النقاش في الدعم ليس مستجداً، إلّا أنه في الأسابيع الماضية تركّز النقاش حول فكرة استبدال الدعم عبر المساعدات النقدية للأسر، محلّ دعم استيراد السلع الأساسية عبر احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية. الرأي القائل بأنه يجب إلغاء الدعم السائد منذ أيلول 2019 ولغاية اليوم، وتعديله ليصبح عبارة عن مساعدات نقدية للأسر، سلك طريقه نحو مجلس النواب. في خلفية المشهد يقف البنك الدولي منتصراً في الشكل لأنه تمكّن من ترويج هذه الفكرة، بينما انتصاره سيبقى محدوداً طالما أن تمويل الدعم ليس متوافراً بعد.

على أي حال، انشغل النواب بمقاربة أكثر سطحية وتفاهة من السابق. فقد غرق المجلس في تفاصيل المستفيدين من الدعم النقدي، بعيداً عن أي مقاربة أوسع للأزمة التي يغرق فيها لبنان. وفي هذا الوقت تمكّن مصرف لبنان من رفع الأسعار الداخلية للبنزين والمازوت والغاز عبر آلية ابتزاز تهدف إلى إلغاء الدعم تدريجاً عبر التوقف عن فتح اعتمادات الاستيراد أو التقنين في الكميات المستوردة الممولة بالدولارات التي يملكها. وهو يفاوض اليوم على أسعار الدواء والمستلزمات الطبية. بالنسبة له، إن تقليص الدعم من احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية، يتطلّب رفعاً للأسعار الداخلية يكون بمثابة ضريبة تخفّف الاستهلاك. المشكلة الأساسية في هذا النقاش أنه خارج المنطق: لماذا ندعم؟

11.3

مليار دولار هي قيمة الاستيراد لعام 2020 أقل من نصفها أو 46% مدعوم بدولارات مصرف لبنان على سعر 1507.5 ليرات وسطياً بينما الباقي مموّل من السوق الحرّة وبشكل جزئي من منصّة «صيرفة»


مجلس النواب أجاب سريعاً على هذا السؤال، معتبراً أن الدعم يصبّ في آلية التوزيع التي اعتادت قوى السلطة ممارستها في العقود الثلاثة الأخيرة. أي أن تكون آلية التوزيع زبائنية، وتربط بصورة غير مباشرة بين خيارات الناس السياسية، وبين حصولهم على الدعم. ثمة الكثير من القنوات التي يمكن استعمالها في هذا المسار مثل الوزارات والبلديات وكل المؤسسات التي تستغلها السلطة منذ عقود لمنفعتها الخاصة. لذا، تألفت لجنة لتحديد معايير استفادة 75% من الأسر اللبنانية، بينما كان يمكن استعمال آلية لاستبعاد الـ25% الذين لا يحقّ لهم الاستفادة من الدعم كما يقترح أديب نعمة. أمّا النقاش الفعلي في مسألة الدعم بصورة أوسع وأشمل، يجب أن يكون في مكان آخر. يجب أن يكون في استراتيجية لبنان تجاه التعامل مع الأزمة.
ثمة أكثر من رأي بهذا الخصوص؛ هناك من يقول إن تحديد هذه الاستراتيجية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الإقرار بالخسائر وبأهداف توزيعها، أي تحويل الخسائر إلى تضحيات يقبل بها الناس مقابل فرصة للنهوض مجدداً. بهذا المعنى يقول شربل نحاس، إن الدعم يكون جزءاً من التعامل مع مخزون الاحتياطات، وعندها تتم مناقشة آلية الدعم التي تأتي بعد تحديد الاستراتيجية.
هناك رأي آخر ليس معاكساً، إنما يذهب في طريق مختلف نحو تجزئة التعامل مع المشكلة، أي التعامل آنياً مع ظروف صعبة تتطلب دعم معيشة الأسر، على أن يكون الأمر مدخلاً للتعامل مع الأزمة على المدى المتوسط ثم البعيد. يعتقد عبد الحليم فضل الله أن لبنان ليس لديه سياسة واضحة للتعامل مع الأزمة، لكن هذا لا يمنع من تقديم الدعم في مواجهة تداعيات الأزمة وإتاحة الحقوق الأساسية للعيش، وأن يكون لدينا برنامج استثماري يتناسب مع القدرات التي يمكن تعبئتها للتعامل مع هذه الحاجات.
في المطلق، لا يوافق الخبراء على التعاطي مع الدعم من الزاوية التي يحصل بها حالياً. فما يحصل حالياً هو تبديد لما تبقى لدى لبنان من دولارات بعناوين مختلفة منها الاحتياطات الإلزامية واستعادة الودائع... الدعم واجب في الظروف الحالية، لكن ما يحصل حالياً، سواء في القصر الجمهوري، أو في الحكومة ومجلس النواب وعلى لسان مرجعيات قوى السلطة، هو البحث في آلية التوزيع الأنسب للاستحواذ على الدعم والاستفادة منه عبر المتاجرة بالفقراء. هذا الدعم بالتحديد ليس ما يسعى إليه الخبراء. هم يريدون تغطية صحية شاملة، ودعماً للنقل باعتباره جزءاً أساسياً من قوّة العمل، ودعماً للتعليم، ودعماً لوقف نزيف الهجرة... الدعم يجب أن ينطلق من أصل الأزمة: الاعتراف بالخسائر وتوزيعها بشكل هادف. أول القصّة يبدأ بإعلان إفلاس المصارف ومصرف لبنان.

شربل نحاس: أصل النقاش في تحديد خيارات استخدام الإحتياطات للدعم والنهوض


(أرشيف ــ مروان طحطح)

الدعم هو توأم الضريبة. الدعم هو أخذ أموال من أشخاص ومنحها لأشخاص آخرين، والضريبة هي أخد الأموال من أشخاص ومنحها لآخرين. هناك قواعد معروفة تحدّد الخيارات السياسية على مستوى الضريبة والدعم. استخدام أي أداة في أي اتجاه. يجب أولاً تحديد الأمر الذي يجب دعمه، تماماً كما يستدعي ذلك تحديد الأمر الذي يجب فرض ضريبة عليه. ما هي محاسن ومساوئ الدعم، أو الضريبة؟ فبما أن الهدف هنا هو الفقراء، يجب أن أدعم السلع التي تُستهلك كثيراً من الفقراء. كذلك هناك سلع وخدمات حيوية لا يمكن الاستغناء عنها مثل الدواء والسيارة. المسائل بديهية إلى هذه الدرجة. هل يمكن الاستغناء عن السيارة للانتقال إلى العمل في بلد يعتمد بنسبة كبيرة على استعمال السيارة؟ هل يمكن الاستغناء عن الدواء لمعالجة المرضى؟ إذاً، القصّة تصبح متصلة بالآلية والشكل: هل يجب تقديم المساعدات النقدية، أو إلغاء الطابع السوقي عن السلع والخدمات التي يجب دعمها، أي السلع والخدمات التي يجب خفض أسعارها؟ طبعاً يمكن اعتبار بعض هذه السلع والخدمات خارج السوق، أو خارج الاعتبارات الكلاسيكية للسوق، وبالتالي يجب التدخل مباشرة في تقديمها مثل التغطية الصحية. شمول التغطية الصحية لكل اللبنانيين هو دعم، لكنه لا يتم داخل الأطر المطروحة حالياً لتقديم الدعم. عزل التغطية الصحية الشاملة عن تقلبات السوق من أجل شمول كل اللبنانيين فيها هو أمر مشروع ومطلوب.
ما يُناقش اليوم يتعلق بكمية الدولارات ووقت نفادها ومن يستحوذ عليها


في الواقع، ما يحصل حالياً أن المسألة لم تكن يوماً مرتبطة بالدعم أو بالتخطيط له. فقد نشأ الدعم بالخطأ لأن هناك أسعاراً تحدّد الدولة مبيعها، وهي أسعار سلع مستوردة، وبالتالي فإن دعمها بالطريقة التي حصل فيها كان يتعلّق باستمرار كذبة التسعير على سعر صرف للدولار يبلغ 1507.5 ليرات وسطياً. لهذا السبب هناك دعم للبنزين والمازوت والدواء وحتى الخبز... كل هذه السلع مسعّرة من الدولة. عملياً لم يكن أحد يبحث عن الدعم، بل علقوا فيه بسبب تلك الكذبة.
وبات الدعم مربوطاً بسعر الصرف، ولم يكن، كما يجب أن يكون عليه، مرتبطاً بمخزون معيّن من العملات الأجنبية بعد الإفلاس. هنا بالتحديد يمكن فهم قصّة التوزيع الهادف للخسائر. فمن جهة لدينا مخزون حيوي واستراتيجي وغير متجدّد من العملات الأجنبية في ظل حالة إفلاس، ومن جهة ثانية هناك تداعيات هذا الإفلاس. كيف يدار هذا الأمر؟ ثمة خيارات كثيرة وواسعة. مثلاً، هل نستخدم هذا المخزون من العملات الأجنبية في الاستثمارات؟ في شراء صواريخ؟ في تقديم التغطية الصحية الشاملة؟ أي مبلغ سننفقه على خياراتنا وأولوياتنا الاستراتيجية؟ خيارات من هذا النوع، تعني أنه لدينا فئات يجب أن ندعمها أو أن نغرّمها. الدعم يأتي مواكبة لخيارات استخدام الكم المحدود من العمليات الأجنبية. لم يناقش هذا الأمر نهائياً. ما يُناقش اليوم يتعلق بكمية الدولارات ووقت نفادها ومن يستحوذ عليها. هذا هو محور الآلية التي تناقش في مجلس النواب. وهي إحدى التقنيات التي تصبّ في المحور نفسه. سواء أعربنا عن الأمر على طريقة رفع السعر (رفع الدعم) أو استنفاد الدولارات، فإن النتيجة هي نفسها، مع فرق في آلية التسويق. فمن ضمن هذه الآلية، يقولون اليوم إنهم سيدعمون الدخل، وليس السلعة. مشكلتهم أنهم ينظرون إلى الأولويات بشكل خاطئ. فهذا النقاش يأتي في المرتبة الثانية بعد الإقرار بأمر واضح مثل عين الشمس: تحديد كمية الدولارات المتوافرة.

حسم الخيارات يعني إفلاس المصارف. إذا كان في المخيلة أن هناك مصارف وودائع، فإنه وهم

تقليل استهلاك الدولارات، هي آلية سيتم النقاش فيها بعد مناقشة أصل الفكرة. هم اليوم لا يريدون مناقشة أصل الفكرة، بل يتركون آلية التوزيع الرائجة تقوم بعملها لأجلهم. نقاشهم لا يتعلق بالخيارات والأولويات، بل باستخدام ما تبقى من مخزون نقدي وبشري من أجل خدمتهم، بدلاً من بناء خيارات ملزمة تنطوي على أبعاد اقتصادية واجتماعية بعيداً من المتاجرة بالفقراء. هم يدفعون نحو استنفاد المخزون النقدي والبشري عبر استهلاك الدولارات الباقية وترسيخ اليأس والهجرة. الدعم لا يجب أن يشمل السلع فحسب، بل الفئات العمرية التي يفترض أن الوطن يحتاج لها للنهوض. المسألة ليست بسطحية وسخافة النقاش الحاصل حالياً.
حسم الخيارات يعني إفلاس المصارف. إذا كان في المخيلة في مصارف وودائع، فإنه وهم... كل هذا الحديث الدائر عن الودائع ومصرف لبنان واستقلاليته والاحتياط الإلزامي، وقدسية الودائع، والمنصّة، والتعاميم وما يماثلها، يجب الخروج منه.

عبد الحليم فضل الله: دعم الحقوق الخمسة والحق الاقتصادي وبرنامج استثماري قصير المدى


(هيثم الموسوي)

الكلام عن الدعم حالياً، يتعلّق بدعم داخل الأزمة، أي دعم مؤقت في انتظار الانتقال من وضع ليس لدينا فيه سياسات واضحة للتعامل مع الأزمة، إلى وضع نبدأ فيه بالتعامل مع الأزمة. مقاربة الدعم لها علاقة بمرحلة الفراغ، وهي ليست المرحلة الدائمة التي يجب أن يكون الدعم فيها جزءاً من خطة أوسع. لكن بالتوازي مع ذلك، لا يجب أن يكون الدعم معزولاً عما يحصل، بل يجب أن يكون قابلاً للدمج في أي خطّة أو تصوّر للتعافي. هذا الأمر يفرض مجموعة شروط ومواصفات للدعم؛
فمن الشروط ألّا يؤدي الدعم إلى مضاعفات مالية ونقدية تفوق النتائج الإيجابية المتوخاة من الدعم. ويجب أيضاً أن يكون الدعم قائماً على مبدأ الحقوق، أي أن يلبي الحاجات المستحقّة المحددة سلفاً؛ أي الحدّ الأدنى من متطلبات المعيشة على مستوى السلّة الاستهلاكية، التعليم، الصحّة، الخدمات العامة، المسكن. يجب أن يُنظر إلى هذه الحقوق بتوازن، وأن يضاف إليها الحق الاقتصادي، أي تمكين القطاعات الإنتاجية من المنافسة.

1.3

مليار دولار هي قيمة العمليات السنوية المتوقّعة على المنصّة (قبل تعليق العمل بها) من أجل تمويل الاستيراد غير المدعوم على سعر 12000 ليرة للدولار الواحد وهي لا تغطّي أكثر من 21.6% من واردات عام 2020 (غير المدعومة) والبالغة 6 مليارات دولار


هكذا، يجب تغيير المقاربة بما يؤدي إلى التمهيد للاندماج نحو رؤية جديدة؛ قطاع الدواء مثلاً، يمكن النظر إليه باعتباره يؤمن الحقّ الأساسي بالصحة، لكن يجب إدخال منظور تعزيز هذا القطاع من رؤية اقتصادية كونه منتجاً للقيمة المضافة. هذا يعني أن الريادة التي بحث عنها لبنان في قطاع الاستشفاء ونفّذ جزءاً منها سابقاً، والتي كانت مرتبطة بالحصول على سلع وتجهيزات مضافاً إليها العامل البشري بمواصفات عالية، يجب أن تكون هذه الريادة جزءاً من الحق الاقتصادي لقطاع الدواء.
كذلك، يجب ألا يأتي تعزيز الحقوق المذكورة على حساب حقوق أخرى. تلبية الحاجات الأساسية الخمسة (الاستهلاك فقط جزء منها)، من دون الأخذ في الاعتبار حقوق المودعين. هناك أكثر من مقاربة لهذا الملف؛ هنا يجب إثارة السؤال الآتي: كيف يمكن استعمال الموازنة العامة لتلبية هذه الحاجات أو جزء منها حتى لو اضطررنا لأن نصل إلى عجز يموّل من خلال الاستدانة الاستثنائية عبر مصرف لبنان، لكن بشرط أن يُغطّى بالدولار عبر الضخّ للمودعين. في المبدأ رأينا مثالاً عن هذا الأمر في التعميم 158، ومع أنه يمكن إعادة النظر بالآليات، إنما أصل فكرة ضخّ الدولارات للمودعين بشكل موازٍ للضخّ بالليرة هو أمر مهم ويجب التركيز عليه.
هذا ما يدفعنا إلى الكلام عن جانبين أساسيين:
الطابع الإنفاقي، الطابع الاستثماري. فالحديث عن الحقوق الخمسة المذكورة، لا يكون من منظار استهلاكي فقط، بل من منظار استثماري أيضاً. فعلى سبيل المثال، كانت لدينا بنية موجودة في تكرير المشتقات النفطية، وهذه يمكن تجديدها. يجب الإقرار بأن النقل هو إحدى الحاجات الأساسية المرتبطة بالعمل، لذا يجب البحث عن طرق لتطبيق الخطط الموجودة في مجال النقل على المدى القصير. يجب أن يكون لدينا برنامج استثماري يتناسب مع القدرات التي يمكن تعبئتها للتعامل مع هذه الحاجات. ببضع مئات من ملايين الدولارات، على المدى القصير، في قطاع النقل، والمشتقات النفطية، والكهرباء يمكن إجراء تغيير بحدود معقولة تتعلق بنوعية حياة المواطنين وتعيد ترتيب أولوياتهم من أجل إعادة النظر بشكل استهلاكهم.
يبقى أمر إضافي. الدعم يجب أن يكون بخدمة منع انهيار قطاعات. قطاع الاستشفاء، قطاع التعليم. هنا الدعم يمكن أن يكون بالليرة عندما تكون السلعة أو الخدمة غير قابلة للتداول الخارجي.

أديب نعمة: الدعم النقديّ للأسر: آلية الاستبعاد تحمي من الزبائنية


(أرشيف)

الواقعية تفترض عدم مقاربة الأزمة والعلاج بالدعم من زاوية تقنية. في المضمون الحقيقي الأمر يتعلق بالخيارات السياسية والتمويل الانتخابي، بينما السياسات الاجتماعية والمالية والاقتصادية ليست عمليات حسابية بل خيارات سياسية بمضمون اقتصادي واجتماعي. ما يجري حالياً في مقاربة الدعم هو خارج هذا السياق. إن مقاربة الأسباب التي تولّد الأزمة وتزيدها خطورة لا يمكن معالجته بما هو مقترح حالياً؛ لدينا نقص هائل بالسيولة، وقطاع مصرفي مفلس (المصارف ومصرف لبنان)، بالإضافة إلى موازنة مفلسة، وشحّ في الدولارات، وأسعار متعددة للدولار، فضلاً عن تضخم كبير...

1.4

مليار دولار هي قيمة الفواتير المستحقة لمستوردي السلع المدعومة على سعر 1507.5 ليرات وسطياً والتي لم يسدّدها مصرف لبنان بعد، أي أن تسديدها سينعكس انخفاضاً في احتياطات مصرف لبنان بالعملات الأجنبية التي بلغت في نهاية أيار 15.7 مليار دولار


ما يقال عن تسديد الدعم بالدولار للأسر بدلاً من الليرة هو أمر جيّد، لكن المشكلة أنه لا توجد دولارات. صندوق النقد الدولي حدّد حاجات 750 عائلة بنحو 1235 مليون دولار دولار. ورغم أن قسماً من هذا المبلغ مموّل بقرض من البنك الدولي ومن الاتحاد الأوروبي، إلا أنه تبقى مليار دولار بلا تمويل. هذا المبلغ ليس متوافراً ما يعيد طرح الاقتراض مجدداً لتمويله، أي زيادة أعباء الدين بالدولار. مجلس النواب اقترح تحويل قرض كان متّفقاً عليه من البنك الدولي بقيمة 300 مليون دولار لتمويل النقل المشترك، من أجل تمويل جزء من مشروع الدعم. اقتراح كهذا يأتي رغم أن مشروع النقل المشترك يخفف الأعباء الناجمة عن الحاجة إلى السيارة والبنزين. في الواقع، إن الدعم بهذه الطريقة يعني أن المواطن الأشد فقراً سيدفع كلفة نقل أعلى. بدلاً من اللجوء إلى الحل الكامل عبر مشروع النقل المشترك، تم إلغاء هذه الخطوة لتوزيع أمر مشبوه.
هناك جانب أشدّ خطورة في هذا الأمر. مشروع دعم الأسر حدّد استفادة 750 ألف أسرة لبنانية من أصل مجموع عدد الأسر البالغ مليون، لكنهم قالوا إن هذه العائلات تمثّل 75% من الأسر الفقيرة، وقالوا أيضاً إن متوسط حجم الأسرة يبلغ 3.7 بينما هو 4.2. هذه ليست مجرّد أخطاء عادية. أيضاً يمكن الإشارة إلى أن تحديد معايير لتصنيف الـ750 ألف أسرة (75% من الأسر اللبنانية) ليس خطوة ذكية، فالقاعدة يجب أن تكون استبعادية عبر تحديد العدد المستبعد أي الـ25% التي لا يجب أن تستفيد من الدعم. تحديد هؤلاء أمر أسهل، فعلى سبيل المثال: أعضاء السلك الدبلوماسي، موظفو الفئة الأولى من رتبة مدير عام، مديرو المصارف، الموظفون الذين يتقاضون رواتبهم بالدولار، كبار التجار... باختصار، يمكن اختيار الفئات ذات الدخل الأعلى في لبنان، والفئات التي تتقاضى أجورها بالدولار وسواهم، وبالتالي لا داعي لتحديد معايير للذين سيستفيدون من الدعم، أي أن الفقراء والمعوزين سيستفيدون تلقائياً ومن دون أي زبائنية. الأمر يحتاج فقط إلى رقم الهوية، أما نظام اختيار الـ20% الأشد فقراً، ومعايير الاختيار عبر الأفكار التي تتيح للبلديات والزعماء وقادة الأحزاب التحكّم بكل تفاصيل الدعم، فهذا مشروع انتخابي لا ضمانة لاستمراره فضلاً عن أنه استهلاك لأموال إضافية في محل غير دائم.

الدعم بهذه الطريقة متعمّد لاستمرار النهب والسيطرة السياسية


لا شكّ بأن هناك وسائل أخرى للمعالجة: مثل ضبط سعر الصرف، مكافحة الاحتكار، التهريب، إرساء نظام حماية اجتماعية لو بدأناه منذ سنة لكان الوضع مختلفاً اليوم. أما الدعم بهذه الطريقة فهو متعمّد لاستمرار النهب والسيطرة السياسية. لنتذكّر أن الدعم بدا مع توزيع الدولارات على الصيارفة الذي استفادوا منه وحدهم، ثم جرى دعم السلع الغذائية الذي استفاد منه كبار التجار، أما الآن فقد حان دور السياسيين وهم أصحاب القرار الفعلي، الذين يريدون الاستفادة المباشرة من آلية التوزيع النقدية على الأسر.