ثمة عقوبة جنائية ينص عليها قانون العقوبات اللبناني اسمها «الأشغال الشاقة». لكن إبراهيم، السجين المحكوم عليه بهذه العقوبة، لا يعلم عنها شيئاً. تنتظر منه جواباً إيضاحياً، فيرد عليك سائلاً: «صحيح، ما هي الأشغال الشاقة هذه، ترى هل يقصدون بها الحفر في الصخر كما نشاهد في الأفلام المصرية؟ صراحة، لا أعلم». تسأل قاضياً عن طبيعة هذه العقوبة، التي تنزلها محاكم الجنايات باستمرار بالمحكومين، فيجيب: «لا علم لديّ عن مدى تطبيقها في لبنان، لكن ما أعرفه أن تحديد طبيعة الأشغال ونوعيتها يعود للقائمين على إدارة السجون». قاضٍ آخر يؤكد أن هذه العقوبة كان معمولاً بها في السابق، قبل أن يردف: «صدقني. مجرد إرسال البشر إلى سجن رومية يعدّ أشغالاً شاقة لهم، شاقة جداً».

إذاً، يمكن إضافة المادة 45 من قانون العقوبات إلى جانب كثير من المواد القانونية غير المعمول بها في لبنان، رغم النص الصريح عليها، وإن اختلفت الأسباب. وتنص المادة المذكورة على أنه «يجبر المحكوم عليهم بالأشغال الشاقة على القيام بأشغال مجهدة، تتناسب وجنسهم وعمرهم، سواء في داخل السجن أو في خارجه». على كل حال، ربما يكون عدم العمل وفقاً للقانون هذه المرّة، في هذه المادة تحديداً، أمراً إيجابياً بالنسبة إلى المحكوم بالأشغال الشاقة، لأنه، أولاً: لم تعد تدرج هذه العقوبة بكيفيتها القديمة في القوانين الحديثة لدى كثير من الدول، وذلك انطلاقاً من مبدأ «أنسنة» القوانين، ما يستدعي تعديلات في النصوص في لبنان، وثانياً، لأنه، بحسب وزير الداخلية مروان شربل، فإن السجناء «اللي فيهم كافيهم، وهم يعيشون في سجون لا تصلح أصلاً لعيش البهائم».
ولكن، بعيداً عن الأشغال الشاقة، ماذا عن الأشغال «الناعمة» والمريحة، التي يمكن عامةَ السجناء، مهما كانت عقوباتهم، أن يزاولوها مقابل أجور مالية؟ هذا الإجراء الإصلاحي غير موجود في سجون لبنان اليوم، على رغم وجود نص صريح على وجوب تفعيله بحسب التفصيل الوارد من المادة 117 إلى المادة 131 من مرسوم تنظيم السجون الصادر عام 1949.
وليس خافياً أن إجراء تشغيل السجين مقابل أجر مالي، وهو أمر قائم في معظم سجون العالم، كفيل بحل كثير من المشاكل التي تحصل في السجون، أهمها أن المعني يشعر بالرضى عن ذاته عندما يصبح قادراً على جني المال، ما يزيد من ثقته بنفسه ويجعله لا يحتاج إلى عطف أو «حسنة» الآخرين، إضافة إلى ميزة «تعبئة» الوقت (البطيء جداً داخل جدران السجن)، وبالتالي تضاؤل نسبة لجوء السجين إلى سلوكيات تدمر ما بقي لديه من أمل، مثل تعاطي المخدرات أو افتعال المشاكل والشجارات التي تصبح مع الوقت عادة لديه. ولأنه لا أحد يشعر بالألم كصاحبه، يؤكد أحد السجناء، القابع خلف جدران رومية منذ 4 سنوات، أن مسألة التشغيل مقابل أجور «كفيلة بحل 90% من مشاكل نزلاء السجن، فبعضهم يريدون سجائر أو أغراضاً للاستخدام اليومي، لكنهم لا يملكون المال اللازم، لذا تراهم يعملون في ترويج المخدرات لدى بعض التجّار داخل السجن». ويسأل: «لماذا لا تمكننا الدولة من العمل في النجارة وحدادة السيارات أو الحدادة الافرنجية، ولماذا لا يفتتحون معامل خياطة ومصانع بلاستيك مثلاً، نحن مثل الناس في الخارج، ما من مهنة أو صنعة إلا تجد من يتقنها بيننا».
يُذكر أن مرسوم تنظيم السجون ينص على أن «الدولة تقدّم الأدوات اللازمة للعمل والمعامل، ويجوز أن يجلب السجناء هذه الأدوات وتبقى لهم. وتشغّل المعامل تحت إدارة لجنة إدارية تكون مسؤولة لدى وزير الداخلية، وتؤلف من مدير الداخلية أو منتدب عنه (رئيساً) والمدّعي العام أو معاونه (نائب رئيس)، إضافة إلى قائد الكتيبة وقائد السجن». السؤال، أين هي هذه اللجنة اليوم؟ الجواب بكل بساطة... غير موجودة.
النائب غسّان مخيبر، الذي وضع في الآونة الأخيرة تقريراً مفصلاً عن أوضاع السجون اللبنانية، أوضح أن المعامل المنصوص على إنشائها كانت قبل عام 1975 قائمة، وكان السجناء يجنون مردوداً مالياً من العمل فيها، ولذلك يفترض إعادة إقامتها. يعطي مخيبر مثالاً على سجن زحلة، الكائن في منطقة زراعية، بحيث «يمكن إفساح المجال للسجناء للعمل في حقول الزراعة، وهذا إجراء معمول به في كثير من دول العالم، ومنها دول قريبة مثل الأردن، إضافة إلى المصانع والمعامل المختلفة».
من جهته، يؤكد رئيس جمعية «عدل ورحمة» (التي تعنى بأوضاع السجون) الأب هادي عيّا أن تفعيل عمل السجناء، الذي ينص عليه القانون، هو «الحل الأساسي برأيي لمشاكل السجون، المهم أن يشعر السجين بأنه شخص منتج، وبعدها سيرى الجميع النتائج الإيجابية سريعاً». ويوضح عيّا أن ثمة «أشغالاً خفيفة موجودة اليوم في سجن رومية، ونحن نشرف عليها، ولكن لا يعمل فيها إلا نحو 60 سجيناً فقط من أصل آلاف. وبالمناسبة، هناك طاقات مهمة بين السجناء، فبعضهم لديه شهادات أكاديمية مهمة، ومنهم من لديه موهبة الكتابة الأدبية. الاستفادة من هؤلاء لا تحتاج إلى مصانع، بل يمكن جمع ما لديهم وفق خطة معينة». ويشير إلى «نماذج من السجون في إيطاليا، حيث تأتي شركات كثيرة بمشاريع أشغالها وتضعها بين أيدي السجناء، كل بحسب اختصاصه، في مقابل عائدات مالية»، لذا «يمكن الدولة في لبنان أن تجري عقوداً من هذا النوع مع الشركات التجارية التي لديها صناعات مختلفة، وتحيلها إلى السجون لإنجازها، وفق خطة تضمن المراقبة والتسليم». ويلفت عيّا إلى أن بعض المسؤولين «لا يمتنعون عن البناء فحسب، بل يهدمون ما يبنيه الآخرون»، مشيراً الى مشروع زراعي (مشتل ورد) عُمل به سابقاً في رومية، وكان يستوعب بعض السجناء ويتقاضى الواحد منهم نحو 20 ألف ليرة في اليوم، إلى أن قرر أحد الضباط خربطة هذا المشروع لأسباب غير مفهومة».
وزير الداخلية الذي وعد السجناء بألا ينسى معاناتهم، والذي علّق كثيرون منهم آمالاً عريضة عليه في مسألة العمل داخل السجون، علماً بأنه هو المسؤول عن اللجنة المفترض وجودها قانوناً، كما أنه كان، قبل أكثر من 20 عاماً، مسؤولاً عن سجن رومية. يقول: «الحرب الأهلية خربت كل شيء. قبلها كان بعض السجناء ينهون مدّة عقوبتهم ولا يخرجون من السجون، مصرّين على إنهاء العمل الذي بين أيديهم قبل أن يغادروا. وكانوا يحصلون على مردود مالي وكان بعضهم يرسل المال إلى ذويه أيضاً. لكن، اليوم ضاقت السجون كثيراً، والأماكن التي كانت مخصصة للعمل وضع فيها سجناء، وقد تُلِفت عدّة العمل». ويجزم شربل بأن الحديث عن تشغيل السجناء اليوم لا يفيد، لأنه «لا إمكان لذلك». ويلفت الى أن قرار موافقة مجلس النواب على بناء سجون جديدة، في المحافظات، سيسمح «حتماً» بالعمل وفق مرسوم تنظيم السجون. هكذا، إلى أن أن تبنى السجون، وإلى أن يباشر السجناء العمل، يحلو لسجين أن يردد: «قوم فوت نام وصير حلام، إنّو السجن صار سجن، مش... زريبة».




«قجّة» من عرق جبينهم

قبل نحو 6 أشهر، خرج حسين من سجن رومية بعد 5 سنوات. خرج كما دخل، فارغ الجيوب من أي ليرة. لم يكن يملك أجرة التاكسي التي أقلته إلى بيروت، حيث منزل عمّه. عاد الشاب إلى السجن بعد 3 أشهر فقط، بعد عملية سرقة ضبط أثناء تنفيذها. ربما ما كان ليعود إلى السجن لو خرج منه وبحوزته مبلغ من المال «من عرق جبينه» يسعفه إلى حين. في هذا الإطار، يذكر أن المادة 131 من مرسوم تنظيم السجون تنص على أن «أجور السجناء العمّال تحفظ في صندوق السجن، ولا يحق للسجين العامل أن يتصرّف إلا بنصف حصته، أما النصف الآخر فيحفظ له كأمانة إلى حين إتمام مدة حبسه، فيقبض ما تراكم لحسابه دفعة واحدة عند خروجه من السجن». يُشار إلى قانون تنفيذ العقوبات، الذي أنجزته لجنة الإدارة والعدل النيابية أخيراً، يربط استفادة السجناء من خفض العقوبات بقاعدة حسن السلوك، ولكن إذا كان السجين لا يعمل، ولا نشاطات أخرى يزاولها، فكيف للمعنيين، والحال كذلك، تحديد ماهيّة حسن السلوك؟ جواب أحد المعنيّين: «تساؤل في محلّه، مسألة تحتاج إلى حل»!