بعد الانتكاسات المتلاحقة التي تعرّض لها مزارعو اللوز والعنب في البقاع على مدى السنوات الأربع الماضية، وفي ظل غياب التعويضات واكتفاء الدولة بالوعود، لم يجد هؤلاء بديلاً عن اقتلاع بساتينهم وكرومهم، واستبدالها بعشرات الآلاف من غروس الزيتون، في محاولة منهم للحصول على زراعة تقاوم عوامل التغير المناخي من جهة، وتردع احتكار التجار لمواسمهم من جهة أخرى. هكذا توسعت زراعة الزيتون في جرود بعلبك ـــــ الهرمل وسهولها. ومع انطلاق موسم قطف الزيتون، بات مشهد تجمهر عشرات المزارعين أمام معاصر الزيتون منذ الصباح الباكر حتى ساعات متأخرة من الليل مألوفاً، تزامناً مع احتلال صناديق الزيتون البلدي، بنوعيه الأزرق والأسود، الأسواق التجارية والشعبية.

استبشر مزارعو الزيتون في المنطقة خيراً بالموسم «الجيد»، يقول زين فخر الدين، علماً أن الأمطار هطلت باكراً هذا العام، ما أثر في حبات الزيتون. إلا أن الموسم الجيد لم ينسحب على إنتاج الزيت، بحسب فخر الدين، الذي يشرح أن «إنتاج الزيت لم يكن جيداً، بعدما لاحظ معظم المزارعين تدنياً في عطاء حبات الزيتون للزيت». وأوضح أنه «سابقاً، كانت كل 4 إلى 5 كيلوغرامات من الزيتون تعطي كيلوغراماً من زيت الزيتون البلدي. أما هذا العام، فالكمية نفسها تعطي من 600 إلى 700 غرام».
بدوره، وصف المزارع خليل السبلاني إنتاج الموسم بـ «العجيب»، بعدما تمكن من قطف «ما يقارب 2600 كيلو من الزيتون، من 230 كعباً في بستانه في بلدة فلاوى»، لكنه فوجئ بتراجع كمية الزيت المستخرجة منها، وهي 271 كيلو غراماً فقط.
غالباً ما لا يحمّل المزارعون أنفسهم مسؤولية تراجع إنتاج الزيت هذا العام، مكتفين «بالاستغراب». في المقابل، يعزو فادي جمال الدين، صاحب معصرة «كرومنا» في محلة التل الأبيض ـــــ بعلبك، تدني إنتاجية زيت الزيتون إلى أسباب عدة، أهمها «غياب المعرفة الكافية لدى بعض المزارعين بالأوقات المحددة والمناسبة لقطف الزيتون، إذ يسود اعتقاد خاطئ لدى المزارعين بأن موعد القطف يحين بعد هطول الأمطار مباشرة»، موضحاً أن الزيتون يتمتع بقدرة على «تحمل الثلوج، التي تكسبه نسبة زيت أكبر». ويضيف إن «بعض المزارعين يدركون جيداً الموعد المناسب للقطف، لكنهم يقدمون عليه مبكراً مرغمين، بسبب الضائقة الاقتصادية والمعيشية وحاجتهم إلى السيولة المادية، إضافة إلى ندرة العمال السوريين وقرب موعد رحيلهم قبل فترة الأعياد، وبالتالي ارتفاع كلفة قطف حبات الزيتون التي وصلت مؤخراً إلى 350 ليرة للكيلو غرام الواحد».
وتعدّ زراعة الزيتون من الزراعات القليلة التي يمتهنها صغار المزارعين، من دون أيّ سند أو عون من الدولة. ويؤكد جمال الدين أن مزارعي الزيتون في بعلبك ـــــ الهرمل «يفتقرون إلى الإرشاد من قبل مهندسين زراعيين، وغياب التعاونيات التي بإمكانها توفير أسواق تصريفية». ويلفت إلى استغراب مزارعي المنطقة «إقدام الجيش اللبناني على افادة جميع المناطق بشراء إنتاجها من زيت الزيتون، وتحديداً من حاصبيا، فيما تمنينا أن يطلب الجيش من منطقة بعلبك ـــــ الهرمل توفير طلباته، ولو مرة واحدة».
وكان لرئيس تعاونية إنتاج وتسويق اللوز والزيتون في البقاع الشمالي خليل محفوظ، رأي متشائم، إذ لفت إلى أن قطاع الزيتون في المنطقة بات «مأساوياً، رغم الإنتاج الجيد هذا العام، الذي سيتكدس حاله حال إنتاج الأعوام الماضية، من دون التمكن من تصريفه من خلال إقدام الدولة على شرائه أو تصديره إلى الخارج». ورأى أنه يجب على الحكومة «ممارسة دورها في حماية القطاع من خلال تنفيذ خطوات جدية، أهمها شراؤها إنتاجية زيت الزيتون من المزارعين كخطوة دعم لهم وبسعر لا يقل عن مئة دولار للتنكة الواحدة، فضلاً عن وقف استيراد الزيوت من الخارج، وبيعها على أنها بلدية».
وخلص محفوظ إلى أنه يترتب على وزارة الزراعة «الاهتمام بتكثيف استصلاح الأراضي، وتوزيع نصوب الزيتون المؤصلة على المزارعين، وإرشادهم إلى الوسائل التي تزيد من الإنتاجية، وتحسّن النوعية وتساعد على تصريف المحاصيل». ولفت إلى «أهمية الدور الإعلامي الذي يجب أن تقوده الوزارة، من خلال التركيز على نوعية الزيتون في المنطقة، وجودته (نسبة الحموضة لا تتعدى 1 في المئة)، علماً أن مواصفات زيتون بعلبك ـــــ الهرمل فريدة وغير موجودة في مناطق أخرى، عدا خلوّه من الأمراض، وقلة نسبة الأسيد فيه».