سمحت هياكل الرقابة الهشّة في لبنان بإباحة المال العام وتعريضه لحريّة التصرّف السياسي وأدوات السياسات الاقتصادية الفاشلة. فعواقب الإنفاق المتفلّت وعدم وضوح الخطط الحكومية تسبّب في نزيف حادّ في الخزينة العامة وكشفها أمام الديون الخارجية في وقت كان يفترض فيه أن يُوجّه الإنفاق نحو سياسات استثمارية ورعائية وتنموية. وعلى امتداد السنين، وحدَه المواطن مَن تحمّل وزر إخفاق المسؤولين في إدارة المال العام وهدره في مزاريب الفساد ومراكمة الديون. أما هم، فقد نجحوا في إعادة تموضعهم وتعزيز مراكزهم .


دورة الأعمال السياسية
لا يرتكز النشاط الاقتصادي في أي بلد كان إلى سلوك الأسواق والأطراف الفاعلة فيها فحسب، بل على وجود اقتصاد سياسي أيضاً يتفاعل مع الدوافع الاقتصادية والقرارات السياسية. كان الاقتصادي الشهير ويليام نوردهاوس أوّل من قارَب بين مفهوم التأثير السياسي ودورة الأعمال الاقتصادية، ليخلص إلى الفكرة القائلة بأنّ السياسيين، بغضّ النظر عن انتمائهم الحزبي، يحاولون تعظيم فرص إعادة انتخابهم من خلال خلق بيئات اقتصادية مؤاتية في الفترة التي تسبق الانتخابات.

(أوسماني سيمانكا ــ كوبا)

وإلى جانب الدورات الاقتصادية المعروفة، صاغ نوردهاوس نظرية تُعرف بـ«دورة الأعمال السياسية»، وهي الميل المفترض للحكومات إلى تبنّي سياسات ماليّة توسّعية - وفي كثير من الأحيان سياسات نقدية أيضاً - في سنوات الانتخابات. وفي هذا السياق، تبدأ دورة الأعمال السياسية حين تباشر السلطة بالتوسّع المالي الذي يتّخذ شكل خفوضات ضريبية بالسهولة نفسها التي يزداد بها الإنفاق، أو من خلال زيادة الكتلة النقدية بين أيدي المواطنين. وتنتهي هذه الدورة عند عودة سياسة التقشّف بعد إعلان نتائج الانتخابات، أي حين تكون السلطة قد أعادت تموضعها.
أمّا الباحث كينيث روغوف فقد فضّل تسمية هذه الظاهرة بــ«دورة الميزانية السياسية» وذلك بحكم سيطرة الحكومة على الميزانية، وهي أكثر ما يُظهر بوضوح مصبّ توزّع المال العام المنفَق. فقد لاحظ روغوف أنّ الإنفاق العام يتدفّق في سنوات الانتخابات في مقابل انخفاض ملحوظ في الضرائب، ما يسفر عن عجز كبير في الموازنة. بمعنى أوضح، تقوم الحكومات قبل الانتخابات بخفض الضرائب وزيادة الإنفاق «الاستهلاكي» بشكل كبير.

50%

هي حصة الرواتب والأجور والمنافع الملحقة من نفقات الموازنة المقدّرة بحسب موازنة المواطنة والمواطن في عام 2020

والإنفاق الاستهلاكي هو ما يُعرف بالنفقات الجارية التي تتّخذ طابع المخصّصات والرواتب والأجور وملحقاتها، ومعاشات التقاعد وبعض المنافع الاجتماعية الأخرى. هذا النوع من الإنفاق له تأثير مباشر وفوري في المدى القصير على معيشة المواطنين، فتتجلّى الزيادة في الراتب بزيادة في الاستهلاك، وتحسّنٍ في الوضع المعيشيّ، وذلك على عكس تأثير الإنفاق «الاستثماري» الهادف إلى تحسين بنية الاقتصاد وقوى العمل والإنتاج وما الى ذلك، لأنّ الأخير يكون عبر مشاريع طويلة الأمد يصعب تنسيق إكمالها قبل الانتخابات. كما أنّ احتمال وجود مشاريع غير مكتملة في وقت الانتخابات يمكن أن يخلق جوّاً من السلبيّة تجاه السلطة، وقد يُنظر إليها بكونها غير قادرة على إكمال المشاريع واستقطاب الاستثمارات التي وعدت بها. انطلاقاً من هنا، تفضّل السلطة الحاكمة (كلُّ مَن في السلطة يُنظر إليه في هذه الحالة على أنّه ممثّل فيها، إذ يهدف إلى تعظيم فرصه في الحفاظ على منصبه واستحكام القوة أو الوصول إليها، سواء أكان ينتمي إلى الجهة التي أقرّت الإنفاق أم إلى التي صادقت عليه) خفض الضرائب وزيادة النفقات الجارية والتحويلات المالية (أي التي تبرز بوضوح ويمكن استشعار قيمتها) من أجل إيهام الناخبين بأنّ الحكومة قامت أخيراً بعمل ممتاز في إدارة البلاد، وأنّ الأمور قد تتجه إلى الأفضل في حال أكملت الحكومة عملها. أما فترة الانتعاش والنمو القصيرة التي يشهدها الاقتصاد والمجتمع قبل الانتخابات فإنّها تأتي نتيجة سياسة الانفلاش والتضحية بالأموال العامة في حسابات سياسة قصيرة الأجل سرعان ما تتبدّل لتفرض الحكومة بعد ذلك سياستها التقشفية للقضاء على خلل السوق والتضخّم والبطالة والعجز الكبير في الموازنة العامة.

الشفافية المالية
تُعرَّف شفافية المالية العامّة على أنّها الانفتاح تجاه عامّة الناس حول هيكلية ووظائف الحكومة، ونوايا السياسة المالية، وحسابات القطاع العام. وتستخدم الشفافية المالية كوسيلة لتعزيز الانضباط المالي وتحسين أداء القطاع العام، وزيادة المساءلة، ومكافحة الفساد.
يكمن دور الشفافية المالية في إيصال المعلومات الواضحة عن عملية الإنفاق إلى الناخبين والمشرّعين على حدٍّ سواء. وبحكم الواقع الذي يفرض تفاوتاً بين الدول بشأن مشاركة الشعب في الموازنة أو الاطّلاع عليها، يميل الناخبون في الدول ذات الشفافية المالية العالية إلى معاقبة السياسيين بدلاً من إعادة انتخابهم في حال فشلهم في إدارة المال العام ومراكمة الديون وزيادة العجز في الموازنة. أما في البلدان التي تنعدم الشفافية المالية فيها، فيصعب وصول الناخبين إلى معلومات كافية بشأن عملية الإنفاق، كما يصعب عليهم مساءلة السياسيين ومحاسبتهم.


يحتل لبنان موقعاً بين 10% من البلدان الأقلّ شفافية في العالم. فقد سجّلت موازنة عام 2017 علامة (3/100) وموازنة عام 2019 (6/100) في مؤشّر الشفافية المالية، في حين بلغ المتوسّط العالمي (42/100)، وتخطّته موازنات كلّ من الأردن (63/100) والمغرب (45/100). جاءت موازنة عام 2017 بعد انقطاع طويل في إصدار الموازنات العامّة امتدّ منذ عام 2005 ودام لاثنتي عشرة سنة من الإنفاق والجباية غير القانونية التي تمّت من دون رقابة أو محاسبة للانتهاكات المستمرة بحق الدستور والمال العام. وقد سجّل مؤشّر الرقابة على الموازنة علامة (11/100) بعد أن كانت تُمَرَّر للمجلس النيابي وتُقرّ في نهاية المهل الدستورية من دون مناقشتها أو الاعتراض عليها، وسجّلت علامة (صفر) من حيث مشاركة المواطنين في مسح الموازنة المفتوحة لعام 2019. كانت الموازنات قادرة على إيضاح الكثير من السياسات المالية التي انتهجتها الحكومات طيلة السنوات الماضية، لكنّ انعدام مستوى الشفافية المالية وضعف أجهزة الرقابة حالا دون اطّلاع الناس على آلية الإنفاق وقنواته. فكيف سُمِح بالإنفاق طوال تلك السنين وعلى مرأى من مجلس شورى الدولة وديوان المحاسبة؟ وأين كان المجلس النيابي عن مراقبة الإنفاق واستشعار خطر الديون المرتفعة التي لا طائل منها ولا جدوى؟

التسيّب المالي
بما أن السياسة المالية لا يمكن لها أن تكون مستقلّةً عن جدول الأعمال السياسي، تصبح العملية السياسية أحد أهم التفسيرات التي تعكس حركة دورة الأعمال الاقتصادية في البلاد. فقد شكّلت فترة التسعينيات فترة انفلاش وجموح في الإنفاق بغير حساب. حينها بدأت النفقات الاستثنائية غير المشهودة من قبل تظهر في عام 1992 إثر انتخاب مجلس نيابي جديد ومجيء حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري، حيث ازدادت أجور العاملين في القطاع العام بحوالى 120% تم دفعها خلال الشهر الأخير من سنة 1991 والشهر الأول من سنة 1992. تلا ذلك تصحيح في الأجور عام 1996 على ضوء انتخابات برلمانية. ومنذ ذلك الوقت لم يتم تصحيح الأجور إلا في نهاية عام 2008 على أعتاب سنة الانتخابات البرلمانية أيضاً، فرُفع الحد الأدنى للأجور إلى 500 ألف ليرة، وأعطيت زيادات لموظّفي القطاع العام ومن ضمنهم المعلّمون والعسكريون كما صُحِّحت رواتب القضاة ورواتب أساتذة الجامعة اللبنانية في السنين التي سبقت عام 2013 (وهو العام الذي كان من المفترض أن تُجرى فيه انتخابات برلمانية). وأُقرَّت سلسلة الرتب والرواتب عام 2017 كذلك في الفترة التي سبقت الانتخابات الأخيرة عام 2018.
إذاً، في قراءة بسيطة لأرقام النفقات الجارية قبل سنوات الانتخابات، يظهر جلياً أنّ الحكومات جميعها قد مارست بالفعل شكلاً من أشكال «دورة الأعمال السياسية» من أجل إعادة تمركزها في السلطة. وعلى امتداد السنوات لم تحظَ الاستثمارات في قطاع التعليم والصحة والزراعة والصناعة والمياه وغيرها على فرصة الاستحواذ ولو على جزء بسيط من نفقات الخزينة، إنما توزّع المال العام بين فوائد خدمة الدين العام ورواتب فقدت قيمتها الحقيقية وضاعفت نسبة التضخم عبر الزمن.
على أبواب الانتخابات النيابية يدخل لبنان في دورة أعمال سياسية أداتها التضحية بالمال العام


في هذه السنة ونحن على أعتاب انتخابات برلمانية جديدة، قد نشهد حلحلة جميع القضايا العالقة على أساس التمويل. بدءاً بتصحيح الأجور في القطاع العام وزيادة التعويضات، مروراً بإطلاق البطاقة التمويلية ومساعدات برنامج «أمان» الاجتماعي. وعليه، ستتسارع الخطوات ما بين الدولة والبنك الدولي لاستدراج القروض بشأن هذه المشاريع الاجتماعية، لتُترجَم بعد فترة في انفراجات بسيطة وشكليّة على صعيد الأسر والمجتمع إلى حين الاستحقاق الانتخابي. لكن، في ظلّ انعدام الشفافية المالية وازدواجية تحصيل الأموال والرقابة على صرفها، فإنّ جزءاً كبيراً من الأموال سيتسرّب إلى خارج خطة الإنفاق المتفق عليها، وسينال الشعب حصّةً أقل بكثير من الأموال المجلوبة على حسابه، ليتكبّد بعدها المواطن وحده عبءَ دفع الديون وفوائدها. ومجدداً، ستعود الحكومة إلى برنامج التقشف وتتكرّر معاناة الشعب إثر التضخم الكبير والبطالة ونقص المعونات الاجتماعية.