مع فتح الحكومة الجديدة ملف التعيينات الادارية، بدءاً من اليوم، تبدو الأنظار كلّها موجّهة صوب المقر العام للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. هناك، لا يزال اللواء أشرف ريفي يمارس مهمات المدير العام وفق المعتاد. يستقبل الزوّار، يقدّم الدروع التكريمية ويشرف على سير عمل المديرية، بالتنسيق مع رفيق السلك السابق الوزير الحالي للداخلية مروان شربل. دور ريفي اليوم لا يشبه ذاك الذي كانه أثناء العهد الحريري السابق.


الهاتف الخلوي مغلق، والتصريحات السياسية والصحافية خفتت، والترقّب بات سيد الموقف. يمكث المدير العام ساعات طويلة في مكتبه، في ثكنة المقر العام في الأشرفية، بعيداً من عائلته المقيمة في طرابلس. يبدأ نهاره باكراً لينتهي قرابة العاشرة قبل منتصف الليل. يراقب عن بعد ما يجري في سوريا، ليستشرف المشهد السياسي اللبناني. ورغم الصلة المتينة التي تربطه بكل من الرئيس نجيب ميقاتي ووزير الداخلية مروان شربل، يبدو أن شاغل القلعة الأمنية ذات الهوى «المستقبلي» يتجه أكثر فأكثر الى أن يكون أمام خيارين أحلاهما مرّ: البقاء المشروط أو الرحيل.
هذا ما يراه متابعون لأوضاع المديرية. وفي المقابل، يؤكد مقربون من المدير العام أن الطمأنينة تسكن نفس اللواء ريفي هذه الأيام. وهي طمأنينة المرتاح لمصيرٍ يعلم أنه «بيد الله وحده». فالرجل المؤمن بقضاء الله وقدره يعي دقة المرحلة جيّداً. وبالتالي، فقد جهّز نفسه للتعامل مع أي وضع يستجدّ، مع يقينه بأن سلطته التي كانت مطلقة في المديرية أيام «الحريرية»، لن تبقى على ما هي عليه في ظل حكم الأكثرية الجديدة.
أنصار التغيير يرون في بعض الخطوات مؤشراً الى بداية نهاية «الريفية» داخل المديرية، بما تمثل من سلطة تابعة لتيار المستقبل داخل مؤسسة قوى الأمن الداخلي، ومن بينها تجميد اللواء ريفي قرار ترقية الرتباء بناءً على طلب الوزير شربل. لكن مسؤولاً أمنياً رفيعاً يؤكّد أن المدير العام هو من ارتأى تجميد القرار تفادياً لحصول أي توتّر، على رغم اقتناعه بأحقية هؤلاء في نيل الترقية، لكنه فضّل أن يأخذ مجلس القيادة المقبل هذا القرار ليرفع المسؤولية عنه، وكي لا يُتّهم بأنه يفتعل مشكلاً.
ويفسر مسؤول أمني بارز قرار التجميد بأنه مؤشر إلى أن الوزير العميد سيعيد النظر في كل القرارات المشكوك في قانونيتها، لا سيما تلك التي اتخذها المدير العام بعد فقدان مجلس القيادة لنصابه، وأثناء ولاية وزير الداخلية السابق زياد بارود الذي لم يستطع الوقوف في وجهها، رغم التشكيك في دستوريتها وقانونيتها. ويلفت المسؤول الى احتمال تأليف الوزير شربل لجنة من ضباط متقاعدين لدرس مدى تعارض هذه القرارات مع القوانين والأنظمة المعمول بها في المؤسسة الأمنية.
خصوم ريفي الذين يصفونه بأنه كان على مدى الأعوام القليلة الماضية «أقوى رجل في الجمهورية اللبنانية»، يرون أن المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي باتت في عهده «مقبرة للدستور، ويأخذون عليه تطويع الآلاف في المؤسسة من دون احترام المعايير القانونية. هذا المأخذ يصفه المقربون من ريفي بأنه «إنجاز وطني»، إذ إن تطويع مئات المجنّدين المسيحيين في سلك قوى الأمن من دون إخضاعهم للاختبارات الخطية «نقطة تُسجّل للمدير العام وليس عليه». وبحسب هؤلاء، فإن ريفي يدرك أن هناك ثغراً قانونية شابت بعض قراراته، لكنه تغاضى عنها لاعتبارات وطنية، «وهو اذا ما خالف القانون، فإنما ليجنّب المديرية الجمود والشلل، إذ إن الإقبال المسيحي على السلك كان أقل بما لا يقاس من نظيره المسلم. علماً أن جميع المتطوعين من الطائفة المسيحية سبق أن اجتازوا اختباري الصحة والرياضة». أما في ما يتعلق بإعادة النظر في هذا القرار، فيرى المقرّبون أن «لا فائدة منه»، لأن المدير العام «حريص على تحصين قراراته قانونياً، وكل قرار لا يُطعن فيه خلال شهرين من صدوره، وإن شابته ثغر قانونية، يصبح ساري المفعول ولا يمكن أحداً أن يلغيه».
ويرى هؤلاء أن إعادة النظر في قرارات المدير العام تأتي ضمن خطة «قصقصة جوانح» ريفي في المديرية لـ«تطفيشه» والدفع به نحو الاستقالة. ومن بين بنود «خطة القصقصة» هذه، العلاقة مع قادة الوحدات القادمين. إذ يرجّح متابعون لشؤون المؤسسة الأمنية أن يكون معظم أعضاء مجلس القيادة القادمين أنداداً
لريفي.
وبالتالي، فإن المدير العام «سيتعرض للحصار، وسيحال بينه وبين أمور كثيرة، ما سيحجّمه داخل المؤسسة في سياق إحراج لإخراجه ودفعه الى الاستقالة». ولعل النقطة الخلافية التي ستُفجر العلاقة تتعلّق برئاسة فرع ـــــ شعبة المعلومات، في ظل ما يتردد، في أوساط المعارضة، عن رفض صارم لبقاء الأمور على حالها لجهة أن يبقى هذا المنصب في عهدة ضابط «مستقبلي»، إضافة إلى مصير نحو 2000 عسكري يخدمون في «المعلومات»، وما إذا كان هناك توجّهٌ لإلغاء هذه «الشعبة» أو تقليص عديد أفرادها إلى 200 أو 300 عنصر لتستعيد مهماتها في مجال الأمن العسكري، فضلاً عن مصير رئيس الشعبة العقيد وسام الحسن.
قديم اللواء جديده في هذا الخصوص، إذ يؤكد مقرّبون أنه متمسّكٌ بلازمة يرددها: «لن أبقى في المديرية دون وسام، نرحل معاً أو نبقى معاً». موقف يقطع الطريق على من يطرح حلّاً وسطياً يتلخص بالإبقاء على اللواء مديراً عاماً مقابل رحيل العقيد.
أما في ما يتعلق بخفض العديد وتغيير طبيعة المهمات، فيردّ المقرّبون من المدير العام بأن «شعبة المعلومات لن تُمسّ ما دام ريفي موجوداً في المديرية». وعن التعميم على فرع المعلومات عدم التدخّل في مخالفات البناء ومشاكله واقتصار عملها على الأمن العسكري، يُنقل عن ريفي ترحيبه لأن «في ذلك راحة بال ننشدها منذ طلبنا إحالة هذا الملف على البلديات».
ويرى هؤلاء أنّ «فكفكة شعبة المعلومات بوجود ريفي أو غيابه خسارة للمؤسسة والوطن»، ويكررون التذكير بـ«إنجازات الشعبة» على صعيد مكافحة شبكات التجسس والإرهاب وتوقيف العملاء، ليخلصوا الى أن لدى ريفي «توجّهاً لزيادة عديد شعبة المعلومات الى ما يقارب الثلاثة آلاف عنصر». ويوضحون أن الزيادة التي يطمح المدير العام اليها لن تقتصر على شعبة المعلومات، بل ستطول أكثر من وحدة، أبرزها وحدة القوى السيارة التي ينوي زيادة عديدها ليلامس الـ5500 عسكري حدّاً أدنى في مقابل 3200 عسكري اليوم. وينقل هؤلاء عن المدير العام تأكيده ضرورة رفع مجمل عديد المديرية ليبلغ 36 ألف عسكري، ما يعني فتح باب التطوّع لنحو 12 ألف مجنّد جديد.
الجواب النهائي على «خطة حصار ريفي»، بحسب ما ينقل مقرّبون منه، يُختصر بجملة واحدة: «لن أُحجّم، وأرفض أن أتآكل داخل المديرية، أختار الرحيل إن هم حاولوا ذلك». ويلفت هؤلاء إلى أن أي محاولة لتحجيم اللواء ستدفع به شمالاً، صوب مركز نيابي في «المستقبل» بما «أن القاعدة الشعبية متوافرة في طرابلس»، وبما انه سيكون قد أحيل الى التقاعد على أبواب انتخابات الـ 2013. أما في حال عاكسته الظروف، فإنه سيكتفي بالتعليم في الجامعة إذ إنه حائز على شهادة الدكتوراه في العلوم الجنائية.




بين الفصلين السادس والسابع

الأجواء السائدة في المديرية الأمنية تشير بوضوح الى إرهاصات مرحلة جديدة قد تشهد تغييراً على مستوى الرأس. فمعظم الضبّاط والرتباء مقتنعون بأن السلطة الجديدة لن تُبقي اللواء أشرف ريفي مديراً عاماً لقوى الأمن الداخلي، وأنها، مع فتح ملف التعيينات الأمنية، ستختار بدلاً منه واحداً من ثلاثة عمداء لقيادة المديرية: منذر الأيوبي وديب الطبيلي وجمال حوّاط، إضافة الى تغييرات محتومة بين قادة الوحدات، بعدما أُحيل أكثر من نصفهم الى التقاعد (أربعة منهم في مراكزهم بالأصالة هم، إلى ريفي، العمداء روبير جبّور وجوزف الحجل ومحمد قاسم، أما الباقون فعيّنهم المدير العام في مناصبهم بالوكالة). في ظل هذه الورشة تتزاحم الأسئلة: هل يجري تغيير أعضاء مجلس القيادة الحالي الباقين ليُستبدلوا بضباط جدد (وهو الأمر المرجح)، فتكون المؤسسة الأمنية أمام مجلس قيادة جديدة برؤية جديدة، أم يصار إلى تعيين بدلاء عن المحالين على التقاعد، فيؤتى بسبعة ضباط جدد؟