كان الوضع السياسي متأزّماً بشدة عام 2006، ومعظم اللبنانيين منقسمون بحدّة بين فريقي 8 و14 آذار. على الرغم من ذلك، لم يحل هذا الأمر دون ولادة اتحاد بلديات البقاع الأوسط، واستطاع القيّمون على الاتحاد أن يضموا اثنتي عشرة بلدية إليه. إلا أن هذا النجاح لم يعمّر طويلاً، ودائماً بسبب السياسة، التي ازدادت حدّة المواقف فيها بين طرفي الصراع، وبالتالي بين مناصريهما، ما أدى إلى خروج بلدية بر الياس السابقة من الاتحاد. وهذا ما فرض على بلديتي مجدل عنجر وعنجر الخروج بدورهما، بعدما فقدتا الشرط الأساسي لانضمامهما إلى الاتحاد، وهو التداخل الجغرافي، لأن المجدل مرتبطة بعنجر، وعنجر مرتبطة ببر الياس، وبر الياس مرتبطة بتعنايل.

وفي المقلب الآخر، خرجت بلدية شتورا التي حالت دون تواصل الاتحاد جغرافياً مع تعلبايا وسعدنايل. بعد نتائج الانتخابات الأخيرة للبلديات، لتلحق بها بلدية جديتا إلى اتحاد بلديات قضاء زحلة، وأيضاً لاعتبارات سياسية.
هكذا رست أشرعة الاتحاد على أربع بلديات فقط، هي: قب الياس، مكسه، بوارج والمريجات، علماً بأن الأخيرة لا تزال تنتظر انتخاب مجلس بلدي لها بعدما عُطّلت الانتخابات فيها بسبب خلافات على الحصص الطائفية بين الأطراف المتنافسة. والكلّ يتذكر أن الخلاف انطلق من عدم الموافقة على كسر العرف المتفق عليه بأن تكون رئاسة المجلس للطائفة السنية، ونيابتها للطائفة المسيحية. هكذا تسلّمت بلدية قب الياس رئاسة الاتحاد باعتبارها أكبر البلدات البقاعية، وأنيط موقع نائب الرئيس ببلدية بوارج. أي أن اتحاد بلديات البقاع الأوسط لم يشهد معركة انتخابية على منصب الرئيس ونائبه، خلافاً لما شهدته الانتخابات البلدية في قب الياس من معركة «شرسة»، استخدمت فيها جميع أنواع «الأسلحة الانتخابية»، على الطريقة اللبنانية، من مال ونفوذ سياسي وإعلامي، وخصوصاً أنها اتخذت أبعاداً سياسية أكثر منها عائلية.
رئيس الاتحاد، فياض حيدر، اعتذر عن عدم الحديث بسبب أشغاله، موكلاً مهمة الحديث عن الاتحاد وإنجازاته وتحدياته إلى عضو الاتحاد، رئيس بلدة مكسه، خليل الميس. الأخير يبدأ حديثه من السياسة، شارحاً كيف تناقص عدد البلديات المنضوية في الاتحاد «نتيجة الواقع السياسي انسحبت بعض البلديات، ما أدى إلى تراجع بلديات أخرى لفقدان الترابط الجغرافي. مثلاً بلدية بر الياس امتنعت عن الدخول لاعتبارات سياسية حينها، ما حال دون وصول بلديتي مجدل عنجر وعنجر الى الاتحاد، بعدما فقدتا عامل التواصل الجغرافي الذي على أساسه تقوم الاتحادات». لكن الوضع اختلف اليوم، إذ إن المجلس البلدي الحالي لبلدية بر الياس، وأيضاً مجلسي بلديتي مجدل عنجر وعنجر، قدموا قرار مجالسهم بالموافقة على الانضمام الى الاتحاد، «ونحن اليوم بانتظار موافقة وزارة الداخلية». أسباب أخرى لانسحاب البلديات من الاتحاد، هي النموذج الذي تقدّمه بلدية شتورا، التي «عوض أن تكون في اتحادنا، ذهبت الى اتحاد بلديات قضاء زحلة ليتولى رئيسها منصب نائب رئيس الاتحاد، وبسببه لم تنضمّ بلديتا تعنايل وسعدنايل إلى اتحادنا لعدم التلاصق العقاري مع البلدات الباقية في الاتحاد». إزاء هذا الواقع، يخرج الميس بخلاصة أن الاتحاد يعمل على الخدمات الإنمائية المتشابكة عقارياً.
ويلفت الميس إلى أن هذه الإشكالات، التي وقعت، وقفت حاجزاً أمام عدة مشاريع كان الاتحاد يعمل عليها: «مشكلة المشاكل في قرى البقاع الأوسط، بدءاً من بوارج والمريجات وجديتا وشتورا وتعنايل، هي الصرف الصحي، الذي يصب في الأنهار التي تمر في قب الياس وشتورا وبر الياس. وإذا لم يكن هناك تعاون بين هذه البلديات أو اتحاد يحضنها، فلا يمكن أن يقام أي مشروع جماعي ولا يمكن أن تحلّ مشكلة الصرف الصحي من دون حل مشكلة جديتا وشتورا اللتين تنضويان في اتحاد بلديات قضاء زحلة».
وفي الحديث عن إنجازات الاتحاد والمشاريع التي يعمل عليها، يكرّر رئيس بلدية مكسه خليل الميس عبارة «في الاتحاد قوة»، معتبراً أن ما استطاع اتحاد بلديات «الأوسط» إنجازه عجزت عنه اتحادات أخرى. ويعدّد في هذا الإطار بعض الإنجازات، ومنها «التوأمة مع مقاطعتي مومبريال وبولفور في فرنسا، هذه التوأمة جاءتنا بعدة مساعدات من تجهيز مركز الدفاع المدني بسيارات آليات ومعدات». أما المشروع الأهمّ فهو مشروع معمل لفرز النفايات «وقد حدّدنا مكاناً وسطياً في قطعة أرض في بلدة بر الياس، وأعطى مجلسها البلدي الموافقة على إنشاء المعمل، وقد عاين مندوبون من مومبريال وبولفور قطعة الأرض هذه، على أن يباشر العمل خلال الأشهر المقبلة». ويرى خليل الميس أن هذا الأمر يمكنه أن «يحلّ مشكلة نفايات بلديات الأوسط وجزء من بلديات البقاع الغربي، وهي مشكلة تؤرق الجميع، عدا عن الاختناق من رائحة دخان النفايات التي لا تزال تعالج بالحرق، لعدم قدرة بلدياتنا على كلفة رميها في مكبّ زحلة، الذي يتقاضى عن كل طن واحد 13 دولاراً». وتمهيداً لحلّ هذه المشكلة، استطاع الاتحاد أن يؤمن سيارة «لكنس» الطرقات، عدا عن عدة شاحنات مخصصة لنقل النفايات، ومجهزة بأحدث المواصفات.
إنجاز آخر يحرص الميس على ذكره هو تأسيس مكتب للاتحاد بين بلدتي مكسه وقب الياس، «جُهّز بمختلف أنواع المفروشات والأجهزة الحديثة. كما اشترينا بوبكات مجهزة بمكنسة لتنظيف الشوارع، ونقّابة لتكسير الصخور، وبحّاشة لزرع الشجر، إضافة إلى بيك آب لنقل الردميات». يسهب الميس في تفنيد الأعمال التي قام بها الاتحاد في البلدات الأربع، في إشارة منه إلى أن حصة كلّ بلدية من الاتحاد 60 مليون ليرة سنوياً. وفي هذا الإطار، يرى الميس أن التوافق هو سبب نجاح عمل الاتحاد، «ولرئيسه كل الفضل في الوصول إلى الإنجازات من دون تمييز. ونجاح العمل الإنمائي والاجتماعي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالنشاط والمتابعة، لتتقدم الضروريات على الكماليات، وهذا ما ميّز اتحادنا عن غيره».
أما بالنسبة إلى العوائق التي يعانيها الاتحاد اليوم وفي المستقبل، فيشير الميس إلى مشروع إنشاء محطات تكرير لمياه الصرف الصحي التي تصبّ في أنهر وأقنية تجري ضمن نطاق قب الياس ومكسه وتعنايل. يقول «أحد هذه العوائق يتداخل مع قرى الاتحاد عقارياً في مناطق آهلة بالسكان وبالمؤسسات التجارية، ومع بلديات منضوية في اتحاد آخر، بحجة أنها متشابكة عقارياً مع بلدات في اتحاد آخر. ولو كان هذا التشابك في أراض سليخ كبلدية جديتا، عقاراتها وتشابكها مع بلدات اتحادنا، لكنها انضوت في اتحاد بلديات قضاء زحلة». ومن هنا يشدّد على أهمية الانضواء في اتحاد كبير يجمع عدداً أكبر من البلدات، وخصوصاً أن «أي مشروع يقدم إلى أي جهة مانحة أو رسمية لا يؤخذ كمشروع فردي، بل كمشروع جماعي، وهذه هي ميزة عمل الاتحاد». وعن حل مشكلة الصرف الصحي، لفت إلى أن الاتحاد قدّم مشاريع عدة لإنشاء محطات تكرير للمياه المبتذلة في عدد من القرى، «الكلفة مرتفعة جداً ولا يستطيع الاتحاد أن ينشئها في الوقت الحاضر. ونحن بانتظار أي جهة مانحة لتتبنى هذا المشروع، رغم أن الشبكات الداخلية لقرى الاتحاد جديدة وجاهزة لأن تتصل بمحطات تكرير».
وعن علاقة العمل البلدي الإنمائي مع «أهل السياسة»، يقول: «في بلدنا لا يمكن أي عمل أن يرى النجاح ما لم يكن قائماً على التواصل مع سياسيي المنطقة ومراجعاتهم. كثيراً ما تحاسب البلديات على مواقفها السياسية المغايرة للفريق السياسي القائم».