البقاع | إثر الفشل الذريع الذي سجلته الحكومات اللبنانية المتعاقبة في إيجاد بديل زراعي ناجح لسهل البقاع يمكن أن يحل محل الزراعات الممنوعة، قُدّر لمزارعي بلدة جبولة في البقاع الشمالي أن تنجح تجربتهم الفردية المتواضعة مع نبتة اليانسون «Pimpinella anisum». فقد شرعوا منذ بضع سنوات في اعتمادها زراعةً أساسية حلّت محل تلك التقليدية من قمح وشعير وأشجار مثمرة. التجربة لم تقتصر على جبولة فقط، بل شهد هذا الموسم التحاق قرى أخرى مثل دير الأحمر والسعيدة في غربي بعلبك بالتجربة.

أحمد خليل هو أحد المزارعين الذين خاضوا تجربة زراعة اليانسون. يؤكد خليل لـ«الأخبار» أن زراعة اليانسون تحولت بسرعة من زراعة غير معروفة إلى زراعة ناجحة في البلدة، وحتى في القرى المجاورة، وذلك على الرغم من الوسائل البدائية التي «ما زلنا نعتمدها في الحصاد، وحتى في غربلة المحصول وجمعه»، يقول. يلفت خليل إلى أن زراعة اليانسون هي من الزراعات الشتوية التي تناسب تربة المنطقة ومناخها، والدونم الواحد منها لا يحتاج إلى أكثر من 3 كيلوغرامات من البذور، بسعر وسطي للكيلو هو خمسة آلاف ليرة (في سوريا 100 ليرة سوري أي 3500 ليرة لبناني). تزرع البذور في شهر شباط، ثم تزهر بعد ذلك بأربعة أشهر، ولا تحتاج إلى الكثير من الري خلال فترة النمو وبعد فترة الإزهار، فيما يُعَدّ حزيران شهر الحصاد بالنسبة إليها، بحسب خليل، الذي قال أيضاً إنها زراعة تحتاج فقط إلى «عناية خاصة لجهة حاجتها إلى يد عاملة لـ«التعشيب» (نزع النباتات المضرة التي تنمو بالقرب منها)، مرتين في الموسم الواحد، فضلاً عن أن الحصاد «لا يزال باليد والمنجل». أما نزع حبات اليانسون، فبعدما كانت سابقاً يُدَقّ عليها بالعصا وتُغربَل، أصبحت هناك الآن في البلدة «درّاسة» خاصة لنزع الحبوب الصغيرة عن القش، كما يقول خليل.
من جهته، رأى رئيس بلدية جبولة، إبراهيم الغضبان، أن زراعة اليانسون نجحت وباتت تستقطب معظم المزارعين في البلدة وجوارها، واحتلت مكان تلك التقليدية التي «تتأذى غالباً من الصقيع، وترهق المزارعين مادياً لكثرة ما تستهلكه من مياه، كما حصل العامين الماضيين مع القمح»، كما يقول الغضبان.
ويتعاظم الاهتمام بزراعة اليانسون في جبولة بعد ازدياد الطلب عليه من التجار في البقاع الأوسط وبقية المناطق اللبنانية، «وهو ما يفرض علينا الاهتمام بهذه الزراعة. لذلك، نعمل الآن على توفير حصّادة للبلدة خلال هذا الموسم، للتقليل من عبء العمل اليدوي البدائي على المزارع».
إلا أن عتب الغضبان يأتي في المقدمة على الدولة اللبنانية التي لم تشمل بعد هذه الزراعة «بعين الرعاية والدعم والاهتمام»، فيما يدرك المزارعون مدى اهتمام الدولة السورية بتلك الزراعة التي تدعمها وتتسلم محاصيلها من مزارعيها، قبل أن تعمد إلى تصديرها بنفسها.
وإذا كانت زراعة اليانسون قد اعتُمدَت في جبولة بعد نجاحها، فإن بعض قرى غربي بعلبك مثل دير الأحمر والسعيدة لا تزال في طور التجربة، من خلال محاولات قام بها بعض المزارعين، ويبدو أنها نالت الرضى.
بسام أيوب هو أحد المزارعين الأوائل الذين خاضوا التجربة بعدما حدثه عن إمكانية نجاحها أحد العمال السوريين لديه، فأقدم على زراعة 13 دونماً، أزهرت وهو يستعد اليوم لحصادها. ويرجح أيوب، بعد نجاح تجربته، أن يعمد عدد كبير من المزارعين إلى اعتماد زراعة اليانسون في المواسم المقبلة، مشيراً إلى مشكلة الحصاد التي تبدو «متعبة»، وخصوصاً أنها «ما زالت على الطريقة البدائية حيث لا وجود لحصادات أو لدرّاسة» يقول.
وليس الحصاد بالمنجل أو بطريقة «الحليشة» (نزعها باليد) مستجداً على مزارعي البقاع، فتلك هي الطريقة التي يعتمدونها لحصاد الحمص والعدس، إلا أن الصعوبة تكمن، بحسب العامل السوري علي الحسوني، في «فصل القش عن حبات اليانسون» في حالة اليانسون. وإذا كانت سائر الآلات متوافرة في سوريا لهذه المهمة، فهي ليست كذلك بعد في لبنان. هنا، لا يزال المزارعون يعمدون إلى «طرح الموسم في مكان نظيف، ودقّه بالعصي، أو مرور الجرار الزراعي عليه عدة مرات، ومن ثم غربلته عدة مرات» كما يشرح الحسوني.
في جميع الأحوال، نجح المزارع في بلدة جبولة، بقدرته الفردية في اكتشاف زراعة اليانسون وتعميمها. لا يبقى على الدولة إلا أن تمنحها القليل من الثقة والدعم، في الوقت الذي فشلت فيه مع برنامج الأمم المتحدة، في توفير بديل فعلي للزراعات الممنوعة، غير الزعفران والفستق الحلبي.