حملة الترميم والتأهيل التي تنفَّذ بتمويل من الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية بالشراكة مع وزارة الثقافة اللبنانية ومجلس الإنماء والإعمار كشفت النقاب عن معلم قلعة شقيف أرنون الصليبية. جدران جديدة، قاعات لم تكن معروفة، ممرات وفتحات تهوية وإنارة كانت مطمورة تحت أطنان من الردم المتأتّي من تراكم السنين والغارات الإسرائيلية التي طاولت القلعة مرات عديدة، وأدت إلى تدمير أجزاء كبيرة منها.

وإذا كانت الخرائط التي أعدتها وزارة الثقافة بعد دراسات استمرت خمس سنوات وتلت التحرير عام 2000 هي الدليل المرشد على الأعمال التي تجري في القلعة القائمة على منحدر صخري، فإنّ الترميمات كشفت عن جدار علوي لغرفة في الجهة الشرقية من القلعة، فوق ما يعرف بـ«سوق العبيد»، لم يكن ضمن الخرائط والدراسات المعدة سلفاً. ويرجح المهندسون والعلماء أنّ تاريخ بنائه يعود إلى الأسر العاملية التقليدية التي سكنت القلعة في أواسط القرن الثامن عشر. والتأريخ يأتي من الحجارة الصغيرة المصقولة التي تختلف كثيراً عن الحجارة الصليبية الضخمة التي تتألف منها جدران القلعة. وأسهم رفع الردم في الكشف على العديد من الفتحات التي كانت تُستخدم لإنارة قسم كبير من دهاليز القلعة، لكن هذه الفتحات تحولت إلى مزاريب جعلت مياه الأمطار تتدفق بغزارة إلى داخل القلعة وتطاول أساساتها.
أما في الجهة الغربية من القلعة، فقد كشفت عملية إزالة الردم عن الأجزاء الباقية من المدخل الرئيسي للقلعة، الذي كان يتألف من ممرات وأبواب وعقود طُمرت بعد الغارات الإسرائيلية المتكررة عام 1978. وعملية التنظيف أبرزت استخدام القلعة مركزاً عسكرياً خلال الحرب، فكتابات مقاتلي القوات الفلسطينية وشعاراتهم لا تزال تشهد على اتخاذهم القلعة موقعاً عسكرياً بين الأعوام 1978 و1982، تاريخ الاجتياح الإسرائيلي للبنان.
ويشير المهندس المشرف على أعمال التأهيل من جانب شركة «ورد»، عياد فياض، إلى أن الحملة «كشفت بين جدران القلعة العلوية، عن مجموعة من الذخائر غير المنفجرة «التي عمد فوج الهندسة في المكتب الوطني لنزع الألغام، في الجيش اللبناني، إلى تفجيرها، أو نقلها إلى خارج المنطقة، فضلاً عن بقايا عظام بشرية رجّح الطب الجنائي أن تكون لمقاتلين فلسطينيين سقطوا هنا». ويشير إلى «أن العمل لم يصل بعد الى الطبقات التي هدمها القصف الإسرائيلي، والتي يرجَّح أن يعثر فيها على هياكل عظمية لمقاتلين سقطوا هنا».
وأهّلت أعمال التنظيف البرج الجنوبي الغربي وجعلته جاهزاً للترميم، «الذي سيطاول الجزء السفلي منه، أما العلوي، فقد فُقدت معظم حجارته الضخمة بسبب الاعتداءات الإسرائيلية التي فتّتتها وباتت غير صالحة للاستعمال في أعمال الترميم» كما يقول فياض، كما أنّ أعمال رفع الردم أبرزت خزانات المياه الصليبية، التي حولت القلعة في التاريخ القديم الى مركز عسكري يستحيل احتلاله. فمن الجهتين الجنوبية والشمالية اكتُشفت جدران خزانين كانا يحيطان بالقلعة. هذا الموقع خبأ الإسرائيليون واجهته الجنوبية بتلة استحدثوها خلال فترة احتلالهم التي امتدت من 1982 حتى 2000، لكن، عملية التأهيل ستجرف هذه التلة وتبرز المدخل الخارجي الرئيسي، حيث سيشيد مبنى للاستعلامات والخدمات السياحية. بعد انتهاء الورشة ستوضع القلعة تحت إشراف المديرية العامة للآثار، وسيصار الى استيفاء رسوم دخول للسيّاح والمواطنين، تسهم في تأهيلها ورعايتها وتنظيفها.
وستزيل الورش الخرسانات الاسمنتية التي أدخلها مستخدمو القلعة، من فلسطينيين وإسرائيليين، والشعارات والكتابات عن الجدران الصخرية.