من وجهة نظر «نيو كينزية» يتطرّق مدير الأبحاث في «معهد ليفي للاقتصاد في كلية بارد» جان كريغيل إلى أخطاء التعامل مع تداعيات «كوفيد 19» على الاقتصاد الأميركي. يعتقد كريغيل أن التعامل مع أزمة «كوفيد 19» من خلال سياسات نقدية تقليدية لضخّ النقد الجديد في شرايين العرض والطلب كانت مبنيّة على تشخيص خاطئ. ففي البدء، يعتقد كريغيل أنه يتحتّم الاعتراف بأن الأزمة استثنائية وأن التعامل معها يجب أن تكون أولوياته توفير الأكل والشرب للناس مباشرة من قِبل الحكومة، وتعليق التعاملات المالية والمصرفية خلال فترة الإغلاق وفترة التعافي أيضاً حتى لا تزداد نسب التخلّف عن السداد، ثم توزيع الخسائر على كلّ الوحدات الاقتصادية من مؤسسات وعمّال.

ورقة العمل التي أعدّها كريغيل بعنوان «سياسات الاقتصاد الكلّي البديلة لمواجهة الركود الاقتصادي الوبائي»، تستند إلى انطلاق موجات إضافية من الوباء. فهناك عدد من الدول التي تشهد موجة ثانية أو ثالثة منه، فضلاً عن ارتفاع في معدلات الإصابة بالعدوى، وبالتالي قد تعود الدول مجدّداً إلى فرض القيود على نشاطات الأعمال، بالإضافة إلى الدرجات المختلفة من الحجر. وفي أميركا تحديداً، فإنّ الأوضاع السياسية تجعل من الاستجابة الفيدرالية المنسّقة أمراً غير مرجّح، «لذا من المهمّ دراسة المقاربة الأفضل للسياسات الاقتصادية في التعامل مع أزمة «كوفيد 19» إذا عدنا إلى ضرورة الإغلاق الكامل». لتحقيق هذه الغاية، «هناك منهج بديل يختلف عن السائد، فضلاً عن استجابات أخرى مستوحاة من السياسات الكينزية. فمنذ إعلان تفشّي المرض لأوّل مرّة في الصين، والتعامل معه من خلال حجر صحي صارم، كان التركيز الأوليّ على خفض الإنتاج بسبب تعطل سلاسل التوريد العالمية، ما أدّى إلى الضغط على الإمدادات والأسعار. وعندما بدأت الجائحة بالظهور في أوروبا والولايات المتحدة، وتعليق أنشطة الإنتاج غير الأساسية، تحوّل النقاش سريعاً نحو انهيار الطلب، فضلاً عن صرف العمّال أو منحهم إجازات قسرية. في هذا الإطار، تحوّل التركيز من دوامة تضخّمية إلى ركود أو كساد، أو كليهما».
يشير كريغيل إلى النقاش السائد حول السياسات المطبّقة يتمحور حول «معالجة اختناقات العرض وفشل الطلب». لكن المشكلة أنه في خلفية هذه النقاشات كانت الأزمة المالية العالمية حاضرة أيضاً، وهذا ما أنتج إجراءات غالبيتها دعم مالي مماثل للدعم المستخدَم بعد عام 2008 والذي يؤدي إلى زيادة الإنفاق على العجز الحكومي، وانخفاض أو انعدام معدلات الفائدة لتعويض التراجع في الإنتاج ودعم الطلب. بهذا المعنى، تحرّك المجلس الاحتياطي الفيدرالي بسرعة بشأن أسعار الفائدة وتوسيع ميزانيته العامة، فيما أصدر الكونغرس حزم «تحفيز» متعدّدة لتعويض المداخيل والعمالة التي فقدت. «انضمّ الديمقراطيون الكينزيون إلى الجمهوريين للقول إنه لا يوجد ما يدعو للخوف من الإنفاق عبر العجز وتوسيع الدين العام (الأميركي). كان الخطأ هو في البداية، إذ أدّى إلى الاستجابة عبر سياسات خاطئة. كان هناك سوء توصيف للمشكلة التي تواجه الاقتصاد». يستنتج كريغيل هذا الأمر من خلال التطوّرات المتعلقة بالوباء وبتشخيص الأزمة. فالتطورات في الصين، كشف مبكراً أن الفيروس يمثّل حالة من عدم اليقين المطلق والشامل والتام لجهة طبيعته وأثره. «كينز تحدّث بالفعل عن الاستجابة الطبيعية في حالات كهذه قائمة على الافتراض بأن الغد سيكون مثل اليوم، أي العودة إلى أمر تعرفه. هذا ما حدث. كان الرد الرسمي «لا داعي للذعر، فنحن نعلم أنه تمت السيطرة على السارس وفيروس كورونا في نهاية المطاف، لذلك لا داعي للقلق كثيراً». باختصار، كان أول عمل تجاري، هو منع الذعر. وهو أمر كان، خارج الصين، سهلاً للغاية في ظلّ غياب دليل حقيقي على وجود الفيروس قبل شباط.
منذ ذلك الوقت، جرى التعامل مع الأزمة من خلال سياسات تقليدية تستهدف العرض والطلب. فسارعت المصارف المركزية إلى خفض معدلات الفوائد حتى وصلت إلى الصفر وسلبية أحياناً، كما ضخّت الأموال عبر إعادة شراء سندات الخزينة. والحكومة أصدرت حزم دعم تستهدف الطلب من جهة من خلال منح أموال للمواطنين، والعرض من جهة أخرى من خلال دعم الشركات عبر إعفاءات ضريبية ودعم مباشر حتى لا يضطروا لصرف العمال أو الإقفال كلياً.
يرى كريغيل أن هذه السياسات أثبتت فشلها. «فالتعافي الجزئي الذي شهدته اقتصادات هذه البلدان كان نتيجة إعادة الفتح التي حدثت تدريجياً مع بداية فصل الصيف، وقد جاء هذا الأمر على حساب القطاعات الصحية في هذه البلدان التي عادت لتشهد مجدّداً موجات انتشار جديدة للفيروس أشرس من السابقة. ها نحن نشهد العودة إلى إجراءات الإقفال في معظم هذه البلدان، لا سيما في أوروبا، الأمر الذي سينعكس على الاقتصاد مجدداً».
إذاً ما كان يجب القيام به هو أمر مختلف بحسب كريغيل. كان يجب التأكّد من أن الجميع لديه القدرة على إدارة عملية النجاة من الفيروس من خلال الحجر الصحي في المنزل. كان ضرورياً تطبيق حزم التحفيز الحكومية بطريقة عادلة حتى لا تزداد سوءاً فجوة انعدام المساواة في الدخل والثروة». يتطلّب هذا الأمر آليات استجابة مختلفة عن تلك المعتمدة أيام الكساد العظيم في الثلاثينيات: «تعزيز الثقة بأنه يمكن التغلّب على الوباء». بمعنى آخر، يجب خلق إحساس بالأمن والأمان ومسار واضح للخروج من خطر المرض والبطالة لمكافحة الخوف وعدم اليقين من فقدان الوظيفة. كيف يمكن أن يتم ذلك؟ من الواضح أنّ الإغلاق يعني عدم العمل، وعدم العمل يعني عدم وجود طلب على العمالة، والبقاء في المنزل يعني أن ليس لديك إمكانية إنفاق الكثير. ما كان مطلوباً هو ضمان البقاء على قيد الحياة، وليس ضمان الدخل. إذا بقي الجميع في المنزل، حتى لو فقدوا وظائفهم، فسيكون لديهم ما يكفي من الطعام والبقاء على قيد الحياة من دون خوف من القيود التي تلي فقدان الدخل. الولايات المتحدة لديها نظام الحدّ الأدنى من إعانات البطالة والدعم الغذائي المقدّم من الدولة لتوفير الأمن الغذائي للأسر منخفضة الدخل. «كان أحد الاحتمالات هو دعم دخل الجميع من خلال توسيع هذه البرامج لتشمل كل شخص مصنّف على أنه خاضع للإغلاق. جوهر الإغلاق يعني تعليق آلية السوق وسوق العمل وسوق الاستهلاك والنشاط العام. إن توفير تحويلات نقدية يتطلب المشاركة في السوق؛ إذا السوق لم تكن موجودة، فلن تعمل. يجب توفير الدعم من قِبل منظمة مركزية - من قبل الحكومة».

على الجميع الاعتراف بأنّ هذه الأزمة استثنائية وأن «المنطق» السائد لم يعُد ينفع، بل يُعدّ توزيع الخسائر الحتمية واجباً وإلّا ستكون النتائج وخيمة


لذا يقترح كريغيل مجموعة من الإجراءت البديلة. بعضها مجرّب سابقاً، ولكنها كلّها يعني أن هناك أزمة استثنائية ويجب التعامل معها بشكل استثنائي على قاعدة «النجاة»:
- يجب خلق مؤسسة تُعنى بتوزيع الطعام على كل الناس وتتأكد من أن كلّ فرد يحظى بما يكفيه من الأكل، وتقوم بإعادة تشكيل قطاع خدمات الأكل ليصبح قطاع توزيع. هناك تجربة سابقة ناجحة في هذا المجال: تجربة هيربيرت هوفر الذي ذهب إلى بلجيكا في الحرب العالمية الأولى وألّف جمعية تُعنى بتوزيع الأكل على الشعب البلجيكي بعدما توقف الاقتصاد كلياً في ذلك البلد المحتلّ من ألمانيا آنذاك، ولم يعد قادراً على استيراد الأكل (وكان يشكّل الأكل المستورد ثلاثة أرباع الاستهلاك الغذائي). تكلّلت عمليته بالنجاح، ما يعني أن الفكرة قابلة للتطبيق وهي أفضل من إرسال 1200 دولار لكل فرد في البلد ليستهلك بضائع غير موجودة.
- كل دخل هو في المقابل إنفاق. فالإنتاج يخلق مداخيل وزيادة في الإنفاق الاستهلاكي. وفي هذه المعادلة لا منفعة من استهداف عنصر واحد منها من دون البقية. ففي حال كان أحد هذه العناصر متعطّلاً، فإن استهداف أي عنصر آخر لن يغير شيئاً. والعنصر المعطَّل في هذه الحالة هو الإنتاج بسبب الإقفال. وإذا كانت الشركات لا تنتج فلا نفع من إرسال رزم دعم لها، إذ لا كلفة إنتاج لديها وهي ليست بحاجة لدفع الأجور للعاملين لأن الحكومة تتكفّل بتأمين الحاجات الأساسية للجميع.
- الأكلاف الثابتة على الأفراد تبقى على كاهل المواطن حتى في حالة الإقفال، مثل الإيجارات وأقساط الديون الإسكانية. هذه الأكلاف ليست بحاجة لدعم مالي من الحكومة، بل يمكن تعليقها لأن المالكين عليهم أن يتحمّلوا كلفة الإقفال أيضاً كما يتحمّلها الفرد. الإقفال الناجح يتطلّب أن تحصل كل وحدة اقتصادية على الحدّ الأدنى من المداخيل والأكلاف. ما يعني أن على الجميع المشاركة في الخسارة.
- يجب تعليق كل التعاملات المالية خلال الإقفال، وخصوصاً التعاملات المصرفية بما فيها سداد الديون وخدمتها من أجل تفادي ارتفاع معدلات الديون التي لن تسدّد بطبيعة الحال في هذه الفترة، وهذا الأمر يشمل فترة التعافي بعد الإقفال حتى لا يخلق مشاكل مالية كبيرة مثل عدم القدرة على السداد.
- على الجميع الاعتراف بأنّ هذه الأزمة هي أزمة استثنائية، وعليهم أن يتفهّموا أن «المنطق» الذي كان سائداً قبلها لم يعد ينفع، وأن توزيع الخسائر الحتمية واجب، وإلّا ستكون النتائج وخيمة. فالعودة إلى الحياة الطبيعية تتطلّب وقتاً طويلاً فيما على الحكومات أن تكون مسؤولة عن صمود كل أفراد شعبها لا سيما الفئات الأفقر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا