لطالما شكّل الدّعم في قطاع الطاقة، جزءاً لا يُستهان به من موازنات الدّول، فقد بلغت قيمة الدّعم العالميّة المباشرة للقطاع، بما في ذلك المشتقات النفطية والطاقات المتجدّدة والطاقة النوويّة، ما لا يقلّ عن 634 مليار دولار في عام 2017، منها 447 مليار دولار استُخدمت لدعم المشتقات النفطية وحدها. ومع الاعتماد المتزايد على الطاقات المتجدّدة والتزامات قمم المناخ، يٌتوقّع أن تنخفض قيمة الدّعم العالمية بين عامَي 2017 و2030 من 634 مليار دولار إلى 466 ملياراً وأن تُراوح عند هذا الحدّ حتى عام 2050.


تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (MENA) على نحو نصف قيمة هذا الدّعم العالمي (أو 48%)، كون معظم البلدان فيها هي من البلدان المنتجة للنفط، ويشكّل نظام الدعم فيها جزءاً من تاريخ المنطقة. بدأ هذا الدعم بين عامَي 1940 و 1970 كمحاولة لإشراك الشعوب في الاستفادة من هذه الثروات وحمايتها من تقلبات الأسعار. وفي جولة مقارنة سريعة على متوسّط أسعار المشتقات النفطية بين مختلف مناطق العالم في عام 2013، تتميّز منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن غيرها من خلال امتلاكها، إلى حد بعيد، أدنى متوسط الأسعار الإقليمية من هذه المشتقات.

180 دولاراً

هي قيمة التوزيعات النقدية الإيرانية لكل ربّ أسرة من أربعة أفراد ولمدة ستة أشهر تعويضاً عن رفع الدعم عن المحروقات


بين عامَي 2010 و2014، شهدت المنطقة موجة غير مسبوقة من عمليات ترشيد دعم الطاقة والغذاء، ربما لم تشهدها أي منطقة أخرى. وتزامنت هذه الموجة، من منظور اجتماعي وسياسي، مع الحروب أو الثورات السياسية أو الاضطرابات الاجتماعية. وقد اختلفت نماذج رفع الدّعم بين دولة وأخرى. بعضها اتّبع مقاربة راديكالية (كالجمهورية الإسلامية الإيرانية والأردن)، أو تصاعدية (كالمغرب وتونس)، وبينهما من اعتمد دفع تعويضات نقديّة مباشرة كجزء من برامج مع صندوق النقد الدولي مقابل آخرين لم يفعلوا ذلك، إضافةً إلى نماذج أخرى حاولت تطبيق الإصلاحات قبل أن تتراجع عنها بسبب المعارضة الشعبية (كما حصل في اليمن).
لذا، لا بدّ من تسليط الضوء على بعض هذه النماذج والتطلع إلى العبر والدروس المستقاة من كلٍّ منها، لمعرفة ما يمكن تطبيقه في لبنان من عدمه، حيث يتمثّل الدّعم بتأمين المواد الأساسية على سعر الصرف الرسمي (1500 ليرة مقابل الدولار) فيما سعر الصرف الفعلي أصبح يزيد عن 10 أضعاف هذا المبلغ، في ظل سوق داخلية احتكارية ونقص حادّ في العملات الأجنبية.

إيران: البدائل الاجتماعية
في عام 2010، نفّذت إيران أكبر عملية تصحيح للدعم في المنطقة من دون رفع قيود الأسعار. سبقت عمليّة التصحيح، حملة مشاورات مكثّفة وفعّالة مع أصحاب المصلحة وعامة الناس، يديرها متحدث خاص باسم الحكومة، لشرح أسباب رفع الدّعم وكلفته الباهظة وقيمة الوفر المرتقب في الموازنة العامة، وآلية إعادة توزيع الإنفاق على الأولويات الأساسية من تعليمٍ ورعاية صحية واجتماعية وبنى تحتية...
أثّرت هذه العملية بشكلٍ كبير على الأسعار، فارتفعت خلال النصف الأول من عام 2011 بمتوسط زيادة يوازي 30% وزيادات ذروة بنحو 100%. كذلك انخفض استهلاك المشتقات النفطية مثل البنزين والغاز السائل بنسبة 10%، وقدّرت الحكومة إجمالي الوفر الحاصل من عملية رفع الدعم بما يعادل 15 مليار دولار أميركي في عام 2012.
استعاضت الحكومة عن هذا الارتفاع بتحويلاتٍ نقدية مباشرة لكل رب أسرة بمتوسط بلغ 180 دولاراً أميركياً لأسرة مكوّنة من أربعة أفراد خلال الأشهر الستة الأولى، أي نحو نصف الحد الأدنى للأجور في ذلك الحين. وفُتحت حسابات مصرفية لمعظم المواطنين حيث أودعت التحويلات النقدية فيها قبل رفع الدّعم، وتوزّعت على النحو الآتي: 30% للصناعات المحلية، 20% للمؤسسات الحكومية، و50% للمواطنين. من جهةٍ أخرى، أطلقت الحكومة بالتوازي مخططاً إسكانياً كبيراً من خلال بناء مجمعات سكنية بأسعار مقبولة للفئات الفقيرة والمتوسطة.
إنّ العبرة الرئيسية التي يمكن استخلاصها من النموذج الإيراني هي الجدوى السياسية لأي عملية رفع للدّعم، إذا ما كانت مصحوبة بخطّة طويلة الأمد، وببدائل واضحة، تُستخدم من أجل التحول نحو كفاءة أكبر في استخدام الطاقة.

الأردن: التدابير الاحترازية
يشبه النموذج الأردني إلى حدٍّ ما النموذج الإيراني لجهة الإجراءات المعتمدة. فقد دأبت السلطات الأردنية منذ عام 2008 بتطبيق برنامج رفع للدّعم وتحرير أسعار المشتقات النفطية. وبسبب المعارضة الشعبية الدائمة، كانت هذه البرامج تفشل. إلا أنه في تشرين الثاني 2012، وبشكل مفاجئ، ألغى الأردن الدّعم على الوقود واستأنف في كانون الثاني 2013 آلية تعديل تلقائية للأسعار الشهرية للمحروقات التي تم تعليقها في أوائل عام 2011. وترافق ذلك مع حملة تواصل عامّة مع كل فئات المجتمع لإظهار مدى التزام الحكومة بالإصلاح، والآثار المترتّبة على الاقتصاد من جراء رفع الدعم، بالإضافة إلى تدابير احترازية تمثّلت بتجميد سعر الخبز، وتعديل تعرفة النقل العام وفقاً لأسعار الوقود الجديدة.
سمحت هذه الإجراءات للأردن، في ما بعد، بالحصول على تسهيلات مالية من صندوق النّقد الدولي بقيمة مليارَي دولار لمواجهة تداعيات أزمة النزوح السوري في حينه. ومن أجل التخفيف من الأثر الاجتماعي المحتمل لارتفاع الأسعار، تم إدخال التحويلات النقدية المباشرة كما حصل في إيران. ففي غضون أسبوع من رفع الدّعم، أعلنت الحكومة أنّ الأسر الأردنية الفقيرة ستتلقى مساهمة نقدية مباشرة بقيمة 99 دولاراً أميركياً (أو 70 ديناراً) للفرد كل أربعة أشهر، وتصل إلى حدّ 420 ديناراً للأسرة في العام، علماً بأن هذه الإجراءات طاولت نحو 70% من السكان.
على صعيد الكهرباء، تمت زيادة التعرفة للقطاعات الاقتصادية والأسر ذات الدخل المرتفع بمعدّل ثلاث مرات منذ أيار 2012 كجزء من إستراتيجية لضمان عودة شركة الكهرباء الوطنية (NEPCO) إلى طريق الربحية.
ساهمت هذه الإجراءات في تهدئة حال الاحتجاجات الشعبية، ولم تؤد عملية رفع الدّعم إلى أي ردة فعل جماعية.

المغرب: رفع الدعم التدريجيّ
يشكل المغرب نموذجاً مثيراً للاهتمام في ما يتعلّق بعمليّة رفع الدّعم لكونه واحدة من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي لم تكتف برفع أسعار المشتقات النفطية فحسب، بل ربطتها بالأسعار الدولية (price indexation). فالأسعار يتم تعديلها مرتين شهرياً من قبل الوزارات المختصّة، علماً بأن تطبيق رفع الدعم بدأ في أيلول 2013.
في عام 2011، قرّر المغرب تجميد أسعار المشتقات النفطيّة رغم ارتفاع الأسعار العالمية واعتماد البلاد على الاستيراد لاحتياجاتها المحلية. جاءت هذه الخطوة كردٍّ مباشر على الاحتجاجات الشعبية في البلدان المجاورة وفي المغرب أيضاً. سرعان ما أدى هذا القرار إلى تضخم سريع في فاتورة دعم الطاقة.
أدّت الجولة الأولى من الزيادات في أسعار الطاقة في عام 2013 إلى خفض كلفة الدعم بمقدار النصف تقريباً لتصل إلى نحو 4.1 مليارات دولار أميركي سنوياً، أو 10% من الإنفاق الحكومي. واستمرّت عمليّة الرفع التدريجية خلال عامَي 2014 و 2015 باستثناء أسعار الكهرباء، الى أن رُفعت هذه الأخيرة في تموز 2014، كجزء من إعادة هيكلة الشركة الوطنية للكهرباء (ONE)، بينما ظل الغاز المسال الذي يُستخدم بشكل أساسي للتدفئة، مدعوماً بشكل كبير.
اتّبع المغرب خلال هذه العملية استراتيجية تواصل شاملة ومنسقة بشكل جيد وشمل ذلك: نقاشات تلفزيونية وإذاعية عامة، ومقالات صحافية، وإعلانات... النموذج المغربي استهدف بوضوح، من خلال الآلية التصاعدية، ذوي الدّخل المرتفع والقادرين على تحمل أسعار أعلى كالمستهلكين الصناعيين والمصانع الكبرى وأصحاب السيارات الفخمة.

447 مليار دولار استُخدمت لدعم المشتقات النفطية حول العالم


تونس: آلية التفافيّة
اضطرت تونس إلى الشروع في عمليّة رفع الدعم في عام 2012 بسبب القيود في الموازنة العامّة. بين عامَي 2005 و 2013، تضاعف الإنفاق على الطاقة والغذاء والنقل أكثر من ثلاثة أضعاف وارتفع من 2% من الناتج المحلي الإجمالي إلى 7% في عام 2013 بسبب ثورة 2011 والتدهور الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي الذي أعقب أحداث الثورة. إلا أنه في عام 2012، بدأت الحكومة التونسية تنفيذ استراتيجية تدريجية لخفض الدعم وترشيد الإنفاق العام. فارتفعت مباشرة أسعار البنزين والديزل والكهرباء بنسبة 7%، تلتها زيادات مماثلة في عام 2013.
ومن أبرز الإجراءات التي اتُّخذت لخفض دعم الطاقة لشركات الإسمنت إلى النصف حتى إلغائه بالكامل في عام 2014، وإدخال تعرفة كهرباء للأسر التي تستهلك أقل من 100 كيلوواط ساعة شهرياً. وبالتوازي مع ذلك، أدخلت الحكومة مجموعة إصلاحات اجتماعية من شأنها التخفيف من تأثير رفع الدعم، ومنها: إطلاق سياسة إسكانية (لم يتم تنفيذها فعليّاً)، زيادة الإعفاءات الضريبية للأسر الأكثر فقراً، وتوسيع مروحة برنامج التحويلات النقدية المباشرة لتشمل أكبر شريحة ممكنة من الشعب، وترافق ذلك مع حملة تواصل شاملة.

اليمن: فشل رفع الدعم
يشكّل النموذج اليمني مثالاً لعدم نجاح إجراءات رفع الدّعم الى حد كبير على مدى عدة سنوات. بدأت عمليّة رفع الدعم في اليمن في عام 2005 بدعم من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. بلغ الإنفاق من الموازنة اليمنية على دعم الوقود في عام 2008 أكثر من 34% من إجمالي الإنفاق الحكومي، أي أكثر من مرة ونصف مرة الإنفاق على التعليم والصحة مجتمعين.
تضمّنت الإجراءات الأولية عدة جولات من الزيادات في الأسعار التي رفعتها بأكثر من الضعف بين عامَي 2005 و 2010. في هذه الأخيرة، أدخلت الحكومة زيادات إضافيّة بنحو 30% على الوقود، وبنسبة 100% على الغاز المسال. وتبع ذلك في عامَي 2011 و 2012 زيادات في أسعار البنزين بنسبة 66% والديزل بنحو 100%. وفي عام 2014، قرّرت الحكومة إلغاء الدعم نهائياً ما أدّى إلى زيادة الأسعار بنسبة تُراوح بين 60 و90% بحسب المنتج، لكن هذه الخطوة افتقرت إلى حملة إعلامية مناسبة، وأسفرت عن احتجاجات عنيفة أجبرت الحكومة على التراجع جزئياً عن خطواتها في أيلول من العام نفسه. وكان يؤمل من هذه الجولة الأخيرة من الزيادات القيام بتدابير لتوسيع التمويل لصناديق الرعاية الاجتماعية، إلّا أن ذلك لم يحصل، وأتت الحرب اليمنية لتبعد الموضوع من سلّم الأولويات.

مصر: ارتفاع أسعار الكهرباء
ارتفعت نسب دعم المشتقات النفطية في مصر بمعدّل 26%بين عامَي 2002 و 2013، وزادت حصتها في الموازنة من 9% في عام 2002 إلى 22% في عام 2013، وحصتها من الناتج المحلي الإجمالي من 3% إلى 7% في الفترة نفسها. اضطرت الحكومة في بداية عهد السيسي في تموز 2014 الى زيادة أسعار جميع أنواع الوقود باستثناء الغاز المسال، وإعلان خطة تمتدّ لخمس سنوات يُرفع خلالها الدّعم بالكامل. نتيجة لذلك، ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي والوقود للاستخدام التجاري بنسبٍ كبيرة، وارتفعت أسعار الكهرباء لجميع المقيمين بنحو 50%.
يشكّل النموذج المصري مثالاً لكيفيّة استخدام الدّعم كذريعة لمعالجة التضخّم الإنفاقي في موازنات الدول، إلّا أنّه يؤشر أيضاً إلى دور النظام السياسي ومتانته والتزامه في تطبيق إجراءات كهذه، واختيار التوقيت السياسي المناسب الذي لا يؤدي إلى ردّة فعل شعبية معاكسة.

الوصفة السحرية
من كلّ ما تقدّم، يتبيّن أن ما من قاعدة واحدة أو مقاربة منهجية موحّدة أو حتى وصفة سحريّة لموضوع رفع الدّعم أو ترشيده، لكنّ المفارقة هي أن الدول المذكورة لم تكن في حالة إفلاس كما هي حالة لبنان اليوم، يتناتش سكانه المواد المدعومة، على قلتها، حتى قبل رفع الدعم، والذي سيرفع أسعار كل شيء، فيما إمدادات السلع لن تكون مضمونة.
من الأساسي أيضاً أن يتمّ طرح هذا الموضوع من منظار أي دولة نريد وما هي نوعية الخدمات التي سيتمّ تقديمها للمجتمع بعد رفع الدّعم؟ كما أنّ طرح الموضوع لا بدّ من أن يُقترن بتوفير أمور أساسية تتعلّق بخطّة نقل مشترك تحلّ مكان السيارات الخاصّة، وخطة سكن، ورعاية صحيّة شاملة، وغيرها من الأمور الحيوية التي تحتاج إلى وجود دولة تبتكر الحلول السياسية وتطرح نماذج اقتصادية بديلة.



إلامَ يهدف الدّعم أساساً؟
عادةً تنشأ سياسات الدّعم نتيجة تدخّلات متعمّدة من الحكومات، أو كتداعياتٍ غير مقصودة ناتجة من قرارات سياسية، أو نتيجة إخفاقات السوق. إنّ دعم قطاع الطاقة ليس بالضرورة سيئًا بحد ذاته، لكن إقراره يعتمد بشكلٍ رئيسي على آليات التنفيذ والأهداف التي يؤمل بلوغها من خلاله، وعلى تفاعل الدعم مع أولويات سياسية أخرى.
يهدف الدعم في قطاع الطاقة الى تحقيق أهداف محددة، أبرزها:
- تأمين طاقة/مشتقات نفطية بكلفة مقبولة للفئات الاجتماعية الميسورة.
- تصحيح الأسواق من خلال أخذ بعض العوامل الخارجية غير المسعّرة في الاعتبار.
- تحفيز التطوّر التكنولوجي وخفض أكلاف بعض التقنيات الجديدة.
- تقليل الاعتماد على الاستيراد وتعزيز أمن الطاقة.
- خلق دورة اقتصادية ووظائف جديدة.



اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا

تابع «رأس المال» على إنستاغرام