هناك تداخل عميق بين المجال الاقتصادي للمال والأسواق والتمويل والتجارة والثروة، وبين المجال السياسي للسلطة والسيطرة والصراع والدول. يعدّ العالم النقدي مجالاً هرمياً داروينياً وتنافسياً، تتشابك سلوكياته بشكل كبير مع الحقائق السياسية المرتبطة بالاصطفافات الديبلوماسية والحرب والاتفاقيات التوافقية والقوة الصلبة والأطر المؤسّسية للحكم المتعدّد الأطراف، وتطوّر الهيمنة العالمية، والبيئات الأمنية، والمساعي الإمبراطورية، وديناميكيات القوة غير المتكافئة، والظواهر الجيوسياسية.

تشكّل نظام «بريتون وودز» النقدي الدولي مُعتمداً على الدولار الأميركي كحجر زاوية نتيجة لانتقال الهيمنة بنهاية الحرب العالمية الثانية إلى واشنطن. في الواقع، لا يمكن تفسير القيادة الجيوسياسية والاستراتيجية والعسكرية الأميركية اللاحقة للعالم الغربي في الحرب الباردة من دون التطرّق للدور الحاسم الذي لعبته اتفاقيات المعاملات المستمدة من اتفاقية «بريتون وودز». وفي هذا الإطار، ضمّت واشنطن الكثير من أوروبا الغربية واليابان إلى مدارها من خلال عرض الوصول إلى أسواقها الاستهلاكية، والقدرة غير المقيّدة على الانخراط في التجارة الدولية، وتمويلاً سخياً بالائتمان لإعادة تنشيط الحيوية الاقتصادية، وسعر عملة دولية (دولار) مُستقر.
الآن، ارتفع الدولار الأميركي بنسبة 12% مقابل اليورو. أدّى ذلك إلى بلوغ التضخم في العديد من البلدان أعلى معدلاته منذ عقود، ما يُنبئ بأن الاقتصاد العالمي على مشارف مرحلة جديدة تتسم بما يُسمّى «حروب العُملات» الذي يُخضع البلدان إلى التنافس على تعزيز عملاتها في محاولة لتعظيم نموّ الناتج المحلي الإجمالي، وتحسين الموازين التجارية. لقد صيغ مفهوم «حرب العُملات» عام 2010 على يد القادة البرازيليين احتجاجاً على السياسات النقدية للولايات المتحدة واليابان ودول أخرى. لم يتهموا البنك الفيدرالي الأميركي، أو بنك اليابان، بخفض قيمة الدولار أو الين بشكل صريح، أو بالتدخل في سوق الصرف الأجنبي لخفض هذه العملات، بل أدانوا تبنّي سياسات نقدية ملتوية. أشار البرازيليون إلى أن صنّاع السياسة في الولايات المتحدة واليابان خفضوا أسعار الفائدة إلى الصفر، ثم ذهبوا إلى أبعد من ذلك من خلال انتهاج سياسة التيسير الكمّي التي تعتمد على خفض قيمة عملات بلدانهم، وتعزيز صافي الصادرات، وتصدير البطالة إلى شركائهم التجاريين.
وبالمثل، لا أحد اليوم يتهم السلطات الأميركية بأنها تتدخل مباشرة للتلاعب بسعر صرف العُملات الأجنبية، لكن القلق العالمي اليوم سببه أن الزيادات الحالية في أسعار الفائدة الفيدرالية الأميركية تجذب تدفقات رأس المال إلى الولايات المتحدة وتقوي العملة الأميركية (الدولار)، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة دولياً وبالتالي إبقاء النمو العالمي دون المستوى الذي يمكن أن يكون عليه.
من ناحية أخرى، من المهم أيضاً فهم كيف يمكن للموارد الطبيعية أن تعزّز قوّة العملة. في الواقع، كانت قيمة الدولار الأميركي مدعومة ضمنياً بالنفط منذ أن علّق الرئيس ريتشارد نيكسون، من جانب واحد، معيار الذهب قبل خمسة عقود. ومنذ تلك اللحظة، أصبح الدولار اسمياً العملة التي تُحدد أسعار صرف العُملات في الأسواق العالمية. ولتعزيز هذه الهيمنة أبرمت واشنطن صفقة مع المملكة العربية السعودية (أكبر منتج للنفط في العالم) تقضي بأن تُسعّر الرياض صادراتها النفطية بالدولار فقط، كما يجب استثمار الدولارات التي يجنيها السعوديون إمّا في سندات الخزانة الأميركية أو في سوق الأوراق المالية في وول ستريت، وعُرفت هذه العملية باسم «سياسة البترودولار». ولعل كانت إعادة تقويم مبيعات النفط العراقي بالدولار بدلاً من اليورو واحداً من الدوافع الرئيسية وراء الغزو الأميركي للعراق عام 2003.
وبناءً على هذا، فإن كل دولة تريد استيراد النفط (وهو سلعة ضرورية لجميع قطاعات الاقتصادات الحديثة) ستضطر إلى الحصول على دولارات لدفع ثمنه. وخلاف ذلك، لا يمكن ضمان أمن الطاقة الخاصة بهم إلا مِن خلال توفير أكبر قدر مِن الدولار ما يضمن تفوّق الأخير على باقي العُملات. ورغم ذلك ما زالت الولايات المتحدة تزعم أن عُملات الدول الأخرى مقومة بأقل من قيمتها بشكل غير عادل. ومنذ عام 1988، طلب الكونغرس من وزارة الخزانة تقديم تقارير نصف سنوية حول احتمالات حصول تلاعب بالعملة من قبل الشركاء الرئيسيين لأميركا في التجارة الخارجية، وفي ذلك استهداف واضح للصين والدول الآسيوية وحتى بعض البلدان الأوروبية مثل سويسرا.
ويُنظر إلى خفض قيمة العُملة كدليل على الافتقار إلى التعاون الدولي لتحقيق استقرار سعر الصرف، ويؤدي ذلك أحياناً إلى دعوات إلى ترتيب جديد من نوع «بريتون وودز» لتعزيز وتنسيق أكبر للسياسات. لذا عقدت واشنطن في شباط 2013 نوعاً من اتفاقية «بريتون وودز» صغيرة، حيث تمتنع دول مجموعة السبع عن اتخاذ خطوات لخفض عملاتها. وعلى مدى العقد الماضي، لم يتدخل أعضاء مجموعة السبع لبيع عملاتهم في سوق الصرف الأجنبي.
لكن الفترة التي بدأت عام 2021، أعادت التضخّم كمشكلة خطيرة في معظم البلدان التي اندفعت إلى خفض سعر عملاتها من أجل كبح جماح التضخم. وتتزايد المخاوف من خفض قيمة العملة بشكل تنافسي بناء على التجربة الكارثية التي شهدتها ثلاثينيات القرن الماضي عندما قام بنك الاحتياطي الفيدرالي، بقيادة بول فولكر، برفع أسعار الفائدة بحدّة، لمحاربة التضخم، لكن الانخفاض المقابل لعملات الشركاء التجاريين للولايات المتحدة أدّى إلى تفاقم معدلات التضخم وأجبرهم على رفع أسعار الفائدة أيضاً.
اليوم، الضحايا الأكثر ترجيحاً لارتفاع الدولار ليست الدول الغنية الأخرى، بل الاقتصادات الناشئة والنامية. والعديد منها لديها ديون كبيرة مقومة بالدولار، وتفاقمت بسبب الإنفاق المالي المطلوب لمكافحة جائحة «كورونا». وعندما يرتفع سعر الدولار تزداد أكلاف خدمة الدين بالعملة المحلية. ويمكن أن يؤدي الجمعُ بين ارتفاع أسعار الفائدة العالمية والدولار إلى أزمات في سداد الديون تدفع بعض البلدان إلى إعلان إفلاسها.
لكن مع احتمال استمرار التضخّم العالمي المرتفع لبعض الوقت، فإن احتمالات نشوب «حرب عُملات» تلوح في الأفق، رغم أن الدولار هو العملة الاحتياطية المهيمنة في العالم. وفقاً لصندوق النقد الدولي، في الربع الأخير من عام 2021، فقد مثّلت المطالبات بالدولار الأميركي 54.78% من إجمالي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم، وهي أعلى بكثير من العملات الأخرى مثل اليورو والين الياباني والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري. علاوة على ذلك، تكشف المعلومات الصادرة عن «سويفت» حول الحجم الإجمالي للمدفوعات التي تمت خلال 2022، لجهة القيمة، أن الدولار هو العملة المستخدمة في 38.85% من المعاملات المسجلة، يليه اليورو (37.79%)، والجنيه الإسترليني (6.76%)، والين الياباني (2.71%) واليوان (2.23%). وبصرف النظر عن القوّة الاقتصادية المطلقة للولايات المتحدة، فإن قوة الدولار مدعومة بالقوّة العسكرية الأميركية وقيادتها بلا منازع في الأسواق المالية الدولية.

كانت حصّة الدولار في مجمل المدفوعات التي تمّت عبر سويفت خلال عام 2022 نحو 38.85% يليه اليورو بنسبة 37.79%


وأكثر من أي وقت مضى، أصبح مجال المال ساحة شرسة للمنافسة الاستراتيجية العالمية، إذ يمكن أن تعمل العملات والأصول النقدية والأدوات المالية كأسلحة ودروع وأهداف، وهي حقيقة محيرة ومعقّدة للغاية يجب أن يستوعبها رجال الدولة المعاصرون والعسكريون والاستراتيجيون. لقد تعرض الروبل إلى الهجوم ولكن الآن يبدو أن دور الدولار قد حان ليجد نفسه في مرمى النيران.
وقد فتحت الحرب الروسية – الأوكرانية وما تلاها من تطورات اقتصادية صندوق باندورا. ورغم أن المسار الذي تتبعه موسكو دفاعي غالباً، فإنه قد يؤدي إلى ردّ فعل متسلسل يمكن أن يطيح بمركز الدولار المهيمن ويكشف السيطرة الغربية على الشبكة المالية الدولية. وبغض النظر عمّا إذا كان الكرملين ينجح في تحقيق نصر استراتيجي أم لا، فإن موجة قوية من «التدمير البناء» (وهو مفهوم يصف الإزالة المفاجئة والفوضوية لنظام قديم بحيث يمكن أن يولد البديل من رماد سلفه) تم إطلاقه. لذا يُحذّر بنك «غولدمان ساكس» من أن تسليح الدولار واستخدامه في العقوبات ضدّ روسيا هو حافز سيشجع العديد من الدول على الابتعاد عن الدولار، وسيؤدّي إلى تسريع التنويع واستكشاف البدائل المحتملة. وبالمثل، يدعي صندوق النقد الدولي أن ظهور نظام عالمي جديد يعيد تشكيل الارتباط المالي للقوى الجيوسياسية يمكن أن يؤدّي أيضاً إلى تغيير هيكل شبكات الدفع الدولية وطبيعة الأصول الاحتياطية.
وحتى الآن، من غير المعروف ما إذا كانت إدارة بايدن قد تصوّرت هذه التداعيات الجانبية على أنها نتيجة ثانوية محتملة لشن حرب اقتصادية ضدّ روسيا. هل ستكون واشنطن مستعدّة لإطلاق النار في مواجهة عسكرية خاضتها لتفادي كسوف الدولار؟ هل ستدفع هذه النكسة الارتدادية الولايات المتحدة إلى تبنّي نهج أكثر رصانة؟ هل فات الأوان على الأميركيين لإعادة النظر في موقفهم حتى يتم تجنب النتائج العكسية لحرب العُملات التي أطلقوها؟ هل سيكونون على استعداد لإعادة استخدام الدولار كعملة مدعومة بأصول ملموسة؟