يتدلى، في الأيام المقبلة، على واجهة متحف الرات (Rath) في جنيف ملصق عملاق كتب عليه «سحر لبنان» Fascinations du Liban. إنه الإعلان الرسمي لافتتاح المعرض الذي سيدوم خمسة أشهر، يسحر خلالها لبنان زوار المعرض بـ 277 قطعة خرجت من مخازن المتحف الوطني، ترمز كلها الى «ستين قرناً من تاريخ الديانات والفن والآثار» كما يشير العنوان الثاني للمعرض.


وتوضح مديرة المتاحف في المديرية العامة للآثار آن ماري عفيش أن المعرض «سيشرح علاقة الإنسان الذي عاش في لبنان عبر الزمن بالدين وبمعتقداته بالحياة بعد الموت، وستبرز القطع تنوع الشعائر الدينية والمعتقدات التي كانت سائدة في هذه البقعة من العالم طوال 6000 سنة».
وتختلف المعروضات باختلاف الأزمنة. ففي فترات التاريخ الأولى، تنحصر القطع بالفخاريات والمعادن، وتتوسع لاحقاً لتشمل النحت على الحجر والبرونز ونفخ الزجاج والتطريز على الأقمشة. وتؤكد عفيش أن اختيار التحف يتماشى أولاً مع كل الفترات التاريخية التي عرفها لبنان، وثانياً مع التوزع الجغرافي للمواقع الأثرية. فـ«كل لبنان، تاريخياً وجغرافياً، في جنيف». وما يميز المعرض أيضاً أن القطع المختارة لم تؤخذ من قاعات المتحف الوطني بل من مخازنه، وبهذه الطريقة لا يغير المعرض الديناميكية في متحف بيروت، بل يشكّل إضافة الى ما هو معروض هنا، وخصوصاً أن بعض التحف ستقدم للمرة الأولى، في حين أن قسماً آخر كان من المعروضات قبل سنة 1975 وبدء الحرب الأهلية. وتشير عفيش الى أن «معرض جنيف شكّل فرصة ذهبية لترميم كل هذه القطع الأثرية، وخصوصاً أنه تكفّل بجميع المصاريف. فأعيد افتتاح مختبرات الترميم في المديرية العامة للآثار، وعاد فريق العمل المختص إليها، فدبت فيها الحياة لمدة ستة أشهر. وتم ترميم وتنظيف 270 قطعة حجرية وزجاجية وفخارية، أما تنظيف القماش والبرونز فكان من اختصاص متحف سويسرا الذي يدير مختبراً مختصاً بهذه المواد».
وتشير عفيش الى أن المعرض سيوزع على طبقتين في متحف الرات، الأولى مخصصة للقطع الأثرية والثانية لمجموعة من الأيقونات النادرة وللصور الفوتوغرافية التي كان المصور السويسري ماكس فون برشن قد أنجزها في طرابلس في بداية القرن العشرين، والتي تؤرخ للحياة في المدينة في تلك الفترة. ولكي يكون المعرض ديناميكياً، سيتم إنشاء زاويتين داخل المعرض، إحداهما تبرز تاريخ الأرجوان واستخراجه والثانية تروي قصة اكتشاف مغارة عاصي الحدث في قنوبين التي كانت مقبرة من القرن الثالث عشر، والتي ساعد جفاف الطقس والتربة على المحافظة على الملابس وحتى تحنيط بعض المدفونين داخلها. وسيتم عرض صورٍ وأفلام وثائقية عن الحفريات الأثرية مثل حفرية صيدا أو اكتشاف المقبرة الفينيقية في صور وترميم جداريات كنيسة مار تادروس في بحديدات (قضاء جبيل).
ويهدف المعرض إلى إبراز وجه لبنان عبر الزمن. 6000 سنة من التاريخ في 277 قطعة، من بينها جرة مدفنية لفتاة صغيرة عثر عليها قبل عقود في جبيل، ولا يزال الهيكل العظمي للفتاة الموضوع بشكل جنين ومعها أغراضها للحياة بعد الموت. ومن بين القطع أيضاً تماثيل لمصلين ومباخر فخارية اكتشفت في صيدا وعرقا وكامد اللوز تشير الى الطقوس المعبدية في فترة العصر البرونزي. وهناك أيضاً مجوهرات منحوتة من الذهب وقد عثر عليها في قبور الدكرمان، وهي تعرض للمرة الأولى، إضافة الى تعويذات وتماثيل أطفال منحوتة في الرخام اكتشفت في معبد أشمون في صيدا تبرز وجه التقوى والصلاة. ومن بين المعروضات تمثال إله ملذّات الحياة بابوسيلين (والد الإله ديونيسوس)، وهو تمثال اكتشف في بيروت بالصورة المعتادة له: متجسم، عارٍ، حاملاً جرة نبيذ وشبه نائم من حالة السكر التي يعيشها على الدوام. كما يغوص زائر المعرض في عالم الأموات فتبرز أمامه نواويس نحتت في الرخام تشكل روائع في فن النحت من الفترة الرومانية، أحدها يعرف بناووس أوريست، تصور النقوش عليه حياة الملك الإغريقي الصاخبة.
وهناك أيضاً ناووس رخامي لطفل صغير نحتت صورته على جانبه تذكراً لحب أهله له. وشواهد القبور أيضاً تعبر الزمن وتخبر عمن عاش في أرض لبنان ومات فيها قبل 2000 سنة. أما مباخر الهرمل النحاسية فتبرز نشأة المسيحية في لبنان في القرون الأولى للإمبراطورية البيزنطية، إضافة الى ملابس أهل حدث بشري التي تضفي على المعروضات لمسة إنسانية.
مما لا شك فيه أن لبنان سيسحر زوار المعرض وسيترك في ذاكرتهم صوراً عن أرض عرفت التاريخ منذ بداياته وتغيرت الحياة والمعتقدات عليها مع مرور الزمن. ولكي لا يبقى السحر في سويسرا، يبقى الأمل بأن يعاد تركيبه لاحقاً في بيروت، لكي لا يكون السحر حكراً على أهل جنيف بل يطال أهل البلد أيضاً.