قال أمس رئيس مجلس الوزراء السابق ورئيس كتلة «المستقبل» النيابية فؤاد السنيورة: «تمنينا على (الرئيس المكلّف) ميقاتي توضيح وتحديد موقفه والتزامه العلني في المسائل التالية وإدراجها صراحة في البيان الوزاري: أولاً، هل تلتزم بعدم الموافقة على طلب فك التزام لبنان بالمحكمة وطلب وقف تمويلها وسحب القضاة اللبنانيين وإلغاء مذكرات التفاهم التي وقعها لبنان مع الأمم المتحدة، وهل تلتزم بعدم إدراج أي من هذه المواضيع على جدول أعمال مجلس الوزراء وعدم الموافقة على أي مشروع قانون يصب في هذا الإطار(...)».

قبل عرض الثوابت الاساسية التي يمكن أن ينطلق منها ردّ الرئيس ميقاتي بخصوص المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لا بدّ من الإشارة الى ثلاث ملاحظات على توقيت إعلان الرئيس السنيورة تمنياته:
1- إن القرارات الاساسية التي تتعلّق بتوقيع بروتوكولات مع هيئات دولية أو إلغائها أو تعليق العمل بها مؤقتاً، تعود الى سلطة مجلس الوزراء بحسب اتفاق الطائف ولا صلاحية لرئيس مجلس الوزراء بتقديم التزامات مسبقة بشأنها. وبالتالي فمطالبة السنيورة ميقاتي بالالتزام برفض قرار قد يتخذه لاحقاً مجلس الوزراء، هي بمثابة مطالبته بتجاوز اتفاق الطائف عبر إلغاء صلاحيات المجلس مجتمعاً.
2- إن الرئيس ميقاتي يجري حالياً استشارات نيابية لتأليف مجلس الوزراء وذلك بحسب الأصول الدستورية. وبما أن هذه المرحلة من المسار الدستوري يمكن اعتبارها مرحلة استشارية يستمع خلالها الرئيس المكلف إلى مواقف النواب والكتل النيابية، لا يمكنه أن يلتزم شخصياً بموقف يخصّ قضايا خلافية إلا بعد الانتهاء من الاستشارات.
3- يفترض أن يتناول النواب والكتل النيابية خلال اجتماعهم برئيس مجلس الوزراء المكلّف، في إطار الاستشارات لتأليف المجلس، الأهداف السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحكومة المقبلة والمواصفات التي يتمنون أن يتمتّع بها الوزراء لتحقيق تلك الاهداف. أما مطالبة الرئيس المكلّف بالتزامات تتعلّق بعلاقات لبنان بهيئات دولية فتخرج عن الأصول الديموقراطية وعن المبادئ الدستورية.
بالانتقال إلى جواب الرئيس ميقاتي المتوقّع على تمنيات الرئيس السنيورة، نذكر الثوابت الأساسية التالية:
- إن حقّ أي إنسان تعرّض لجريمة أو تعرّض ذووه لجريمة، بالاقتصاص قضائياً من مرتكب – أو مرتكبي – تلك الجريمة، غير قابل للمقايضة أو التفاوض أو أي نوع من المساومة. فمن حقّ آل الحريري وآل فليحان وآل غلاييني وآل حمادة وآل حاوي وآل المجذوب وآل قصير وآل تويني وآل الجميّل وآل غانم وآل عيدو وآل الحاج وآل عيد وغيرهم من عائلات الضحايا وأحبائهم ومناصريهم اللجوء الى القضاء لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم التي ارتكبت بحقّهم، أياً كانوا.
- إن أي آلية قضائية محلية أو إقليمية أو دولية يُحتكم إليها للتحقيق الجنائي في الجرائم أو لمقاضاة المجرمين يفترض أن تعمل وفقاً لـ«أعلى المعايير في مجال العدالة الجنائية» كما جاء حرفياً في نصّ قرار مجلس الأمن الدولي 1757. ويفترض أن تُفعّل آليات المراقبة والمساءلة والمحاسبة في هذا الإطار. فكما التفتيش القضائي في قصور العدل اللبنانية، يفترض وجود آليات تفتيش في أي آلية أو مؤسسة قضائية أخرى معنية بشؤون عدلية لبنانية.
- إن الخلافات اللبنانية حول المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري تحلّ من داخل المؤسسات الدستورية اللبنانية. يستدعي ذلك نقاشاً هادئاً وصريحاً بين الجميع انطلاقاً من مصلحة لبنان العليا ومن الثابتتين المذكورتين آنفاً.
ولا بدّ من تأليف هيئة استشارية عليا تضم خبراء وقانونيين لبنانيين يضعون أوراقاً ممنهجة علمياً تشرح آليات عمل المحكمة الدولية وتحدّد مدى التزامها معايير العدالة.
- إن تدخّل قوى أجنبية في الشؤون اللبنانية وخصوصاً في القضايا العدلية يستدعي المعالجة. فالجريمة التي وقعت في 14 شباط 2005 كما الجرائم الاخرى التي تلتها تعني اللبنانيين بالدرجة الاولى. واذا كان نظام العدالة في لبنان يعاني من نقص في الكفاءة والنزاهة والاستقلالية فلا بد من إطلاق خطة إصلاح شاملة وطارئة.
- «ما حدا أكبر من بلدو» قال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وبناءً على ذلك يفترض أن يخضع تأسيس المحكمة الخاصة بلبنان لإرادة اللبنانيين وقناعاتهم. ويفترض أن يعمل الرئيس ميقاتي ومجلس الوزراء الذي سيترأسه على لمّ الشمل وتوحيد الموقف من كيفية التعامل مع قضية وطنية هي جريمة اغتيال الحريري.