كان محمد الحلو (11 سنة) وشقيقه ياسر (16 سنة) وصديقهما صابر حرارة (20 سنة) يلعبون كرة القدم في أحد شوارع حي الشجاعية في قطاع غزّة أول من أمس، عندما سقطت قذائف على المنطقة فأودت بحياتهم وجرحت عشرات المدنيين الذين كانوا في الشارع وفي البيوت والمحال المجاورة. وفي اليوم نفسه استُشهد خمسة أشخاص آخرين في سلسلة هجمات إسرائيلية على غزّة.

اعترفت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإصابتها مدنيين خلال قصف دباباتها ومدفعيتها، لكنها حمّلت المسؤولية لحركة حماس بحجّة أنها «تطلق القذائف من مناطق مدنية».
مساعد الأمين العام للأمم المتّحدة للشؤون السياسية أوسكار فيرنانديز تارانكو سارع إلى إصدار بيان جاء فيه أن «على جميع الأطراف ممارسة ضبط النفس»، وعبّرت فرنسا عن «شعورها بالقلق بشأن تصاعد العنف في قطاع غزة ودعت إسرائيل والفلسطينيين إلى ضبط النفس». أما حماس فحثت إسرائيل على «عدم اختبار سياسة ضبط النفس التي تتبعها فصائل المقاومة الفلسطينية».
تبدو القضية إذاً قضية مزاج نفسي أو انهيار عصبي أو حالة عاطفية يفترض السيطرة عليها. كأنهم يقولون: «اضبطوا أعصابكم وستمرّ الأمور على خير» أو «تعقّلوا وسيطروا على انفعالاتكم ولا تردّوا».
صحيح أن العواطف تغلب على «التكتيك» وتسبق التذاكي السياسي، وخصوصاً بعد مشاهدة أطفال وشباب في ربيع أعمارهم جثثاً مشوّهة في برّاد المستشفى. وصحيح أن انفعالات بعض المجاهدين تسيطر أحياناً على ردّ الفعل. وصحيح أن مقاومة إسرائيل تستدعي وضع استراتيجية وتحديد التوقيت المناسب والظروف الملائمة لشنّ الهجوم أو لإطلاق الصواريخ أو لتفجير بعض المنشآت الإسرائيلية. لكن قبل البحث في أخطاء تجاهل التكتيك وسيطرة العواطف، وقبل دراسة خيارات الردّ الاستراتيجي الصائب، لا بدّ من العودة إلى أصل الموضوع كي لا يضيع في صالونات الدبلوماسية. الأصل هو، بكل بساطة، جريمة متمادية تستهدف فلسطين والفلسطينيين منذ هجرة الصهيوني الأول إلى الأرض المقدّسة.
وقوع الجريمة يستدعي تحقيق العدالة، وبما أن الأمم المتحدة وجميع الأمم متّحدةً، عاجزة عن إصدار قرار دولي واحد يدين تجاوز إسرائيل للقانون الدولي وللاتفاقات والمعاهدات ولقرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية، وتعجز عن توفير أبسط حقوق الشعب الفلسطيني... فلا أساس أخلاقياً أو عدلياً أو حتى عقلانياً في أن يطالب أحد شباب فلسطين بضبط النفس.
للفلسطينيين حقّ تقرير مصيرهم بأنفسهم، وبالطريقة التي يختارونها.