بات هناك إقرار واسع بأنّ الدّين العام في لبنان بلغ مستويات لم يعد ممكناً الاستمرار بخدمتها، وبالتالي يوجد خطر جدّي أن تبلغ الدولة مرحلة العجز عن السداد في حال استمرّ الوضع على ما هو عليه في السنوات الثلاث المقبلة. وهذا الخطر لا يهدّد المجتمع فحسب، في ظلّ التداعيات المحتمَلة على الصعد المختلفة، بل يهدّد أيضاً الدائنين أنفسهم الذين سيضطرون عاجلاً أم آجلاً إلى التعامل مع مدين «مفلس». ففي هذه الحالة، لا يعود هناك أيّ جدوى من المطالبة بسداد أصل الدَّين والفوائد، وفي النهاية سيعملون على شطب الديون الهالكة من سجّلاتهم، وهذا ما يحصل بصورة معتادة بين المصارف (الدائنة) وزبائنها (المدينين). فعلى سبيل المثال، كانت ديون الشركات والأسر الهالكة أو المهدّدة بالهلاك (المصنّفة للمتابعة والتسوية) لدى المصارف اللبنانية تقارب 12 مليار دولار في عام 2017، أو 20% تقريباً من مجمل ديون هذه المصارف للقطاع الخاص في لبنان، وهي نسبة مرتفعة جدّاً، وقد عملت المصارف على نقل أكثر من مليار و100 مليون دولار إلى حسابات خارج ميزانياتها، كما عملت على تملّك أصول استيفاء لديون بقيمة مليار و300 مليون دولار، واحتفظت بنحو 3 مليارات و600 مليون دولار من الديون غير المُنتجة لأي فوائد، فضلاً عن نحو 5 مليارات و800 مليون دولار موضوعة في خانة الشكوك بتحصيلها.

اتساع الإقرار بوصول الدَّين الحكومي اللبناني إلى الخط الأحمر بالفعل، لا يتصل بالنماذج الرياضية التي تسعى إلى تحديد الحدّ الأقصى الذي يمكن أن يبلغه هذا الدَّين كنسبة من مجمل الناتج المحلّي، قبل أن يصبح «غير مستدام» أو «غير آمن» (وفق المصطلحات الشائعة). فالدَّين الحكومي في لبنان، أي الدَّين المُسجّل في الموازنة العامّة من دون الديون على مصرف لبنان والمؤسّسات العامّة الأخرى، تجاوز كل النسب التي تحدّدها هذه النماذج، ولا سيما نسبة الـ60% التي حدّدتها اتفاقية ماستريخت لدول الاتحاد الأوروبي. إذ قفز الدَّين الحكومي من 46% من مجمل الناتج المحلّي في عام 1993 إلى 66% في عام 1994 وإلى 107% في عام 1998 وبلغ أعلى مستوى له 183% في عام 2006، ليتراجع قليلاً إلى 131% في عام 2012 قبل أن يعاود تحليقه ويبلغ 158% حالياً ويتوقّع أن يلامس نسبة 200% في غضون السنوات الخمس المقبلة. هذا التطوّر يعني أن نسبة الدَّين الحكومي من مجمل الناتج المحلّي بلغت مستويات قياسية في السابق أعلى ممّا هي عليه الآن على مدى ثماني سنوات متتالية على الأقل بين عامي 2001 و2008. وهذا ينطبق على نسبة عجز الموازنة العامّة من مجمل الناتج المحلّي التي بلغت 24% في عام 1997 وبقيت أعلى من النسبة الحالية (8-9% تقريباً) طيلة 13 عاماً بين عامي 1994 و2006.
ما الذي تغيّر إذاً؟ ولماذا كل هذا القلق من مؤشّرات سبق أن اختبرنا ما هو أسوأ منها؟ يكمن الجواب في أن مسألة الدَّين العام كما هي مطروحة في لبنان حالياً ليست إلّا الجزء الأكثر نفوراً من أزمة نموذج تمويل الاستهلاك، الذي أفرط في الاتكال على التحويلات من الخارج بدلاً من زيادة ناتج العمل، وسمح بتركّز رأس المال في المصارف والعقارات والاستيراد، وتراكم الأرباح من الريع والفوائد والاحتكارات.
يعتمد هذا النموذج التمويلي على استمرار تدفّق تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج. وبدرجة أقل على مواصلة تضخيم الدَّين الخارجي، بما فيه ودائع غير المقيمين. وبدرجة أقل بكثير على الاستثمار الأجنبي المباشر إلى سوق العقارات، وتدفق السيّاح... إلا أن المؤشّرات منذ عام 2011 تبيّن أن هذه المصادر الأربعة تتقوّض باستمرار، فقد بيّنت الحسابات القومية الصادرة عن إدارة الإحصاء المركزي أن صافي تحويلات العاملين (أي بعد حسم تحويلات الأجانب من لبنان إلى الخارج) انخفض من 3.4 مليار دولار في عام 2015 إلى 2.4 مليار دولار في عام 2016 وإلى 1.2 مليار دولار في عام 2017، ويتوقّع أن يكون قد واصل انخفاضه في هذا العام. ولم تتجاوز الاستثمارات الأجنبية المباشرة 2.6 مليار دولار في عام 2017. في حين سجّلت صادرات الخدمات، وأهمّها السياحة، انخفاضاً بنسبة 6% بين عامي 2016 و2017... وأدّى ذلك إلى تفاقم العجز في الحساب الجاري، فارتفع من 16.3% من الناتج المحلّي الإجمالي (2002 – 2010) إلى متوسّط بلغ 20.1% (2011 – 2017).
باختصار، لم يعد نموذج التمويل المُعتمَد منذ تسعينيات القرن الماضي يسمح بالحصول على العملات الأجنبية المطلوبة (نحتاج إلى نحو 13 مليار دولار سنوياً)، كما لم يعد يسمح بالحصول على التدفّقات الخارجية لتنشيط الاستهلاك كمحرّك رئيس للنموّ الاقتصادي. وهنا تكمن الأزمة الراهنة، ولذلك يجري طرح مسألة العجز في الموازنة العامة والمديونية العامة وضرورة اتخاذ الإجراءات لاحتوائهما.
ولكن، هذا النوع من الأزمات لا تنفع معه سياسات التقشّف المطروحة، لأن العجز هو القناة الرئيسة لجذب التدفّقات الخارجية عبر رفع الفوائد، والدَّين هو القناة الرئيسة لامتصاص هذه التدفّقات وتوظيفها. وبالتالي لا يتم طرح التقشّف لتخفيض الدَّين العام بقدر ما يتمّ طرحه لإفساح المجال أمام المزيد من الدَّين. في المقابل، يوجد تلاقي مصالح بين فئات اجتماعية متناقضة لاستبعاد التضخّم كخيار من أجل التخلّص من جزء من الدَّين العام وخدمته، فضلاً عن أن بنية الديَّن نفسه وارتفاع حصّة الدَّين بالعملات الأجنبية يجعلان من أثر هذا الخيار محدوداً جدّاً. أمّا الخصخصة، فإن بيع كل الأصول العامة لن يكون كافياً لتسديد الدَّين، علماً أن عمليات التخلّي عن هذه الأصول تؤدّي بالتوازي إلى انخفاض إيرادات الخزينة العامة، وبالتالي زيادة العجز وعودة الدَّين إلى مساره الصعودي، فضلاً عن أن الخصخصة هي بحدّ ذاتها من أسوأ الوسائل وأبشعها وأكثرها فساداً. فماذا يتبقى إذاً من خيارات؟
من وجهة النظر التقنية، ليس مفهوماً إطلاقاً هذا الإصرار على استبعاد «قص الشعر» الطوعي أو الجبري أو شطب الدَّين الحكومي أو جزء منه، كما أن الإعلان المستمرّ عن الالتزام بتسديد كل الفوائد وفي مواعيدها يعدّ أمراً غبياً لا يُقدم عليه أي مدين في أي ظرف. طبعاً، يوجد الكثير من التفسيرات في الاقتصاد السياسي لهذا الإذعان للدائنين ومصالحهم، ولكن في السوق ولغته لا يوجد مثل هذا الأمر.
تنطوي عمليات إعادة هيكلة الدَّين العام وجدولته أو شطب الدَّين والتخلّص منه على أشكال ووسائل كثيرة، لا يمكن حصرها، كما توجد في السياسة الضريبية طرق ومسالك لا تحصى ولا تعد لمعالجة العجز من دون الاضطرار للجوء إلى التقشّف، كما أن الضريبة الاستثنائية تقدّم إمكانات هائلة لقص الشعر وتخفيض الدَّين العام بشكل كبير، وربّما إلى الصفر. وهذا ما يجب طرحه كبرنامج بديل.
يتبع