توجد وسائل عدّة اعتمدتها الدول لإجراء تخفيض في مديونياتها العامّة. يمكن اختزالها بخمس وسائل أساسية: التضخّم، التقشّف، الخصخصة، قص الشعر، أو شطب الديون... وغالباً ما اعتُمد مزيج من هذه الوسائل المختلفة تبعاً لميزان القوى الاجتماعي السائد والمصالح المُسيطرة على الدولة والاقتصاد. بمعنى، أن هذه الوسائل، من أي نوع كانت، لا تقدّم أي حلول تقنية أو قوانين أو نظريات علمية لكيفية التعامل مع الدين، سواء بوصفه خبيثاً أو حميداً، وإنّما تأتي تعبيراً عن مساومات وخيارات سياسية تتصل بسؤال محوري تدور حوله مسألة الدين العام برمّتها، من ألفها إلى يائها: من هم الذين عليهم أن يتحمّلوا الكلفة والتبعات؟ سواء أكان القرار الإبقاء على هذا الدين وزيادة كلفته ومواصلة تسديد فوائده، أم تقرّر ضبط الدَّين أو تخفيضه أو شطبه عبر وسيلة من الوسائل الجبرية أو الطوعية أو ما بين بين.

وفق التجارب التاريخية، يعدّ التضخّم الوسيلة الأكثر استخداماً لتخفيض الدَّين. فسعر سند الدين (مع الفائدة) يُحدّد مسبقاً عند إصداره ويبقى ثابتاً حتّى موعد استحقاقه، سواء كان هذا الموعد بعد 3 أشهر أو بعد ثلاثين سنة. بمعنى أن الدَّين أصل اسمي لا يتغيّر سعره بتغيّر الأحوال ولا بتغيّر الأسعار في سوق التداول الثانوية (كالذي يحصل حالياً لسندات اليوروبوندز اللبنانية)، وبالتالي ستنخفض قيمة الأصل الحقيقية (بالأسعار الحالية) كلّما حصل التضخّم لأيّ سبب كان. وهذا ينطبق أيضاً على حالة تخفيض سعر صرف العملة المحلّية، فإذا انخفضت بنسبة 50% مثلاً، ستنخفض القيمة الحقيقية للدَّين المسعّر بالعملة نفسها.
مشكلة التضخّم عموماً أنه قابل للتوقّع، ويسبّب دائماً «أضراراً جانبية»، وقد لا يكون قابلاً للسيطرة والتحكّم، وهو في كلّ الأحوال يسفر عن خسائر ليست موزّعة بعدالة، فعلى عكس ما يحصل على جبهة أكثرية الأسر، حيث ترتفع أسعار الاستهلاك وتنخفض القيمة الشرائية للأجور، يمتلك المستثمرون في الدَين مركز قوّة وأفضلية، وسيكونون قادرين على تعويض أي خسائر قد تلحق بالقيمة الحقيقية لسنداتهم، ما داموا يمتلكون سلطة الدائن، ويمتلكون بالتالي معلومات لا يمتلكها الآخرون، ما يسمح لهم بالتحوّط واستغلال الفرص لتحويل الخسائر المُحتملة إلى أرباح فورية (كما يحصل مثلاً في الهندسات المالية التي يجريها مصرف لبنان، إذ بحجّة المخاطر التي تهدّد النظام المصرفي وسعر صرف الليرة والدائنين أنفسهم، تُضَخّ مليارات الدولارات من المال العام إلى المصارف وكبار المودعين).
في الحالة اللبنانية، توجد مصالح اجتماعية متشابكة تجعل وسيلة التضخّم وتخفيض سعر صرف الليرة مكروهة من الجميع. فهي ليست في مصلحة رأس المال المالي والمصرفي (ولا سيّما الودائع المتراكمة في المصارف)، ولا في مصلحة العاملين بأجر أو شبه الأجر الذين يتقاضون أجورهم بالليرة (وهؤلاء يمثّلون فعلياً الشريحة الأكبر من القوى العاملة في لبنان، سواء العمّال النظاميون وغير النظاميين في القطاعين العام والخاص والقسم الأكبر من المصنَّفين مستقلّين يعملون لحسابهم).
هذا التشابك بين المصالح ليس إلّا الإرث الذي ورثه الجيل الحالي من الجيل السابق، أي الجيل الذي استفاد في العقد الأوّل بعد الحرب من قيمة شرائية مرتفعة جرى تمويلها بالدَّين على حساب الجيل المقبل والأجيال التي ستليه. لولا هذا، لما كانت سياسة تثبيت سعر صرف الليرة إزاء الدولار لتصمد كل هذه المدّة الطويلة (منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي)، ولما كان السياسيون والمواطنون وأصحاب المشاريع ارتضوا كلّهم سياسة أسعار الفوائد السخيّة التي كانت السبب الرئيس لارتفاع الدَّين العام إلى هذا المستوى الخطير. معضلة هذا التشابك الحالية تكمن تحديداً في أن الجيل الحالي لم يعد لديه مصلحة واضحة في استمرار هذا التشابك، فكل من بلغ الخامسة والعشرين من عمره يدخل إلى العمل اليوم وهو محمَّل كلفة سابقة ترتّبت عن طريقة تمويل القدرة الشرائية لوالديه، ولكنّه لا يشعر بأن أمامه خياراً، فالمطروح أمامه إمّا القبول بمواصلة تسديد هذه الكلفة، وإمّا الانهيار. فكل حديث يتناول السياسة النقدية في لبنان يتحوّل فوراً إلى حديث عن «الانهيار». وهذا ليس حديثاً من دون أساس، بل هو التعبير الأوضح عن تسليم الجميع بأن المصالح الكامنة في الدين العام اللبناني قوية ونافذة إلى درجة تجعلنا نصدّق أنها قادرة ومستعدّة لتدمير الهيكل فوق رؤوسنا. بات من غير المسموح لمثل هذا الحديث أن يبدو بديهياً، ولا سيّما في معرض البحث عن سبل تخفيض قيمة الدين العام، على الرغم من اتساع الإقرار بأن أساس نشأة الدَّين وأهدافه ووظائفه تتصل اتصالاً وثيقاً بالكلفة الباهظة التي ترتّبت عن خيارات السياسة النقدية نفسها. لقد بُذِل جهد ملموس لجعل كل تعديل على السياسة النقدية مرادفاً للاستقرار، علماً أن تثبيت سعر الصرف ليس مرادفاً بالضرورة للاستقرار النقدي، وتوجد أنظمة كثيرة في العالم لا تعتمد سياسة التثبيت، ولكنّها أكثر استقراراً بكثير من أنظمة تعتمد التثبيت، وهذا أمر بديهي ما دامت التوازنات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا تتحدّد فقط عبر سعر الصرف.
على أي حال، هناك أسباب بنيوية في حالة الدَّين الحكومي اللبناني تقلّل من أثر التضخّم أو تخفيض سعر الليرة على قيمة هذا الدين. فهو مرتفع كثيراً بالقيمة الاسمية، ويحتاج تخفيضه بشكل ملموس إلى معدّلات تضخّم مرتفعة جدّاً لا يمكن تخيّل آثارها وتداعياتها، فضلاً عن أنه يحتاج لفترات طويلة من التضخّم ليكون أثره ملموساً على صعيد تخفيض أصل الدين. إذ يبلغ الدَّين القائم في نهاية عام 2018 نحو 120 مليار دولار، 85 مليار دولار منها تمثّل القيمة الاسمية لأصل الدَّين، و35 مليار دولار قيمة الفوائد المستحقّة لهذا الأصل التي لم يحن موعد سدادها بعد. وهو موزّع بين 56% بالليرة اللبنانية، و44% بالعملات الأجنبية، فمن أصل الدَّين الحكومي هناك نحو 37 مليار دولار مسعّرة بالعملات الأجنبية، وهذا الجزء من الدَّين سيبقى بمنأى عن تأثير خفض سعر الليرة، بل إن قيمته الحقيقية إزاء العملة المحلّية سترتفع بدلاً من أن تنخفض. ويرتّب الدين بالعملات الأجنبية فوائد سنوية بلغت في العام الماضي نحو 2.2 مليار دولار، أي إن خدمة الدَّين الخارجي تمثّل 40% من مجمل خدمة الدَّين، وبالتالي سيبقى وزن الفوائد على الدَّين بالعملات الأجنبية مرتفعاً جدّاً في الموازنة. وهناك نحو 18 مليار دولار من الفوائد على الدَّين الخارجي القائم يستحقّ سدادها تباعاً في السنوات المقبلة، وبالتالي سيبقى وزنها ثقيلاً. باختصار، إن دين الحكومة اللبنانية القائم (الأصل والفوائد) بالعملات الأجنبية في نهاية عام 2018 يبلغ 55 مليار دولار، أي ما يوازي الدخل القومي للبنان في السنة نفسها. وهذا عامل مهمّ في النظر إلى جدوى تخفيض سعر صرف الليرة كوسيلة لتخفيض الدين العام. وسيكون مفيداً في هذا السياق التذكير بأن معظم الدين الخارجي اللبناني يستثمر فيه مقيمون، أي إنه دين محلّي، ولا تتجاوز توظيفات غير المقيمين (ولا سيّما الأجانب) نحو 12 مليار دولار، أي 14% من مجمل أصل الدين الحكومي و32% من مجمل الدين بالعملات الأجنبية.
أمّا الدَّين المسعّر بالليرة اللبنانية، فهو لبّ السياسة النقدية المُعتمدة، وهو الأداة التي تُدار من خلالها السيولة ويوظَّف الجزء المهمّ من التدفّقات الخارجية المطلوبة سنوياً. تبلغ القيمة الاسمية لهذا الدَّين ما يعادل 48 مليار دولار، وترتّبت فوائد عليه بما يعادل 3.3 مليارات دولار في العام الماضي، وهذه الكتلة من الفوائد مضافاً إليها الفوائد التي يسدّدها مصرف لبنان للمصارف هي التي استُخدِمَت كي تصمد السياسة النقدية المُعتمدة حتّى الآن، والتي أدت إلى ربط المودعين ربطاً وثيقاً بالدَّين العام عبر الدائنين، ولا سيّما المصارف المحلّية.
يتبع