البقاع | صحيح أن فصل الشتاء قد انتهى، وأن نسوة البقاع بدأن استعداداتهن لـ«العزيل» ولنزع «الوجاقات» من غرف الشتاء، إلا أن سوق تجارة الحطب سجل خلال الأسبوع الماضي حركة لافتة، تمثلت بإقبال كثيف لعدد من العائلات البقاعية على شراء الحطب وتقطيعه وتخزينه، «وإن كان بعز الدفا». الخطوة التي وصفها الأهالي بـ«الاستباقية»، جاءت في محاولة منهم لمواجهة «الأيام الصعبة اللي جايي»، سواء لجهة الارتفاع المستمر في سعر صفيحة مازوت التدفئة، أو لجهة ندرة الحطب وارتفاع أسعاره أيضاً عند ازدياد الطلب عليه شتاءً.

وتدني سعر طن حطب دوالي العنب، هو العامل الأساسي في رواج حركة شراء الحطب في البقاع خلال هذه الفترة؛ فأصحاب كروم العنب الذين تهاوت دواليهم نتيجة العواصف الثلجية خلال الشتاء الماضي، اتخذوا قرارهم بعد تأخر التعويضات عن الأضرار، بتسليم أمرها لتجار الحطب، بقصد التخلص منها، والتفكير في بديل زراعي آخر.
اقتلاع مئات الدونمات من الدوالي، على امتداد المنطقة من الفرزل جنوباً، مروراً بقصرنبا وتمنين وبدنايل، وصولاً إلى بيت شاما والعقيدية وطاريا وحدث بعلبك، زاد في كميات الحطب التي يعرضها التجار الذين لم يعد بمقدور مستودعاتهم استيعابها وتخزينها، فطُرح الحطب بأسعار متدنية راوح سعر الطن منها بين 60 و 125 ألف ليرة، ما سمح للبقاعيين بشراء الحطب «الأرخص» بكميات كبيرة وتقطيعه وتخزينه للشتاء المقبل. علي شداد، الذي اشترى ما يقارب ثمانية أطنان من حطب الدوالي بسعر 560 ألف ليرة غير مقطع، دافع عن خطوته بالقول: «بدل ما نشتري الحطب بشهر أيلول بقيمة 180 ألف ليرة للطن الواحد (سعر حطب الدوالي العام الماضي) اشتريناه بـ80 ألفاً». ويرى شداد أن سوق الحطب البقاعي بات يشهد، مع بداية فصل الخريف، ندرة في أنواع محددة من الحطب، كالسنديان، في مقابل ارتفاع كبير في أسعار بقية الأصناف كاللوز والكرز والخوخ وحتى العنب، مشيراً إلى أن حطب دوالي العنب مثّل خلال هذه الفترة «فرصة ما بتتعوّض» لكل عائلة، بسبب أسعاره التي تدنّت؛ لأنه مطروح بكميات كبيرة، «ولو على حساب أصحاب الكروم المتضررين» كما يعترف.
من جهته، استغل حسين الحسيني أيضاً فرصة تدني سعر حطب الدوالي، واشترى عشرة أطنان، لـ«تبديد القلق» الذي يسيطر عليه مع بداية كل فصل شتاء، لجهة توفير مادة التدفئة، سواء المازوت أو الحطب، ورأى أن حطب الدوالي يمثل حالياً «الملاذ الأرخص» لكثير من العائلات التي تبحث عن وسيلة للتدفئة، وإن جاء ذلك قبل الموسم بأشهر، مؤكداً الاستغلال الذي يتعرض له الأهالي عند بدء موسم البرد، حيث ترتفع أسعار المازوت والحطب على أنواعه ارتفاعاً كبيراً. أما اليوم، فالأسعار «ملائمة» والحطب لا يفسد بالتخزين، «فلم لا نخزن للأشهر المقبلة؟».
من جهته أكد تاجر الحطب عيسى حيدر أن تجارة حطب دوالي العنب، دون غيره من أنواع الحطب، «ناشطة على نحو ملحوظ» منذ أسبوعين، بسبب تخلي مزارعي العنب عن كرومهم التي تضررت بفعل العواصف الثلجية «القوية»، وتأخر الدولة في التعويض عن هذه الأضرار. كذلك، روى حيدر أنه «ضمن» حتى اليوم ما يقارب 200 دونم (نحو 14 ألف دالية)، من كروم العنب في قصرنبا وبدنايل والعقيدية، لافتاً إلى انتشار نحو أربعة متعهدين للحطب في المنطقة الممتدة من البقاع الأوسط حتى قرى غربي بعلبك وشرقيها. وبحسب تقديرات حيدر، ستبلغ كميات الحطب التي خزّنها التجار لموسم الشتاء المقبل ـــــ بغض النظر عن تلك التي بيعت للأهالي ـــــ ما يقارب 1500 طن من حطب العنب، مؤكداً أن الأسعار «طبعاً ستتغير»، مع ازدياد الطلب على الحطب عند بدء موسم البرد، و«إذا كان الطن يباع حالياً بين 80 و 125 ألفاً، فبالتأكيد سيرتفع في ظل غياب حطب السنديان وتضاؤل كميات حطب اللوز والخوخ في لبنان واستقدامه من سوريا». بالنسبة إليه، فقد خزّن جزءاً ويبيع الآخر «لتيسير أحوال الناس»، كما يقول.
أخيراً، إن الأضرار التي تلحق بالثروة الحرجية في لبنان لا تقتصر على كروم العنب، بل تشمل أنواعاً كثيرة من الأشجار المثمرة التي أزهرت في فواصل الدفء المتقطعة خلال الشتاء قبل أن تذوي متأثرة برياح العاصفة التالية. ظاهرة تتعلق بأنواع كثيرة من طيبات الفواكه الصيفية، وتطرح بالتالي سؤالاً ملحاً يطال المواطنين والمستهلكين خلال الصيف المقبل: كم سيبلغ سعر العنب، وغيره من الفواكه؟