في الأشهر الأخيرة ازداد هامش الربحية لدى المصارف. الفضل يعود إلى مصرف لبنان الذي خفّض الفوائد على الودائع من خلال إصدار تعميم يحدّد سقوفاً منخفضة لفوائد الإيداعات بالليرة والدولار في إطار شرائح معيّنة، من دون أن يحدّد في المقابل سقوفاً للفوائد على إيداعات المصارف لديه. بمعنى آخر، إن الأرباح التي كانت تجنيها المصارف من الفرق بين كلفة الودائع التي تستقبلها، وبين مردود توظيفاتها، صار كبيراً جداً، ولم يسبق أن شهدته المصارف في السنوات العشر الأخيرة.

تُقاس معدلات الربحية في المصارف بواسطة هوامش الفائدة التي تعبّر عن الفرق بين كل الفوائد التي تقبضها المصارف من عمليات توظيف الأموال، وبين كل الفوائد التي تدفعها على كلّ الودائع. هي تستقبل الودائع بالليرة وبالدولار من الزبائن وتوظّفها في مجالات مختلفة مثل سندات خزينة محلية أو أجنبية، بالليرة أو بالدولار، أو شراء شهادات إيداع من مصرف لبنان بالليرة أو بالدولار، أو إيداعات لدى مصرف لبنان، أو استثمارات مالية أخرى عليها فوائد تعطيها مردوداً مالياً. مجموع عمليات التوظيف بالقيمة وأجل الاستحقاق، يُنتج إيرادات مالية في مقابلها كلفة تدفعها المصارف على الإيداعات أو على قروض حصلت عليها من مصارف أخرى أو من مصرف لبنان… الفرق بين المردود الإجمالي والكلفة الإجمالية، هو هامش الفائدة. وطالما يكون الهامش إيجابياً لمصلحة المردود، فهذا يعني أن المصرف يحقّق أرباحاً. كما يمكن اعتبار هذه الهوامش أداة لقياس مستويات مختلفة من الربحية، علماً بأن الأرباح المنتَجة من الفوائد تمثّل الجزء الأكبر من أرباح المصارف بينما العمولات هي الجزء الأصغر.


في السنوات الماضية كانت جمعية المصارف تستند إلى الهوامش المنخفضة لتدّعي أن مستويات الربحية منخفضة أيضاً، لكنها ما عادت تتطرّق إلى هذا الأمر منذ أن بدأت الهوامش بالارتفاع لمصلحتها.
فمنذ عام 2010 ولغاية مطلع 2019، كانت هوامش الفائدة في المصارف تتراوح بين نصف في المئة، و2% مع ميل نسبيّ إلى الحدود الأدنى. في آذار 2018 ارتفع الهامش على حسابات الدولار إلى 2% لمدة ستة أشهر، ثم انخفض في أيلول من السنة نفسها من دون أن ينخفض كثيراً.
وفي مطلع 2019، بدأت ملامح الأزمة النقدية - المالية تظهر تدريجاً في بنية النظام المصرفي. ففي ظلّ الحاجة الماسة لمنع الدولارات من الهروب إلى الخارج، بدأت تزداد معدلات الفائدة على الدولار. وهو أمر ساهم فيه مصرف لبنان بشكل أساسي من خلال الهندسات المالية التي نفّذها في تلك الفترة من أجل استقطاب الدولارات. يومها بدأت المصارف تعرض على زبائنها فوائد مرتفعة على الدولار وصلت إلى حدود 23% مقابل تجميد مبالغ تفوق 20 مليون دولار، ثم كانت تودع هذه الأموال لدى مصرف لبنان. سلوك هذا الأخير كان مدفوعاً بحاجته الماسّة إلى إعادة تكوين احتياطاته بالعملات الأجنبية التي بدأت تُستنزف بسبب هروب الودائع. فأصحاب الودائع، وخصوصاً أولئك الذين يملكون معرفة بالأوضاع المالية والنقدية، عملوا على سحب ودائعهم من لبنان اعتباراً من 2017 خوفاً من انهيار مقبل.
عملياً، كلّما زادت الفائدة التي تحصل عليها المصارف من توظيف الأموال لدى مصرف لبنان، كلّما زادت الفائدة التي تمنحها المصارف لزبائنها لإغرائهم في إبقاء ودائعهم في لبنان. قلّة فقط اعتبرت هذا الأمر بمثابة مؤشّر على ارتفاع المخاطر في النظام وهربت فيما تمكّنت المصارف من إغراء القسم الأكبر بفوائد غير مسبوقة وخصوصاً على ودائع الدولار. وبنتيجة الأمر، أدّى ذلك في منتصف عام 2019، إلى هبوط حادّ في هوامش الفائدة لدى المصارف بالليرة والدولار. ففي شباط 2019 انخفض الهامش على حسابات الليرة إلى 0.30%، بينما لم ينخفض الهامش على حسابات الدولار إلى هذا المستوى، إلا في تشرين الأول 2019 حين بلغ 0.32%. يومها كانت المصارف تعمل على جبهتين؛ وقف نزف الودائع من النظام المصرفي، ووقف انحدار هوامش الفائدة. فقرّرت بالتنسيق مع مصرف لبنان، أن تحدّ من التدهور عبر فرض قيود غير نظامية على عمليات السحب والتحويل. في تلك اللحظة فقط، صار المودعون منتبهين أكثر إلى حقيقة إفلاس المصارف.


لكن بعد تخلّف لبنان عن سداد ديونه بالعملات الأجنبية، واندلاع الصراع على توزيع الخسائر الحاصلة في النظام المصرفي، طالبت الحكومة بخفض معدلات الفوائد أملاً بإطلاق بعض الأموال في السوق والحدّ من الخسائر التي يتكبدها مصرف لبنان في ميزانيته ما يتطلب أن يكون هناك خفض في فوائد الودائع وخفض مماثل على ودائع المصارف لدى مصرف لبنان.
بشكل مجتزأ، قرّر مصرف لبنان خفض الفائدة، فأصدر التعميم 544 الذي يحدّد فيه سقوف الفائدة على الودائع المجدّدة أو الجديدة اعتباراً من 13 شباط 2020، لكنه ترك للمصارف تحديد الفوائد على توظيفاتها، أي إن المردود الذي تتلقاه المصارف من توظيف الأموال لدى مصرف لبنان ظل ينتج فوائد مرتفعة. بنتيجة هذا الأمر، وبمرور الوقت، انخفضت كلفة الودائع على المصارف، بينما ظل مردود التوظيفات مرتفعاً، ما أدّى إلى ارتفاع الهوامش مجدداً. خلال بضعة أسابيع ارتفع الهامش ليبلغ مستويات قياسية فسجّل في شباط 2020، نحو 1.97% على حسابات الليرة و2.55% على حسابات الدولار، وبلغ في تموز 2020 نحو 3.12% على الليرة، و2.53% على الدولار.
هذا الأمر يوفّر للمصارف أرباحاً كبيرة لا تزال تتقاضاها من توظيف أموالها في مصرف لبنان. هذا الأخير يخلق كميات كبيرة من النقد من أجل تسديد فواتيره للمصارف ولتوفير السيولة اللازمة في السوق، وهو أمر يضغط على سعر الصرف أكثر فأكثر. هذه الهوامش المرتفعة ليست سوى دليل على سوء الأوضاع في النظام المصرفي. لا يعقل بأيّ شكل من الأشكال اعتبار هذه الهوامش مؤشّراً إيحابياً في ظلّ إفلاس أزمة نقدية - مالية - مصرفية كبرى كالتي نشهدها حالياً. عندما تصبح المؤشرات غير مترابطة مع الواقع، فهي تدلّ على موقع العلّة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا