فاجأ دانيال بلمار، المدعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، زملاءه في مقرّ المحكمة في لاهاي مساء الجمعة الفائت بإيداعه القاضي دانيال فرانسين قراراً اتهامياً معدلاً، وبإصدار مكتبه بياناً بهذا الشأن. اقتضى عنصر المفاجأة توزيع نصّ البيان على وسائل الإعلام من طريق مكتب المدعي العام الدولي بواسطة البريد الإلكتروني من دون نشره على الموقع الرسمي للمحكمة؛ إذ كان مكتب بلمار قد وزّع البيان مساء الجمعة بعد انتهاء دوام موظفي مكتب العلاقات العامة ومكتب التواصل اللذين يتوليان إدارة الموقع الإلكتروني الرسمي. غير أن التوقيت المفاجئ لصدور بيان بلمار لا يستدعي التوقف عنده (على الرغم من تزامنه مع مهرجان 14 آذار) بقدر ما يستدعي مضمون البيان ذلك؛ إذ وردت في نصّ البيان ثلاثة أمور تتميّز بدلالات لافتة:

أولاً، قال مكتب بلمار إنه أودع القرار المعدّل «نتيجة لعملية جمع مزيد من الأدلّة وتحليلها»، وفي ذلك إشارة واضحة إلى تمكّن المحققين الدوليين من جمع معلومات خلال الفترة الممتدة بين موعد إيداع القرار الاتهامي (17 كانون الثاني) وموعد إيداع القرار الاتهامي المعدّل (11 آذار). يذكر أن سجالاً سياسياً داخلياً بين فريق يصرّ على استمرار التعاون الرسمي مع المحكمة مقابل فريق يدعو إلى تجميد التعاون بسبب تجاوز المحققين لمبدأ الخصوصية الفردية ولسيادة المؤسسات اللبنانية، كان محتدماً خلال تلك الفترة. وبالتالي في بيان بلمار إشارة سياسية إلى مصلحة فريق لبناني على حساب آخر.
ثانياً، قال مكتب بلمار إن التعديل الذي أدخله على القرار الاتهامي «يوسّع نطاق قرار الاتهام»، بمعنى أنه إما يزيد عدد المتهمين، أو يضيف بعض التهم إلى المتهمين المذكورين فيه. وفي هذا الإطار لا بد من مراجعة المادة 70 من قواعد الإجراءات والإثبات المعنونة «ضمّ الجرائم أو المتهمين» التي أجازت «ضم جريمتين أو أكثر في قرار اتهام واحد». المادة نفسها أجازت كذلك «توجيه التهم مشاركةً إلى الأشخاص المتهمين بالجريمة نفسها أو بجرائم مختلفة».
ثالثاً، رأى المدعي العام في بيانه «أن قرار قاضي الإجراءات التمهيدية المؤرخ في 19 كانون الثاني/ يناير 2011 بشأن عدم الكشف عن قرار الاتهام السري يجب أن ينطبق بالدرجة نفسها على قرار الاتهام المعدّل والمواد المؤيّدة له». يعني ذلك أن بلمار ما زال يطالب القاضي فرانسين بعدم إعلان مضمون القرار الاتهامي، حتى بعد تصديقه، إلا لجهات معيّنة، وذلك بموجب المادة 74 من قواعد الإجراءات والإثبات. ففرانسين كان قد ذكر في نصّ قراره بشأن «طلبي المدعي العام العاجلين الداعيين إلى عدم الإعلان وعدم الكشف» (19 كانون الثاني) أن المدعي العام «أرفق بهذا القرار (القرار الاتهامي الذي أودعه في 17 كانون الثاني) طلباً عاجلاً بعدم إعلان قرار الاتهام». وتابع القاضي بالشرح أن المادة 74 «تخوّل لقاضي الإجراءات التمهيدية وفقاً لما تقتضيه مصلحة العدالة، أن يأمر بعدم إعلان قرار الاتهام للعموم أو أية مستندات أو معلومات مرتبطة به إلى أن يصدر أمر آخر بذلك. (...) ويؤكد المدعي العام وجود الظروف الاستثنائية المطلوبة».
لكن لماذا يقدّم بلمار، المتمسّك بالسرية، معلومات عن «نطاق القرار الاتهامي» وعن مواعيد جمع الأدلة بينما كان بإمكانه اقتصار مضمون بيانه بالقول فقط إنه أودع القرار المعدل؟




قواعد تعديل قرار الاتهام

تتيح قواعد الإجراءات والإثبات الخاصة بالمحكمة الدولية للمدعي العام تعديل قرار الاتهام في أي وقت قبل تصديقه، بدون إذن، وبإذن من قاضي الإجراءات التمهيدية، خلال الفترة الممتدة من تصديق قرار الاتهام إلى حين وضع غرفة الدرجة الأولى يدها على القضية، وبعد وضع غرفة الدرجة الأولى يدها على القضية، بإذن من هذه الغرفة، بعد الاستماع إلى الفريقين (الادعاء والدفاع). ولا يُمنح الإذن بتعديل قرار الاتهام ما لم يقتنع قاضي الإجراءات التمهيدية أو غرفة الدرجة الأولى بوجود أدلة أوليّة مؤيدة للتعديل المقترح.
وإذا تضمّن قرار الاتهام المعدّل تهماً جديدة وكان قد سبق للمتهم أن مثل أمام غرفة الدرجة الأولى، يقتضي أن يعود المتهم ويمثل أمام هذه الغرفة في أقرب وقت ممكن لتمكينه من الإجابة عن التهم الجديدة.