يعتقد الداخل إلى حاصبيا أنه «حزر» سبب مشكلتها بمجرد عبور شوارعها الضيقة المكتظة بالسيارات، إلا أن هذه المشكلة تكاد تكون الأهون، إذا ما قيست بالتحديات البيئية التي تُغرق حاصبيا ونهرها. فـ«بلدية حاصبيا مثلها مثل جميع بلديات لبنان، بحاجة إلى إنماء كثير. لو فكّرنا في تعبيد الطرقات الداخلية في البلدة، فلن تكفي ميزانية البلدية لها، فكيف إذا حكينا عن الهموم البيئية؟ صحيح أن وزارة الأشغال العامة تؤازرنا لكنّ عذرها لدى ممانعتها أحياناً يكمن في أن تعبيد الطرقات الداخلية من مهمّات البلدية»، يقول نائب رئيس البلدية يوسف أبو صالح.

أبو صالح، يشرح أنه لا يخلو يوم من ورشة ترميم وإصلاح في المدينة، «فالبنى التحتية قديمة جداً في عاصمة القضاء، والمجاري الصحية كناية عن قنوات أنشئت منذ أكثر من أربعة عقود، تقفل في بعض الأمكنة أو تسدّ وتتسرّب إلى سطح الأرض، فتزيد من أعبائنا المالية». هذه القنوات تلتقي مع مياه الصرف الصحي الآتية من بلدة عين قنيا «التي كانت في السابق تصبّ في جور صحية خاصة بكل منزل، وحُوّلت في فترة الاحتلال الإسرائيلي للمنطقة على شبكة مجارٍ تصبّ عندنا، في حاصبيا».
ما الحلّ إذاً للحدّ من أزمة المجاري الصحية؟ يردّ أبو صالح: «البلدية شغّلت محطة تكرير ميكانيكية كانت مؤسسة «مرسي كور» قد أنشأتها سابقاً، وهي تمسك خطاً وحيداً يعبر من وسط البلدة. وبسبب فشل الطريقة الميكانيكية لجأت البلدية إلى حلّ آلي، لكن تكلفته تصل إلى حدود خمسة ملايين ليرة شهرياً ثمناً للمحروقات، فضلاً عن أعمال الصيانة الدائمة، ويتناوب موظفان على مراقبة التشغيل على مدى 24 ساعة».
أما الخط الثاني من المجاري وهو الأكبر، فلا يساعد الانتشار الجغرافي لحاصبيا على ربطه بالمحطة، إذ تقوم الأبنية السكنية والمؤسسات التجارية والزراعية، على عدة منحدرات جبلية تتوزّع بين مختلف الاتجاهات، «لذلك نبحث الآن عن جهة مانحة أو داعمة لإنشاء محطة تربط المجاري بمناطق تجمّع أخرى، لكنها مكلفة جداً».
تصبّ مياه الصرف الصحي حالياً في مجرى نهر الحاصباني من دون تكرير، لكن في حال إنشاء المحطة يمكن استخدام مياهها في الريّ. و«من حسن حظ» حاصبيا أن المتنزّهات القائمة على نهر الحاصباني هي فوق مصبّ المجاري، لكن انسياب المجاري نحو قسم من نهر الحاصباني لا يمنع وجود أزمة بيئية دائمة عدا انبعاث الروائح الكريهة، «لذلك نقوم في فترة الصيف بإجراءات وقائية تتمثل في حفر جور تجمّع صغيرة مهمتها المساعدة على تبخّر المياه الآسنة قبل وصولها إلى مجرى الزهراني، ما يخفف من المفاعيل البيئية والصحية لمياه الصرف» بحسب أبو صالح. كذلك نفّذت البلدية خطة لزرع أشجار الغار التي تمتص الروائح وكميات كبيرة من المياه على جانبي مجرى المياه الآسنة، «ما يساعد على التقليل من نسبة المياه المتدفقة». فضلاً عن زراعة أنواع من القصب الصيني، «لكن أهم مشروع نحلم به أن تصب كل مياه المجاري في محطة للتكرير».
أما المشكلة البيئية والصحية الأكثر تعقيداً في حاصبيا، فهي مشكلة زيبار الزيتون المتدفق من سبع معاصر تعصر سنوياً مئات الأطنان في مواسم الزيتون التي تغطي معظم الأراضي الزراعية في البلدة. هناك بركة لتجميع الزيبار في محلة «جبل الضهر»، التابعة عقارياً لحاصبيا تملكها بلدية حاصبيا، التي قررت إنشاء محطة عليها، فكشفت عليها وزارة البيئة ووزارة الأشغال العامة وأعطتا موافقة على الترخيص. وكان من المقرّر أن يبدأ تنفيذ هذا المشروع بمنحة مقدمة من شركة «جي تي زد» الألمانية، لتمويل عملية إنشاء المحطة، «لكنّ اعتراضاً من جيراننا في بلدية قليا أوقف المشروع، لأنهم رأوا أن ثمة روائح قد تنبعث من المحطة، وبسبب اعتراضهم، أوقفت الشركة أعمالها على قاعدة عدم رغبتها في التورّط في أية مشاكل أهلية».
أما مشكلة زيبار الزيتون، فتكمن في كون الزيبار مضرّاً بالمياه أكثر من المجاري الصحية، إذ تحتوي هذه المادة على الكثير من الأسيد الذي يمتص الأوكسيجين من المياه، ما يقضي على جميع الكائنات الحية في المياه، «حتى السمك والضفادع» يقول أبو صالح، ويشرح: «هذا الأسيد يحرق الأوكسيجين في المياه، وهذا ما حصل العام الماضي، إذ نفقت كميات كبيرة من السمك النهري، في أسفل مصب زيبار الزيتون، وتحوّل لون المياه إلى أسود. ليس لدينا أية وسيلة أخرى لمعالجة هذا الأمر. أما دور الدولة، فلم يتجاوز نصحنا بحلّ الأمر حبيّاً مع جيراننا».
وفي موضوع النفايات، تستخدم بلدية حاصبيا مكبّاً لها في حدودها العقارية، قريباً من تخوم بلدة قليا. وللتخفيف من انتشار النفايات في الشوارع وزّعت البلديات حاويات ومستوعبات جديدة. أما المكبّ، فيواجَه كذلك باعتراض الجيران «لهم محاذيرهم من تفاقمه، لكن هذه مشكلة عامة في لبنان» يقول أبو صالح.
يبلغ عدد أبناء حاصبيا نحو 12 ألف مواطن، يقيم منهم نحو ثمانية آلاف فيها، يتوزعون على ألفي وحدة سكنية. وفيها نحو 500 محل ومؤسسة تجارية وسياحية، فضلاً عن المعاصر. وتتلقى البلدية ما يقارب 450 مليون ليرة من الصندوق البلدي المستقل، أما الجباية، فلا تتجاوز الأربعين بالمئة. ويُدخل متنزه الحاصباني، الذي تملكه البلدية، نحو 31 مليون ليرة سنوياً إلى صندوق البلدية، تضاف إلى نحو عشرة ملايين ليرة أو 12 مليوناً، من إيرادات سوق الخان عن ضرائب البسطات التي تراوح بين خمسة آلاف ليرة وعشرة آلاف.
تضع البلدية خطة جديدة قيد التنفيذ لتنظيم سوق الخان، بمنحة مقدمة من البنك الدولي، تتمثل في إنشاء خيم من قرميد، إلى جانب كافتيريا ستقيمها البلدية لغاية الاستثمار، بعد إزالة خيم سابقة نفذتها مؤسسة «مرسي كور» ولم تنجح. وهناك خطة لتفعيل أبنية سوق الخان «المملوكية» لاستخدامها في المهرجانات السياحية.
أزمة أخرى تعانيها حاصبيا بسبب شوارعها الضيقة جعلت البلدية تنفّذ خطة سير من وجهة واحدة، للدخول إلى وسط السوق التجارية والخروج من خط آخر مواز، نحو الشرق، مع السماح للمتسوقين أو الساعين إلى إنجاز معاملات إدارية في البلدية أو القائمقامية ومبنى «الداوودية» الديني، بركن سياراتهم على جانب واحد من الطريق تجنباً لازدحام السير.
ولأن المجتمع الحاصباني زراعي، يقتني معظم المزارعين، إضافةً إلى سياراتهم الخاصة، شاحنات، ما يزيد من خنقة الشوارع لبلدة يتجمع السكن فيها في نحو كيلومترين مربعين فقط، وتنتشر على أرض جبلية، أي منحدرات، من أصل عشرين كيلومتراً مربعاً هي مساحة حاصبيا الإجمالية، «لذلك طلبت البلدية من أصحاب هذه الشاحنات والمعدات الزراعية إيقافها خارج التجمع السكني».
إلى ذلك تبرز المشاكل الإدارية، منها أن جهاز البلدية الذي يتألف من 15 عضواً، (علماً بأن حقها القانوني ينص على أن تكون بلديتها من 18 عضواً، لكون هيئتها الناخبة يتجاوز عددها 12 ألف نسمة)، يتكون من كاتب ومحاسب وأمين صندوق وجابٍ، إلى جانب شرطي متفرغ في الملاك، مع العلم أن من حق البلدية تعيين أربعة شرطيّين. ولتلبية الحاجة الملحة، تعاقدت البلدية مع عشرة شرطيين من أجل تنظيم عملية السير ومراقبة الطرقات لتسهيل أمور المواطنين. و«تحتاج البلدية إلى مراقب صحي للمسلخ القديم (لزّمت البلدية إنشاء مسلخ جديد وهناك اعتراضات من الجيران على المكان المقرر لتشييده مخافة انبعاث الروائح)». والكلام لنائب رئيس البلدية، الذي يشير إلى امتناع نحو ستين بالمئة من سكان حاصبيا عن دفع الجباية المطلوبة «مع العلم أن هذه المبالغ السنوية عن المسقّفات وغيرها تتراكم، ولن يكون هناك ثمة عفو، ومن ينجز معاملة إدارية في البلدية، عليه دفع الواجب قبل أيّ رخصة».