لا تزال غرفة الطفل إبراهيم، في مستشفى صيدا الحكومي، خاضعة لحراسة أمنية، حيث يخضع ابن الثماني سنوات للعلاج من الحروق البالغة والجروح العميقة في جسده الغضّ، والناجمة عن آثار التعذيب الوحشي على يد المشتبه فيه زوج والدته، المشتبه فيها أيضاً بالاشتراك في الجرم. والاثنان موقوفان حالياً رهن التحقيق، فيما وُضع الطفل تحت رعاية وزارة الشؤون الاجتماعية التي تتكفل بنفقات علاجه، على أن ينقل لاحقاً إلى مؤسسة الأب عسيران الاجتماعية لتلقي الرعاية اللازمة.

وفيما يتماثل إبراهيم للشفاء، تكشّف أن لزوج والدته «مآثر» أخرى وآثار طعنات لا تزال موسومة على وجه دينا (24 عاماً) التي وقعت ضحية استغلاله بسبب ظروف حياتها القاسية. فبعدما انفصلت عن زوجها، لجأت مع طفلها إلى كنف أهلها في الضاحية الجنوبية. بيد أن المعاملة القاسية التي كانت تلقاها من والدها دفعتها الى التخطيط للزواج بزميل لها في المقهى الذي كانت تعمل فيه، فهربت معه إلى صيدا، وتحديداً إلى حي السكة الملاصق لمخيم عين الحلوة. هناك «أودعها» العريس، على سبيل «الأمانة»، في منزل صديقه (زوج والدة إبراهيم)، على أن يأتي صباح اليوم التالي لاصطحابها لعقد القران، لكن، عندما أتى لاصطحابها، أبلغه صديقه بأن دينا «فلّت وتركت البيت»، فيما كان قد خبّأها في غرفة النوم بعدما أقفل عليها، إذ إنه رأى في وجودها فرصة ذهبية لاستغلالها كخادمة بالسخرة في المنزل، وخصوصاً أن زوجته كانت في الشهر الأخير من حملها. وطوال فترة إقامتها، التي امتدت 20 يوماً في منزل الزوجين، تعرضت دينا لـ«أقسى أنواع الذل»، إذ إن الزوج كان «عصبي المزاج، وخصوصاً أنه يتعاطى حبوباً مخدرة، فكان ينهال عليها بالضرب بهراوة مصنوعة من الكاوتشوك لأتفه الأسباب»، وهو أخفى أمر وجودها في المنزل عن الزوار، باستثناء بعض الأصدقاء، خوفاً من افتضاح أمره. وبقيت دينا على حالها إلى أن وضعت الزوجة مولودها، فـ«أُفرج عنها» قبيل أيام من نقل إبراهيم الى المستشفى وإلقاء القبض على الزوجين، لكن بعدما خسرت فرصة الاستقرار مع زوج يرعاها، وفرصة العمل في المقهى الذي كانت تعمل فيه، لتعيش الآن مشردة بين التجمعات الفلسطينية في صيدا، إذ إنها تخشى العودة إلى منزل أهلها بعدما هربت منه.
دينا نفت تعرضها للاستغلال الجنسي من قبل الزوج، لكن بعض الجيران يؤكدون أنه كان يجبرها على تناول حبوب مخدّرة، وعلى ممارسة الدعارة مع بعض الشبان الذين كانوا يتردّدون على منزله، مقابل مبالغ زهيدة.
عضو اللجان الشعبية الفلسطينية في صيدا، فؤاد عثمان، ناشد وزير الشوؤن الاجتماعية وائل أبو فاعور إنقاذ الفتاة من حياة التشرّد خشية تعرضها للاستغلال مجدداً، فيما وضعت الناشطة الحقوقية رلى عاصي ما تعرضت له في خانة الاتجار بالبشر، ولم تستبعد وجود «دعارة مقنّعة وراء ذلك»، مشيرة الى أن «المشاكل الاجتماعية تؤدي إلى هذا الانحلال الأخلاقي». ولفتت، من جهة أخرى، إلى أن هذه المرأة «تبدو مستضعفة مرتين: أولاً لكونها أنثى لا تتمتع بالحماية الاجتماعية في مجتمعنا، وثانياً لأن سوء حالتها الاقتصادية قد يشرع الأبواب أمام تعرّضها للاستغلال مجدداً».