنتها لعدّة قرون مثل بريطانيا، لا بل كانت مركز الإمبراطوريّة الغربية. إلا أنّ الهيمنة البريطانية خفتت بعد الخسائر التي لحقت باقتصادات أوروبا في الحرب العالمية الأولى واضطرارها للاستدانة من أميركا من أجل إعادة النهوض. وبحلول عام 1931، تخلّفت أوروبا عن سداد الديون التي أصبحت عبئاً ثقيلاً على موازنتها العامّة واقتصاداتها، ما مهّد لخسائر أكبر في الحرب العالمية الثانية، ولنشوء نظام اقتصادي جديد تكون السيطرة فيه لأميركا ذات الاقتصاد الصاعد والقوي. هكذا فقدت أوروبا، وتحديداً بريطانيا هيمنتها ووُلد من تداعيات ذلك اتفاق «بريتون وودز».
ففي عام 1944، وقبل بضعة أيام من انتهاء الحرب العالمية الثانية، اجتمع مندوبو 44 دولة من دول الحلفاء، في منطقة «بريتون وودز». كان هذا الاجتماع عبارة عن منتدى اقتصادي عالمي، تقرّرت فيه عدّة قضايا محوريّة، أهمّها الربط عملياً بين كل عملات العالم وبين الدولار الذي ثُبّت سعره مقابل الذهب. فقد تعهّدت الولايات المتحدة ببيع الذهب لمن يريد بسعر ثابت يساوي 35 دولاراً لكل أونصة. لم يُطبّق العمل بالاتفاق بشكل كامل حتى نهاية الخمسينيات. لكن عند تطبيقه أصبح الدولار عملة مطلوبة بشكل كبير في العالم، إذ إن تعهّد أميركا ببيع الذهب مقابل الدولار من دون تغيّر سعره في أي وقت، مثّل ضمانة للدول لثبات عملاتها رغم عجوزاتها التجارية، وجعل الدولار العملة الأكثر أماناً في التعاملات الاقتصادية والمالية. وكان كل ذلك ممكناً، لأنه بنهاية الحرب الثانية كان 80% من الذهب في العالم موجود في الخزنات الأميركية، ما منح الدولار صفة عملة الاحتياط الأولى في العالم.

من الدولار الذهبي إلى الدولار النفطي
بمرور الوقت اتّضح أكثر فأكثر أن نظام «بريتون وودز» غير قابل للاستدامة. ففي 1965 شنّت الولايات المتحدة حرباً شرسة على فيتنام حيث غرقت في مستنقع كبّدها خسائر مالية وبشرية ضخمة أسفرت عن انهيار اتفاق «بريتون ووردز» الذي منحها نموّاً اقتصادياً هائلاً. إلا أن كلفة حرب فيتنام كانت مرتفعة كثيراً. بلغت الأكلاف المباشرة فقط نحو 111 مليار دولار (تساوي 800 مليار دولار اليوم مع احتساب التضخّم)، ما راكم ديوناً كبيرة على الولايات المتحدة وأدّى إلى عجز سنوي هائل في موازنتها. لمواجهة ذلك، اضطرت أميركا أن تطبع كميات هائلة من العملة الخضراء لتسديد الديون، وتسرّبت العملة الخضراء إلى خارج حدود أميركا بنتيجة توجّه الصناديق الاستثمارية نحو أسواق خارجية. هكذا زادت كتلة الدولارات الموجودة خارج أميركا في مقابل ديون مثيرة للقلق، ولا سيما قلق قوى اقتصادية كبرى مثل اليابان وبريطانيا وفرنسا. فقرار الحرب الفيتنامية المكلف والهزيمة التي تكبّدتها أميركا فيها، بالإضافة إلى السياسات الماليّة الأميركيّة القائمة على الإنفاق المرتفع، جعل هذه الدول تشكّك بقدرة أميركا على تسيّد الاقتصاد العالمي، ما أطلق موجة شراء الذهب من الاحتياطات الأميركية بالسعر الثابت وفق اتفاق «بريتون وودز». لذا، فإنه في مقابل ارتفاع كتلة الدولار في الخارج، انخفضت موجودات أميركا من الذهب. وبحسب المؤرّخ الاقتصادي آدم توز، فإنه بحلول عام 1970 بلغ حجم الكتلة النقدية الموجودة خارج أميركا نحو 24 مليار دولار، في مقابل موجودات من الذهب بقيمة 11 مليار دولار فقط، أي أن كمية الذهب الموجودة في الخزائن الأميركية لم تعد تكفي لتغطية كتلة الدولارات الموجودة في الخارج.


في أعقاب ذلك، اضطر الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون، أن يعلن في عام 1971، وقف العمل باتفاق «بريتون وودز»، أي إعلان نهاية نظام غطاء الذهب للدولار.
إنهاء العمل بنظام «بريتون وودز» كان يعني فقدان الحافز لطلب العملة الخضراء من قبل دول العالم. فالضمانة التي كانت تمثّلها العملة بأنه يمكن استبدالها بالذهب في أي وقت قد انتهت. بمعنى آخر، إن الطلب المصطنع على الدولار نتيجة اتفاق «بريتون وودز» قد انتهى. لذا كان على الرئيس الأميركي نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر مسؤولية إيجاد طريقة أخرى تحفّز طلباً مصطنعاً على الدولار، وبالتالي تبقيه العملة المتسيّدة للنظام المالي العالمي. وأتت الفرصة في عام 1973.
فمع انطلاق «حرب أوكتوبر» التي شنّتها سوريا ومصر على إسرائيل، قامت السعوديّة، في السابع عشر من ذلك الشهر، بقيادة الملك فيصل، بفرض حظر نفطي على الولايات المتحدة الأميركية. فجّرت هذه الخطوة أزمة في توريد النفط إلى أميركا حيث انتشرت ظاهرة طوابير السيارات على محطّات البنزين وارتفاع سعر النفط السعودي من 1.74 دولار إلى 8.32 دولار للبرميل الواحد في عام 1974. مثّل هذا الأمر خضّة كبيرة في الديبلوماسيّة الأميركية وطريقتها في التعامل مع موضوع النفط. يقول جون بيركنز في كتابه «اعترافات قاتل اقتصادي مأجور»، أنه في ذلك الوقت تحوّل توريد النفط إلى أميركا من أولويّة أميركيّة، إلى «هوس» على حد تعبيره. وفي ذلك الوقت، كما يقول بيركنز، أدركت الولايات المتحدة الأهميّة الاستراتيجية للسعودية بالنسبة إليها. هكذا تحوّلت الأزمة إلى فرصة. ففي عام 1974، وبعد عدّة لقاءات، جمعت الطرفين الأميركي والسعودي، تمكنّت أميركا من انتزاع اتفاق يعيد لها الهيمنة من خلال ربط سعر النفط بالدولار. يومها أوقفت السعودية الحظر النفطي على أميركا، وأرسي نظام الـ«بترودولار».
النظام الجديد حدّد شكل النقد العالمي، وما زال العمل فيه مستمراً إلى اليوم. فالاتفاق بين السعودية وأميركا قضى بأن تقوم السعودية بتسعير نفطها، وبالتالي بيعه، بالدولار الأميركي.

285 مليار دولار

هي قيمة الإيرادات الروسية المتوقعة من بيع النفط والغاز لعام 2022 بحسب بلومبرغ

كما قضى أن هذه «البترودولارات»، أي الدولارات التي تتلقاها السعودية مقابل نفطها، يتم توظيفها في سندات الخزينة الأميركية وفي النظام المصرفي الغربي. في المقابل تعهّدت الولايات المتحدة بتسليح السعوديّة وضمان أن لا يتعرّض لها الكيان الإسرائيلي. كما تضمّن الاتفاق تعهّداً ضمنياً بأن لا تقوم السعوديّة بأي حظر نفطي على أميركا مستقبلاً (وهو ما حدث فعلاً). وبشكل لافت، اغتيل الملك فيصل في عام 1975 على يد أحد أفراد عائلته.
«اتفاق البترودولار كان بمثابة الطلب المصطنع على العملة الأميركية»، بحسب الاقتصادي جيري روبنسون. اتفاق كهذا أصبح بمثابة ضمانة لاستمرارية الهيمنة على النظام المالي العالمي لسنوات مقبلة. يمكن تخيّل حجم الطلب الإضافي على الدولار بسبب هذا الاتفاق. كل استيراد النفط في العالم يجب أن يتم تسعيره بالدولار، وذلك بسبب التحاق دول «أوبك» بالسعودية. وبذلك لم تعد تقبل بيع النفط إلا بالدولار. المليارات اليوميّة المطلوبة من الدولار لشراء النفط كانت كافية لجعل العملة الخضراء العملة الأولى عالمياً، والعملة المهيمنة على الاحتياطات والتعاملات. فكل الدول التي تريد أن تشتري النفط ستحتاج لتحويل عملاتها المحليّة إلى دولار لشراء النفط، هذا الأمر يجعل الدول تسعى إلى الحفاظ على احتياطات بالدولار لضمان استدامة القدرة على الاستيراد. والدولة التي تريد أن تبني احتياطات بالدولار تحتاج إلى طلب الدولار مقابل صادراتها، وهكذا يمتدّ الطلب على الدولار من النفط إلى السلع الأخرى.
صحيح أن نظام «البترودولار» كان بديلاً من نظام «بريتون وودز» لتحقيق زيادة الطلب على الدولار، لكنه بحسب روبنسون، كان مفضّلاً بالنسبة لأميركا على «بريتون وودز». السبب أن نظام «البترودولار» يعطي أميركا الحريّة في طباعة ما تشاء من الدولارات من دون أن تكون مقيدة بضمانات كالذهب. أي أن الكتلة النقدية من الدولارات أصبحت متحرّرة، مبدئياً ومضمونة بموارد ما زالت في باطن الأرض بكميات هائلة. لكن الأمر ليس كذلك فعلياً، وهذا ما أوضحته سياسات الاستجابة لأزمة كورونا التي خلقت موجات تضخّم هزّت العالم. ومن ناحية أخرى، يكمل روبنسون، إن تعهّد السعودية باستثمار «البترودولارات» في السندات الأميركية، كان يعني أن أميركا تطبع الدولارات وترسلها إلى العالم، ويعود العالم يستورد النفط من السعودية التي تعيد هذه الدولارات إلى أميركا. كانت تسمية هنري كيسنجر لهذه العمليّة :«إعادة تدوير البترودولار».

ولادة الـ«بتروروبل»
إذا تحقّقت فرضية انهيار البترودولار، بمعنى أن لا يكون هناك طلب على الدولار مقابل بيع النفط، فسيكون ذلك بمثابة ضربة مزلزلة عالمية للعملة الأميركية. فمعظم طلب الدولار اليوم يقوم على أن الدول بحاجة إلى الدولارات لاستيراد النفط. لكن ماذا يحدث إذا توقّف هذا الطلب؟ ببساطة إن توقّف الطلب على الدولار يعني انخفاض قيمته مقابل العملات الأخرى. وسيكون لهذا الأمر انعكاسات تضخميّة هائلة داخل أميركا، لأن انخفاض قيمة الدولار يعني ارتفاع كلفة الاستيراد في بلد يعاني من عجز في الميزان التجاري. فالاستهلاك الأميركي سيكون في وضع صعب جداً. ومن ناحية أخرى سيكون الفيدرالي الأميركي في وضع لا يحسد عليه أيضاً، لأن كتلة الدولارات الموجودة اليوم خُلقت على أساس أن هناك طلباً متزايداً. فإذا توقّف الطلب سيضطر الفيدرالي الأميركي لرفع أسعار الفائدة من أجل التخلّص من الدولارات المتداولة في الأسواق الدولية. وبالمثل، فإذا توقّفت السعودية عن استثمار البترودولارات في السندات الأميركيّة، هذا سيعني تلقائياً ارتفاع أسعار الفائدة الأميركيّة، لأن الطلب على السندات سينخفض. بشكل عام، انهيار نظام البترودولار يعني نهاية هيمنة الدولار.
هذا السيناريو صعب الحدوث.

اتفاق البترودولار كان بمثابة طلب مصطنع على العملة الأميركية بحسب الاقتصادي جيري روبنسون

فنظام «البترودولار» مدعوم بالهيمنة الأميركية على العالم، سواء كان ذلك عسكرياً من خلال استخدام القوّة، أو اقتصادياً من خلال تقدّمها التكنولوجي في معظم المجالات التي تجعل الدول الأخرى تابعة لها تكنولوجياً. لذا، يصعب أن تُقدم الدول النفطية، مثل دول الخليج، على خطوة كهذه. أولاً لأن تجربة تحدّي الأميركي نفطياً في السبعينيات، كان لها نتائج سيئة على أصحاب القرار حينها (مثل اغتيال الملك فيصل). وثانياً لأن الأميركي لن يسمح بتكرار أمر كهذا. فكما قال بيركنز: «إن موضوع توريد النفط أصبح هوساً لدى الأميركيين بعد تلك الحادثة». كتاب بيركنز هو عن تجربته كقاتل اقتصادي مأجور، إذ كان دوره أن يذهب إلى البلدان بصفة «استشاري» اقتصادي بهدف توسيع نفوذ أميركا اقتصادياً. يشير بيركنز، إلى أنه بعد اتفاق «البترودولار»، كان عليه أن يذهب إلى السعودية بدوره الاستشاري ليضع مخططاً لصرف مال الاستثمارات السعودية في «تطوير» اقتصادها. لكن، يقول بيركنز، أنه كان يعلم بأن الهدف هو جعل السعودية دولة معتمدة على الولايات المتحدة ومتعلّقة فيها بشكل شديد بحيث لا يمكنها التخلّي عنها. ومن المنطقي اليوم القول أن بيركنز نجح في مهمته.
المسألة لا تنتهي هنا. فالحرب الروسية - الأوكرانية أحدثت تغييراً، أو على الأقل ثغرة واسعة في بنية النظام المالي العالمي السائد. فقد كانت روسيا جاهزة لكسر هيمنة الدولار تجنباً للعقوبات الأميركية عليها. يبدو أنها كانت تخطّط للردّ على ما تسمّيه أميركا عقوبات اقتصادية. فعندما قرّرت روسيا الانخراط في هذه المعركة، كانت جاهزة، أو على الأقل هذا ما يبدو لغاية الآن.

إجبار الدول على التعامل بالروبل كبّد الدولار حصّة سوقية واسعة وسط موجة تضخّم عالمية

ففي مواجهة العقوبات ومنعها من الولوج إلى نظام سويفت، وسائر القرارات الساعية إلى «تأديب» روسيا، قرّرت هذه الأخيرة إرساء معادلة لا لتأديب الغرب فحسب، بل لكسر شوكته. قامت هذه المعادلة على الآتي: كل الدول «غير الصديقة» عليها أن تدفع بالروبل مقابل الغاز والنفط الروسي. فبصفة روسيا أكبر مصدّر للغاز وثالث أكبر مصدّر للنفط في العالم، يمكن القول أن لهذا الأمر انعكاس لا بأس به على نظام «البترودولار». بالطبع ليست الخطوة كافية لإسقاطه، إنما الأمر يتعلق بمدى قدرة روسيا على اكتساب الحصّة السوقية العالمية والحفاظ عليها وتوسيعها. إجبار الدول على التعامل بالروبل كبّد الدولار حصّة سوقية واسعة وسط موجة تضخّم عالمية سببها طبع الدولارات (واليورو أيضاً) بكميات كبيرة خلال السنتين الماضيتين، وارتفاع أسعار النفط إثر العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. المواجهة مع روسيا دفعت العديد من الدول إلى التخلّي عن أحادية هيمنة الدولار. هنا يثار سؤال آخر: ماذا يمكن أن يحدث إذا حصلت مواجهة مع الصين مثلاً؟ ماذا إذا قررت الصين أنها لن تدفع ثمن النفط الذي تشتريه، وهي أكبر مستهلك له في العالم، إلا باليوان؟ هل يتحمّل نظام «البترودولار»، أو ما سيبقى منه بعد المواجهة مع روسيا؟