التوجه شرقاً هو خيار استراتيجي تحوّلي طرحه ثلّة من الباحثين والناشطين في الساحة اللبنانية بعد تشخيص المشهد اللبناني وبنيته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية منذ نشأة الكيان اللبناني. وهو أيضاً خيار طويل المدى وعميق التداعيات، إذ إنه ليس إجراءً ظرفياً أو انتقائياً بل يُلزِم لبنان لأجيال قادمة. كما هو طرح مشابه للذي تبنّاه كلّ من الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، والرئيس اللبناني ميشال عون الذي سمّاه «المشرقية العربية» إنما بعناوين عريضة من دون تفصيلات نستطيع أن نبني عليها.

أما عربياً، فلا يمكن تجاهل تصريح وزير خارجية الجمهورية العربية السورية الراحل وليد المعلم، الذي أشار إلى أن الغرب لم يعد موجوداً في قاموس سوريا. بينما في لبنان، بات واضحاً أن الأكثرية الساحقة للنخب هي «متغرّبة»، أي أن مرجعيتها الفكرية والثقافية، وبالتالي السياسية والاقتصادية، هي في الغرب متأثرة بالبعثات الإرسالية الغربية منذ القرن التاسع عشر ومع حقبة الانتداب الفرنسي والسيطرة الغربية على المشرق العربي بعد الحرب العالمية الأولى والثانية. لسنا هنا معنيين بتحليل جذور هذه التبعية للغرب، بل نكتفي بالقول إن نتائجها لم تكن لمصلحة لبنان، وأن الصورة النمطية الوردية للبنان كسويسرا الشرق كانت لأقلية معيّنة مكوّنة من تحالف أمراء المال والطوائف وعلى حساب الأكثرية الساحقة. فاستبدال الطائفية والمذهبية بالطبقية كان صوريّاً وسط طبقية مغيّبة - حاضرة بلباس طائفي ومذهبي. والطبقية هنا ليست بالمعنى الناتج من ملكية وسائل الإنتاج والعلاقات الاجتماعية العائدة لها، بل تعني التباين بين الفقير والثري والطبقة الوسطى من موظّفين في مؤسّسات تخدم الاقتصاد الريعي القائم بأشكال مختلفة.

www.favpng.com

خيار التوجه شرقاً يحمل معانيَ متعدّدة؛ بالنسبة إلى بعض المعنيين فإن هذا التوجه هو عبارة عن رفض للنموذج الغربي من دون تحديد ملامح واضحة للنموذج البديل. والبعض الآخر، يرى فيه فقط استقبال العروض الصينية و/ أو الإيرانية و/ أو الروسية لإعادة تأهيل البنى التحتية في لبنان التي دمّرها الاقتصاد الريعي والفساد المنتشر بين مكوّنات الطبقة السياسية. وبالنسبة إلى فئة أخرى، يصبح التوجّه شرقاً، هو التكامل بين دول المشرق العربي بعناوين مختلفة. أيضاً، هناك من يعتبر التوجه شرقاً، اقتباساً للأنظمة السياسية والاقتصادية من الدول التي برهنت عن نجاح في نماذجها كالصين أو ماليزيا أو سنغافورة أو الهند أو حتى الجمهورية الإسلامية في إيران.
بالنسبة إلينا، إن مفهوم الشرق أوسع من المفهوم الجغرافي البحت. فهو يضمّ الجنوب بشكل عام وخصوصاً أفريقيا وأميركا اللاتينية. ما يجمع بين الاتجاهين الجغرافيين، هو رفض الهيمنة الاستعمارية بشكل عام والهيمنة الأميركية بشكل خاص، على الأقل في الموضوع السياسي والاقتصادي. لكن نميّز الشرق الجغرافي عن الجنوب، لأن إنتاج المعرفة عاد إلى جذوره التاريخية والجغرافية في آسيا. والمعرفة التي نقصدها لا تقتصر على العلم والعلوم بل تشمل نموذج حياة يدمج الموروث التاريخي مع إفرازات التقدم العلمي. ليس في الشرق بشكل عام محاولات لهندسة مجتمعات تعكس توجهات عقائدية. فمحاولات ماو تسي تونغ لإعادة إنتاج مجتمع صيني جديد وثوري عبر ما سمّاه بالثورة الثقافية مُنيَت بفشل ذريع وكذلك الأمر في كامبوديا على يد الخمير الحمر. الهندسة الاجتماعية التي تذهب ضدّ الفطرة والموروث التاريخي لها، يصعب أن يُكتب لها النجاح. الغرب بشكل عام يقع في الخطأ نفسه عندما يريد بالقوّة، تصدير نموذجه السياسي ومفاهيمه وقيمه كقيم عالمية لا يمكن رفضها من دون أي اعتبار لخصوصيات المجتمعات البشرية المتمسّكة بموروثها التاريخي.
التوجّه شرقاً، هو خيار قبل أن يكون سياسة. وهذا الخيار له أسبابه ومبرّراته. أما موضوع التوجه شرقاً و/ أو جنوباً يعكس محاولات للاستفادة من تجارب دول عانت من الهيمنة الغربية وبرهنت عن نجاح كبير في نماذجها السياسية والاقتصادية. كما أن طبيعة العلاقات التي تعرضها هذه الدول وفقاً لنماذجها، تحترم خصوصيات الدول الأخرى وتسعى لترسيخ علاقات تؤدّي إلى ربح مشترك بين جميع الأطراف وليس على قاعدة غالب ومغلوب. والنجاح في النموذج الاقتصادي يتمثّل ليس فقط بمعدّلات نموّ بل أيضاً في إنتاج سلع وخدمات تسهم في رفاهية الإنسان.
النموذج الغربي لا يفي بذلك وبالتالي يصبح النموذج الشرقي الواسع خياراً لا بد منه. هل هذا يعني التخلّي عن النموذج الغربي؟ ليست مهمتنا حل إشكالية التعاطي مع هذا النموذج بل شرح مضمون الخيار الشرقي وتداعياته.
هنا تكمن نقطة الارتكاز والاهتمام. فخيار التوجه شرقاً، يعني مجموعة من السياسات والبرامج السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية المتكاملة بعضها مع بعض أولاً، ومع الدول التي سيتم التشبيك معها ثانياً. على سبيل المثال، يتم تنسيق السياسات التصنيعية وفقاً لخطة مدروسة، وليست متروكة عشوائياً لمزاج المستثمر الخاص، بل منسجمة مع سياسة زراعية، وسياسة أشغال عامة وسياسات مالية ونقدية تغذّي عملية النموّ والتشبيك. هذا يعني أيضاً، أنها منسجمة مع سياسات دول الجوار في المرتبة الأولى ما يعني أيضاً انسجام وتنميط الأنظمة القضائية. وهذا على سبيل المثال لنظهر أن التوجّه شرقاً، هو عملية معقّدة وطويلة المدى ويجب أن تنتج من سياسة مدروسة على المدى القصير والمتوسط والطويل.
الانفتاح على الاستثمارات الخارجية المعروضة من الشرق سواء كانت من الصين أو روسيا أو إيران أو أي جهة آسيوية أو حتى من أميركا اللاتينية كالبرازيل، أو المكسيك، أو الأرجنتين مثلاً، أو من دول أفريقية كجنوب أفريقيا، يعني الانفتاح على أنظمة سياسية مختلفة عن النظام القائم في لبنان والذي يجب تغييره بمعزل عن تطبيق الانفتاح شرقاً أم لا. انفتاح كهذا، يستوجب مقاربة النظام التربوي في لبنان للتعريف العميق عن الدول التي سيتعامل معها لبنان ليس فقط بالنسبة إلى تاريخ وجغرافية تلك الدول بل على الأقل في ما يتعلّق بتدريس لغات تلك الدول. فالتدريس التقليدي للفرنسية والإنكليزية يجب أن يتراجع لمصلحة تدريس اللغة الصينية والروسية والهندية والإسبانية والتركية والفارسية. لغة التعليم تكون بالعربية وليست بالفرنسية أو الإنكليزية لكنها تتلازم مع تدريس اللغات المطروحة. هذا يعني تغيير البرنامج التربوي في لبنان من ألفه إلى يائه، وقد يصطدم ذلك مع مصالح خاصة لا علاقة لها بالمصلحة الوطنية.
خيار التوجه شرقاً يعني مجموعة من السياسات والبرامج السياسية والاقتصادية والثقافية والبيئية المتكاملة بعضها مع بعض


أيضاً، يعني أنه يجب تطبيق دراسة عميقة للتجارب التي تشكّل القدوة في برامج النمو والتنمية. لا يمكن أن يقتصر الخيار على بعض الاستثمارات الضخمة في إعادة تأهيل البنى التحتية وتطويرها، بل الانضمام إلى منظومات سياسية وأمنية مشتركة تحمي هذه البنى وتُسهم في تطويرها. فلا معنى مثلاً، لاستقبال الاستثمارات الصينية من دون التفكير في الانضمام إلى منظومة شنغهاي. وفي المقابل، هذا لا يعني التخلّي عن ضرورة إنشاء منظومة عربية تسعى إلى التشبيك السياسي والاقتصادي والثقافي والبيئي، إذ إن هدفنا الأول هو وحدة الأمّة وتحصينها من المطامع التي قد تأتي من كل الجهات. ما نريد قوله، هو أن الاتجاه شرقاً ليس شعاراً كما يحلو للبعض. بل هو في الأساس تحوّل في الفكر والذهنية يُترجم بسياسات وبرامج على مستويات مختلفة من دون رفض العروض المطروحة التي يفترض المباشرة في قبولها ودرسها وتطويرها، لأن عملية التحوّل ليست عملية ظرفية بل طويلة المدى. عروض كهذه قد تساعد لبنان في الخروج من الأزمة الراهنة، لكنّ الخيار في التوجّه شرقاً هو أعمق وأبعد من ذلك بكثير وعمل طويل المدى.

* باحث وكاتب اقتصادي سياسي والأمين العام السابق للمؤتمر القومي العربي وعضو الهيئة التأسيسية للمنتدى الاقتصادي والاجتماعي