تبدو أم علي شديدة التعلق بزيت الزيتون، حتى تكاد تعجز عن الأكل من دون إضافته إلى الأطباق التي تعدّها يومياً. تقدّر طعمه وقيمته الغذائية، وخصوصاً أنها لا تأكل إلا ما ينتجه بستانها. تتحدث بإسهاب عن لذّة طعم زيت الزيتون الذي ينتجه سنوياً بستانها الصغير بأشجاره الثلاثين. جارتها فاطمة تتفنن أحياناً في إطلاق التسميات عليه. إنه «ملك السفرة»، ولا تكاد تخلو منه مائدة الطعام البعلبكية. يُضاف إلى الوجبات الغذائية على اختلافها، وخصوصاً أنه «يتميز بطعم فاخر ورائحة عطرية زكية، فضلاً عن كونه مصدراً مهماً للطاقة والفيتامينات». إذا لم يكن ملكها، فهو مطيّبها بالتأكيد.

بعد قطاف «الزيتون الخضير البكر»، تشرف أم علي على غسل حباته بغية تنظيفها من الأتربة والأوساخ، لينقل بعدها إلى المعصرة، فتحصل على كمية تكفيها وعائلتها. تستمتع بهذه العلاقة مع الزيتون، وخصوصاً أنها تقوم بـ«تربيته». عملية التخزين، بحسب أم علي، تجري وفقاً للطريقة التقليدية التي ورثتها عن آبائها وأجدادها. وتلفت إلى ضرورة حفظ الزيتون بعيداً عن الحرارة والهواء، وعدم خلط الإنتاج الجديد بالقديم «حتى لا يتغير طعمه».
تبدو لائحة المطبخ البعلبكي التي يدخل فيها زيت الزيتون طويلة، وتشمل وجبات النهار كافة. على سبيل المثال، يزين الزيت البلدي الأخضر صحون اللبنة والكشك والفول المدمّس. وللسلطات حصتها الوافرة أيضاً: التبولة والفتّوش وغيرها، فضلاً عن «الحمّص والبابا غنّوج». لكن أم علي ترفض استعمال «الزيت الأصلي» في القلي أو لدى إعداد المأكولات التي تتطلب درجة حرارة عالية، موضحة أن «حرق زيت الزيتون يفقده قيمته الغذائية».
بدوره، رأى خليل السبلاني أن ميزات الزيتون لا تقتصر على الطعم اللذيذ الذي يضفيه على الطعام، إذ يعدّ من «الزراعات المباركة والمفيدة». عدّد بعض الفوائد التي خبرها من أهله وأجداده، قائلاً إنه «يمكن الاحتفاظ بزيت الزيتون سنوات عدة من دون أن يتأكسد، فضلاً عن أنه يساعد على تقوية عمل الكبد والجهاز الهضمي، ويخفّض نسب الكوليسترول في الدم، ويستخدم كمغذٍّ للشعر وفي صنع مستحضرات التجميل».
وتجدر الإشارة إلى أن المعتقدات الشعبية نجحت ربما في توظيف زيت الزيتون للوقاية من الأمراض. على سبيل المثال، يؤمن البقاعيون بأن زيت الزيتون يقي من سرطان الأمعاء، ويستعمل لتليين القشور الجلدية كالأكزيما ومرض الصدفية، والإمساك والسعال و«الحكة الجلدية»، إضافة إلى إزالة قمل
الرأس.
وإذا كان البعض يحصر اهتمامه بحبات الزيتون والزيت المستخرج بعد العصر العذري (على البارد)، فإن أم علي تعتمد كثيراً على أوراق شجرة الزيتون أيضاً، فتجمع النضرة منها، وتستعملها لمعالجة التهابات المفاصل.
أم علي ليست إلا نموذجاً في منطقة تقدّر الزيتون وتعمل على الاستفادة منه إلى أقصى حدّ.