وقف رئيس مكتب مكافحة المخدرات العقيد عادل مشموشي يحاور مسؤولاً محلياً من حزب الله حول آفة المخدرات في منطقة الضاحية الجنوبية لبيروت. كان المسؤول الحزبي عاتباً، فيما العقيد متمنياً. طلب الأول حضوراً أمنياً أوسع، بينما طالب الثاني بمزيد من التعاون القائم حالياً بين مكتب مكافحة المخدرات والمواطنين. وبعد نحو ثلث ساعة من الحوار، خلص العقيد مشموشي والمسؤول الحزبي إلى أن لا مصلحة لأحد بتهميش صورة المؤسسات الرسمية، واتُّفق على مزيد من التعاون في إطار معالجة المدمنين وملاحقة التجار والمروّجين. حصل ذلك على هامش مؤتمر «الإدمان: صراع بين الرغبة والإرادة» الذي أقيم في فندق كراون بلازا ـــــ الحمرا، بتنظيم من الجمعية العربية لعلم الإدمان.

حضور المسؤول الحزبي إلى المؤتمر لم يكن صدفة، إذ بدا واضحاً أن غالبية الحضور آتون من الضاحية الجنوبية ومناطق الجنوب والبقاع. وبحسب أحد الحاضرين، فإن الضاحية والبقاع هما من أكثر المناطق التي تفاقمت فيها آفة المخدرات أخيراً، ولذلك فقد آن الأوان للتحرك وفعل شيء، جديد نوعاً ما، على المستوى التوعوي.
صحيح أن المؤتمر كان تقليدياً في بعض نواحيه، بيد أنه تميّز فعلاً بطرح أفكار مهمّة، مثل موضوع الزراعات البديلة التي تحدّث عنها البروفسور في الجامعة الأميركية في بيروت محمد فرّان.
منذ عقود، ربما لم يمرّ وزير للزراعة إلا وتحدّث عن موضوع الزراعات البديلة، لكن من دون أن يتحقق شيء منها. تُتلف باستمرار مساحات واسعة من مزروعات المواد المخدّرة في البقاع، وتحصل بين الحين والآخر مواجهات دامية بين القوى الأمنية والمزارعين، والسبب هو عدم تقديم أي بديل. تحدّث فرّان في المؤتمر عن نبتة العصفر، وهي نبتة زيتية يمكن أن تزرع في البقاع وفي لبنان عموماً وتكون زراعة بديلة ناجحة ومربحة. فهي نبتة للاستهلاك البشري وتحمل مواصفات عالية أقرب إلى زيت الزيتون، إذ «يمكن المباشرة بزراعتها بدل الاستمرار في استيراد زيت الصويا من الخارج، وهذا ما يوفّر على الدولة عشرات ملايين الدولارات». زراعات أخرى أشار إليها فرّان، مثل الشعير المقاوم للجفاف والزراعات البقولية، إضافة إلى القنّب الصناعي. هذا الأخير، وإن كان يشبه في شكله القنّب الهندي (حشيشة الكيف) غير مخدّر، ويمكن زراعته في لبنان وتصديره إلى الخارج، فألمانيا مثلاً تستورد كثيراً منه لاستخدام أليافه في صناعة السيارات.
لماذا لا تبقي الدولة على الزراعات الحالية، بدل إتلافها، على أن تتسلم المحصول من المزارعين ثم تصدّره إلى حيث تصنّع منه الأدوية والعلاجات الطبية، كما هو حاصل في تركيا على سبيل المثال؟ سؤال وجّهته «الأخبار» إلى البروفسور فرّان، فأجاب: «هذه مسألة معقّدة ويبدو أنها أكبر من لبنان، فعلى ما يبدو توجد دول تحتكر هذه الصناعات ولا توافق على أن يصدّر لبنان زراعات في هذا المجال، إضافة إلى أنها تحتاج إلى تشريعات خاصة وهذا غير موجود حالياً».
إلى ذلك، تطرّق المؤتمر إلى حياة المتعاطي أو مدمن المخدرات، فكان شبه إجماع على النظرة إلى المدمن بوصفه مريضاً يحتاج إلى العلاج لا مجرماً. فمن الناحية القضائية، تناول القاضي رامي عبد الله مسألة «حقوق المدمن في القانون». فبحسب عبد الله، ثمة لجنة منصوص عليها في قانون المخدرات، في المادة 199 تحديداً، اسمها «لجنة الإدمان». نظرياً، يمكن الشخص الموقوف أمام القضاء بتهمة تعاطي المخدرات أن يطلب إحالته على هذه اللجنة بغية تأمين العلاج له، وبالتالي تجميد الإجراءات العقابية بحقه.
في المقابل، أبدى عبد الله أسفه لكون هذه اللجنة معطّلة، وسبب ذلك يعود إلى «عدم تعاون الوزارات المعنية، منها الصحة والداخلية والشؤون الاجتماعية... إضافة إلى عدم تخصيص قضاة لهذه الغاية، فالقضاة المعنيون لا يمكنهم التفرّغ لذلك فيما هم مكلفون بمتابعة قضايا أخرى، لذلك يجب تعديل النص القانوني ليصبح أكثر مؤاءمة لعمل هذه اللجنة».
في الواقع، حتى إذا قرر أحد المدمنين تلقّي العلاج، فليس في لبنان مراكز لمعالجة المدمنين أصلاً، وقد كانت هناك محاولة رسمية في هذا الصدد عام 2007، لكنها لم تكلل بالنجاح. في السياق نفسه، تحدّث في المؤتمر الأردني إبراهيم عبد الحافظ عن تجربة بلده في هذا المجال، فلفت إلى أن المدمن «تسقط بداية عنه الملاحقة القانونية، ويعالج شهرين مجاناً على نفقة الدولة».




مركز علاج في الخيام

خرج مؤتمر الجمعية العربية لعلم الإدمان بالتوصيات الآتية: عدّ الإدمان انحرافاً في مسار التفكير، وأن المدمن هو أيضاً مريض لاضطراب في وظائف الدماغ. تأجيل توزيع الأدوية البديلة إلى حين استعادة الدولة لزمام المبادرة الصحية والاجتماعية والأمنية والقانونية ضمن استراتيجية عامة لعلاج الإدمان، التمييز بين حالتي اعتياد المخدرات وإدمانها، والتنبه للإعلام «الرديء الذي يروّج لرموز تفخر باحتقارها للقيم الإنسانية».
من جهة ثانية، أكّدت رئيسة جمعية «أمان» سحر مصطفى لـ«الأخبار» أن الجمعية تعمل على إنشاء مركز لمعالجة المدمنين، على أن يكون مقره في الجنوب ـــــ الخيام، ويُفترض أن يباشر ببنائه قريباً لاستقبال الحالات.



6 دول

شارك في مؤتمر «الأدمان: صراع بين الرغبة والإرادة» اختصاصيون وباحثون من: لبنان، مصر، الإمارات، الأردن، فلسطين، وإسبانيا. افتتح المؤتمر الدكتور أحمد عياش (رئيس المؤتمر) فتحدّث عن سبل اكتشاف المدمن، ثم كانت مداخلات لختصاصيين هم: خالد سياجي عن التجربة المصرية في الإدمان، محمد حيدر عن القنّب والتجربة الذهانية في إسبانيا، دوري الهاشم عن مستشفى دار الصليب، صلاح عصفور عن الإدمان والمخيمات الفلسطينية، رولا عطوي عن الأمراض المعدية، انطوان سعد عن العلاجات الحديثة في وزارة الصحة، والشيخ القاضي محمد زراقط عن نظرة الدين إلى الإدمان. يُذكر أن المؤتمر عقد بالتعاون مع الجامعة الإسلامية وجمعية أمان ومؤسسة أمل التربوية ومستشفى بهمن ومكتب الـ"UNODC".