في أيلول 2019، وقّع عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء العراقي السابق، أربع مذكرات تفاهم مع الحكومة الصيني. تلت التوقيع حالة من الفوضى السياسية تُوّجت بأحداث تشرين الأول من العام نفسه وأطاحت عبد المهدي وحكومته. يومها تمحور النقاش السياسي العراقي حول التوجه شرقاً وجدواه، ولا سيما في ظل وجود علاقات قويّة مع الولايات المتحدة.

أنجل بوليغان ــ المكسيك

فحوى المذكرات التي وقعها الوفد العراقي، كما ذُكر في الإعلام في حينه، كان النفط مقابل الإعمار. فكان الاتفاق على أن يصدّر العراق نحو 3 ملايين برميل نفط شهرياً، في مقابل قيام الشركات الصينية بتطوير مشاريع البنية التحتية، من طرقات وصرف صحيّ وسكك حديد وموانئ. ويضاف إلى ذلك، فتح الباب أمام المزيد من الاستثمارات الصينية في قطاع الطاقة العراقي. علماً بأن الصين تعمل في هذا القطاع في العراق منذ عام 1981، وتعزّز وجودها من عام 2008 عبر تطويرها 15 مشروعاً حتى عام 2019، قبل توقيع مذكرات التفاهم. والعلاقة التجارية بين البلدين كبيرة أساساً، فالصين هي أكبر مصدّر تجاري للعراق، بينما العراق هو ثالث أكبر مصدّر للنفط إلى الصين.
ورغم الحاجة العراقية الملحّة لتطوير البنى التحتية، إلاّ أن هذا الاتفاق دُفن بسقوط حكومة عبد المهدي. هكذا أصبح الحديث عن التوجه شرقاً موضع تندّر، ويُستعمل من باب المفاضلة السياسية بين الولايات المتحدة والصين لا أكثر. واختصار القضية بهذا الموقف السياسي الحادّ لا يأخذ في الاعتبار تأثير العلاقات الاقتصادية مع الشرق على العراق وبنية اقتصاده السياسي. فالعراق الحديث الذي يعتمد دخله بشكل تام على إنتاج النفط، هو وليد مرحلة انقطاع التواصل الاقتصادي مع محيطه الشرقي الأقرب والأبعد. بدأت ملامح هذا الانقطاع تظهر مع بداية الصراع الصفوي - العثماني منذ القرن السادس عشر. فمنذ معركة تشالدران الشهيرة (1514 م) حتى سقوط الدولة الصفوية، شكّل العراق جبهة حدودية مفتوحة بين الإمبراطوريتين، تتذبذب بين السلم والحرب، يتبادل خلالهما الطرفان السيطرة على المدن الرئيسية (بالأخص بغداد)، بينما تتخلّل فترات السلم الطويلة مناوشات متقطّعة. هذا الواقع حرم العراق من الاستقرار لمدة قرنين من الزمن، وشكّل عاملاً مؤثّراً في تعاطي الدولة العثمانية مع الإقليم. فالعثمانيون قسّموا العراق إلى ثلاثة أقاليم، الشمال والوسط والجنوب.
كان الاهتمام العثماني بشمال العراق جليّاً، فدمج العثمانيون منطقة شهرزور (في كردستان العراق اليوم) بالمناطق الشمالية من الجزيرة، مع التركيز على مركزية مدينة الموصل في هذا الإقليم*. عملياً دمج العثمانيون هذه المنطقة في النظام الإمبراطوري العثمانيّ بشكل سريع. فاعتمدوا نظام التيمار الشهير في شمال العراق، كما كانوا يفعلون في ذلك الوقت في الأناضول والبلقان**. وأرسوا حكماً مستقرّاً إلى حدّ كبير، بقيادة عشائر كردية، كما أجبروا الكثير منها على الاستقرار والتحول إلى نمط زراعي بدلاً من الرعوي. وعملياً أحاط العثمانيون هذا الإقليم من العراق بحزام حدودي تسكنه القبائل الكردية وتلك التركمانية الحديثة الورود على المنطقة*.

منطقة نزاع
كان الدمج المباشر لشمال العراق يخدم المقاطعات العثمانية الأقرب التي احتُلّت في الفترة عينها، سواء جنوب شرق الأناضول أو شمال وشرق سوريا. وفي المقابل كان الدمج أيضاً يخدم العراق بأكمله، على الأقل نظرياً. كان يؤمّن الطريق التجارية بين العراق وسوريا وبين العراق والأناضول، بما يعنيه هذا من إعادة الأهمية لدور العراق، وبغداد بالأخص، في تجارة المحيط الهندي إلى البحر المتوسط. وفي القرن السابع عشر ظهرت الأهمية اللوجيستية للموصل أكثر، حيث تحوّلت إلى مراكز إمداد للجيوش العثمانية في الحروب مع الصفويين، وكذلك تحوّلت إلى ما يشبه غرفة مقاصة لصرف الأموال للقلاع الحدودية في المنطقة*.
لكن العثمانيين لم يطبّقوا سياسات مشابهة في الإقليمين العراقيَّين الآخرَين. فبمجرّد دخولهم بغداد (وهي مركز الوسط) والبصرة (وهي مركز الجنوب)، عمدوا إلى تمكين القبائل العربية من إدارة هاتين المنطقتين، بشكل شبه مستقلّ عن الباب العالي*. فوضع العثمانيون قانوناً إدارياً ونظاماً ضريبياً جديداً يختلف عن نظام التيمار المطبق في الموصل. وعلى عكس التيمار، حيث يتحمل نخبة من الضباط والفرسان المسؤولية عن النفقات العسكرية والمالية من خلال عوائد ما يُمنح لهم من أراضٍ زراعية، اقتضى النظام في بغداد والبصرة دفع رواتب حكام المحافظات والمصاريف العسكرية إما مباشرة من الباب العالي أو من المحافظات نفسها. فكان على حاكم المدينة أن يرسل مبلغاً ثابتاً من المال إلى اسطنبول يُدعى «الإرسالية» بعد خصم النفقات العسكرية والإدارية للمحافظة من عائداتها. وتدابير كهذه كانت تُتبع في المحافظات التي لم يُنظر فيها في بعض الأحيان على أنها موالية تماماً للعثمانيين*. وحتى بعد العدول عن اتّباع نظام التيمار في توزيع الأراضي، والتحوّل إلى نظام الإقطاع (أي توزيع الأراضي على الأعيان مقابل بدلات سنوية)، لم تطبّق الإدارات العثمانية في مناطق وسط وجنوب العراق هذا التغيير**.
رغم الحاجة العراقية الملحّة لتطوير البنى التحتية، إلاّ أن الاتفاق مع الصين دُفن بسقوط حكومة عبد المهدي فأصبح الحديث عن التوجه شرقاً موضع تندّر ويُستعمل من باب المفاضلة السياسية بين الولايات المتحدة والصين لا أكثر


كانت نتيجة هذه الإدارة للأراضي الخصبة في العراق أن بقي معظمها شاغراً وعديم الفائدة، بينما انهارت البنية التحتية الزراعية والتجارية. فرغم أن القدرات الزراعية لبلاد ما بين النهرين كانت تضعف منذ القرن العاشر الميلادي، إلّا أن ما حلّ في البلاد خلال القرنين الأولين من الحكم العثماني أتى على معظم ما تبقّى من قدرات زراعية. وبحلول النصف الثاني من القرن السابع عشر ميلادي، كانت بغداد والمناطق المحيطة فيها قد وصلت إلى مرحلة التدهور الاجتماعي والاقتصادي، وذلك لأن نظام توزيع الأرض أدّى إلى تمردات متكرّرة. فكانت المشكلة الأكثر بروزاً تلك الناتجة عن القبول بمركزية دور القبائل، إذ أن الأرض عبارة عن ملكية جماعية للقبيلة بالممارسة، رغم أن الوضع القانوني ينصّ على أن الملكية المطلقة وحق الانتفاع هما للدولة***. ولم تكن القبائل كلّها على منزلة واحدة لجهة التراتبية أو ممارسة الوظيفة، فارتبط تفوّق وشرف القبيلة ارتباطاً وثيقاً بنسبها. البدو الحقيقيون كانوا يربّون الإبل ويمتطون الخيول ويحكمون القبائل الأخرى، بينما القبائل التي انتقلت إلى الحياة الحضرية انتقلت إلى تربية الأغنام أو الأبقار وامتطى أفرادها الحمير وعملوا كمزارعين. ولم تكن الأرض تحت سيطرة صغار الملاك أو كبار الملاك، بل كانت تسيطر عليها القبيلة ككل. فكان لكل قبيلة «الديرة» الخاصة بها التي لم تشمل فقط الأرض المحروثة، إنّما الأراضي غير المزروعة والأهوار (المستنقعات). وكانت «الديرة» هي الأرض التي تمارس القبيلة عليها حقوقها السيادية بدلاً من الملكية الحصرية. كانت الديرة القبلية مملوكة بشكل عام وتتألف في الغالب من أراضٍ تُستخدم للرعي مع مساحات صغيرة مزروعة***. وكانت القوة العسكرية والسلطة السياسية مهمتين للغاية في الترتيب الهرمي للقبائل البدوية. فكانت القبائل البدوية القوية تجمع أموال الخوة من القوافل التجارية والقبائل الأضعف، التي كانت تقوم بالعمل الزراعي في الأغلب. وما بين الخوات والضرائب المتوجبة للعثمانيين، في النهاية كان على الفلاحين أن يكتفوا بنصيب صغير جداً من الإنتاج. أدى هذا السياق إلى انعدام الرغبة في التزام أراضٍ زراعية، لانعدام القدرة على الإيفاء بأكلاف صيانة أنظمة الري. بالإضافة إلى أنّ الفلاحين لم يتمكّنوا من تطوير شعورهم بالانتماء إلى الأرض في ظل غياب نظام يضمن لهم استمرارية زراعتهم لها***. في المحصلة، كان لتحوّل العراق إلى إقليم عثمانيّ حدودي أولوية العثمانيين في إدارته هي المحافظة على سلطتهم عليه، تأثيراً تدميرياً على البنية التحتية في العراق، سواء تلك التي تخدم الزراعة أو التجارة.

مفتاح الطريق إلى المتوسط
جوهر الصراع الصفوي - العثماني على العراق كان محوره التجارة القارية، بالأخص تجارة الحرير الفارسي إلى أوروبا وتجارة المحيط الهندي إلى البحر المتوسط. فإنتاج الحرير الفارسي كان قد أسّس سلسلة توريد وتصنيع طويلة من إيران الصفوية إلى أوروبا، سواء عبر التجارة بالحرير الخام، أو المصنوعات الحريرية التي تُصنع في تبريز (في إيران) أو بورصا وإزمير (في الأناضول) أو حلب (في سوريا). وكانت مدينة حلب سوقاً مركزية لتصدير الحرير الخام والمنسوج إلى أوروبا**. بينما كان العراق ممراً إلزامياً للحرير الفارسي إلى أراضي وأسواق الإمبراطورية العثمانية، والسيطرة عليه كانت تحدّد نسب الضرائب التي يجب أن يدفعها التجار في كل من البلدين، أثناء مرور قوافلهم. فكان، مثلاً، أن فرض العثمانيون حصاراً جمركياً على الصادرات الصفوية من الحرير لمدّة من الزمن. بينما منح الشاه عباس التجار الأوروبيين رخصاً تسمح لهم بتصدير الإنتاج الفارسي بشكل مباشر من الموانئ الإيرانية المطلّة على الخليج. فبدأت شركات الهند الشرقية البريطانية والهولندية في تصدير الحرير الإيراني عبر البحر. وفرض الشاه الضرائب المباشرة على التجار الأوروبيين الذين قاموا بتصديره، فحرم السلطات العثمانية من الضرائب المتأتية من هذه التجارة، بينما تدمّرت سلاسل الإنتاج والتوريد في المدن العثمانية المرتبطة بهذه التجارة لعقود قادمة*.
أمّا الجائزة الكبرى في التجارة القارية، فكانت تجارة المحيط الهندي. هذه الطريق التجارية التي تحمل البضائع من جنوب شرق آسيا إلى غرب الهند، ثم إلى الخليج وجنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر، كانت تجارة عالية الربحية لما للبضائع المنقولة (توابل وبخور ومنسوجات قطنية) من قيمة عالية، بسبب ندرتها وصعوبة نقلها في رحلة عبر المحيط الهندي نفسه.
وصعود قوتين مركزيتين في غرب آسيا جعلتا من فكرة إعادة تفعيل هذا الطريق فكرة ممكنة وعالية الربحية. ومنذ بداية القرن السادس عشر واجه الطرفان تحدّياً أساسياً للسيطرة على مياه الخليج والوصول إلى المحيط الهندي، وتمثل هذا التحدي بالسيطرة البرتغالية على هرمز وعلى الممرات المؤدية إلى المحيط الهندي*. وأدّى الوجود البرتغالي إلى تعزيز الاعتماد العثماني على قبائل البصرة، وجنوب العراق بشكل عام، للتصدي للهجمات البرتغالية، فكان أن تعزّزت استقلالية القبائل في إدراة المنطقة*. وشكّلت تجارة المحيط الهندي حافزاً أساسياً في السعي العثماني لتثبيت السيطرة على العراق، بالأخص في القرن السابع عشر حيث كانت التجارة مع الهند المغولية عالية الربحية**، لما للهند في حينه من ثقل اقتصادي عالمي. ولكن تحوّل العراق إلى منطقة حدودية متنازع عليها، وعزله عن إيران الصفوية بشكل متقطّع عزّز طريق تجارة المحيط الهندي، الذي يمرّ عبر البحر الأحمر إلى الموانئ المصرية والسورية على البحر المتوسط. وحين استتبّ الأمر للعثمانيين في العراق، لفترة طويلة من الزمن، نسبياً، إثر سقوط دولة الصفويين ودخول إيران حالة فوضى، بدأ الضعف يصيب العثمانيين، فكانت النتيجة، أن بدأت السفن الفرنسية والبريطانية في استيراد التوابل الهندية إلى الموانئ العثمانية على البحر المتوسط عوض استيرادها منها عبر شبكات تجارة عثمانية تمر عبر شرق الإمبراطورية (البصرة) إلى غربها على البحر المتوسط**. فأصبحت الموانئ العثمانية مجرد مخازن للبضائع التي تستوردها الشركات الأوروبية. ومع اكتمال سقوط دولة المغول في الهند، حيث بدأت المنسوجات والبضائع البنغالية والصينية والهندية تُشحن بشكل مباشر إلى أوروبا بواسطة شركة الهند الشرقية**، ما أنهى الدور التجاري والصناعي للمدن والأسواق في غرب آسيا في التجارة القارية، وانتهى أي دور محتمل للمدن العراقية في التجارة القارية.

*«خلاصة تاريخ العراق المعاصر»، هالة فتاح وفرانك كاسو
**«الأراضي العربية تحت الحكم العثماني 1516–1800»، جاين هاثواي
***«الأصول العثمانية للعراق الحديث»، أبو بكر جيلان

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام