بيروت مدينة بات الصراع للمحافظة على شيء من هويتها وذاكرتها نضالاً. نضال ضد من يعتقدون أنه لم يكن لهذه المدينة ذاكرة قبلهم. أولئك الذين ما إن وطئت أرجلهم مكاتبهم، حتى ظنّوا أنّهم آلهة في أرض ليس لها ماضٍ، او في أرض ماضيها لا يرضيهم، فقرروا إلغاءه. 

حين استملكت سوليدير عقارات وسط بيروت، ساد منطق يقول إن الحرب الأهلية لم تكن. وبدأت عملية إزالة الردم، التي تبين لاحقاً أنها عملية إزالة هوية وذاكرة جماعية لفترة تاريخية معينة. فهدم الأبنية، التي تعود الى الانتداب الفرنسي والحكم العثماني، كان محدوداً، خارج إطار الأسواق القديمة. أما المباني المشيدة بين خمسينات وسبعينات القرن الماضي، فقد تعرضت لعملية إزالة ممنهجة. أين هي قاعات السينما في بيروت؟ أين هي مقاهي بيروت القديمة؟ أين هي مكاتب الشركات؟ أين هي بيروت قبل الحرب؟ لم يعد من ذكرها إلا مبنى السينما سيتي، المعروف ببيضة بيروت.
إزالة تلك المباني أدت فعلياً الى محو ممنهج للذاكرة الجماعية لجيل عرف بيروت قبل الحرب. جيل كان يمكن أن يخبر عن تاريخ المدينة القريب ويأخذك لترى شواهد تلك الفترة. فتكون الذاكرة الشفهية مشتركة ولها معالم تؤرخها، لكن ما حصل في بيروت هو عملية انتقاء لفترة تاريخية معينة، وإزالة كل شواهدها. فتلك المدينة التي ضجت بالثقافة والعلم، تلك المدينة التي كانت رائدة للحركة الثقافية في العالم العربي، لم يعد مرغوباً فيها. بدأت عملية إزالتها على نحو سريع ومتقن، مبنى تلو آخر، ولم يبقَ منها شيء يذكر. لم يبقَ من شاهد على ذاكرة جماعية لا تزال حية. 
فبيروت التي نهضت من مشاريع سوليدير هي مدينة عاشت فترتين من الزمن، لا ثالثة فعلية لهما. من جهة، هناك بيروت بداية القرن العشرين، ومن جهة أخرى، بيروت الشاهدة على حضارة القرن الواحد والعشرين بما فيها من أبراج باطونية وواجهات زجاجية، وفنادق ومكاتب... وأسواق طبعاً.
الهدف من هذا التدمير قد يكون أيديولوجياً، او على الأقل يخدم مصلحة أيديولوجية. فبيروت وصلت الى هذا الجيل مدينة لا تحمل ذكريات الأحياء منّا، بل تبرز تاريخاً لأجداد غبروا. وبذلك، لا يمكن اتهامها بأنها من دون تاريخ... لكن لم يعد فيها معلم يوحد تاريخها الحاضر بماضيها القريب. هكذا تقتل المدن مرتين. مرة في الحروب، ومرة في إعادة إعمار ممنهج على دفن ثقافتها. 
المحافظة على مبنى البيضة واجب، لا لأهميته الهندسية وحسب، بل أيضاً لأنه آخر شاهد على مرحلتين من تاريخ العاصمة قبل الحرب الأهلية وبعدها. من دون البيضة، ستصبح بيروت مدينة مرحلتين فقط: ولادتها الأولى من العهد العثماني الى الفرنسي، وولادتها الثانية مع رفيق الحريري.
فهل المطالبة بالذاكرة الجماعية مشروعة في بلاد يحكمها المال والسلطة؟